تزداد ضبابية المشهد على الساحة الأردنية، وتبرز حالة من الازدواجية بين الرغبة الشعبية في الإصلاح، وخوف السلطة من التغيير، وذلك يعود إلى أن مساعي الإصلاح تصطدم بخوف غير مبرر من الوصول لنقطة اللاعودة، مثلما حصل في دول الربيع العربي، كما تصورها النخب السياسية، ذلك يضعنا أمام معادلة الرغبة في الإصلاح والخوف من التغيير.

إن الحاجة الملحة لإيجاد حل يقدم المصلحة الوطنية على حساب المصلحة الشخصية، يضعنا أمام حتمية رسم ملامح المرحلة الحالية، حيث إن هناك اختلالًا واضحًا بميزان الحياة السياسية الأردنية، فالمعارضة تغيب بشكل واضح، فهي أقرب إلى المعارضة الناعمة منها إلى المعارضة الحقيقة التي تحمل أجندات وبرامج تطرحها وتكسب فيها ثقة الشعب.

وفي المحصلة، فإن أي جهد أو تحرك للإصلاح أصبح تحركًا لحظيًا لا يرى النور، وأبعد نقطة يمكن أن يصل لها، وعود شفهية أو وثيقة مكتوبة أو حتى لجنة تتابع القضية، تمامًا مثل الحركة الاحتجاجية التي قادتها النقابات العمالية في رمضان من عام 2018، فأفرزت حكومة جديدة أعطت كثيرًا من الوعود ورحلت دون تنفيذ معظمها.

وما ساهم تعقيد المشهد أكثر، جائحة كورونا، حيث فاقمت الأوضاع الاقتصادية في البلاد، والتي هي المحرك الأقوى للضجر والمطالب الحثيثة بإيجاد صيغة سياسية جديدة، تضمن طرح بديل للنخب المستهلكة والتي فشلت على مدار عقدين من تحقيق المرجو منها على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

عامل آخر ساهم في إضعاف فرص البحث عن مخرج، وهو غياب مجلس نيابي يحظى بتأييد الأردنيين، فقد أصرت الجهات المعنية على إقامة الانتخابات النيابية والتي شكلت جزءً آخر من مشهد الرجوع إلى الوراء، في ظل قانون انتخاب مشوه وظروف غير مناسبة لإقامة الاستحقاق الدستوري، الأمر الذي نتج عنه مقاطعة نحو 70% من الأردنيين الانتخابات، وهو ما يعني فقدانها النصاب وزيادة الفجوة السياسية.

وتحت وطأة غياب معارضة الحقيقية وموحدة، وتراجع دور المؤسسة التشريعية وغياب الثقة فيها، حضرت أصوات تلقي باللائمة على التدخلات الأمنية _ خاصة من دائرة المخابرات _ في الشؤون السياسية، خاصة الحركة الإسلامية التي على ما يبدو لا زالت ترفض التسليم بتراجع دورها وتأثيرها نتيجة التغيرات الإقليمية، ويعد ذلك عاملًا ثالثًا في تأزيم المشهد وغياب أفق للحل.

وفي غمرة الأحداث وبفعل الظرف الواقع، يحضر سؤال واحد: كيف الخروج وما السبيل إليه؟

في ظل ضياع البوصلة، يمكن القول أن الحل بيد الملك ولا أحد آخر غيره؛ وقد أظهرت قراراته خلال السنوات الماضية، سياسة ناجحة في احتواء المشهد، باختيار طريق الحوار من جهة واحتواء الخصوم من جهة أخرى، إما بتقريبهم، أو بإبعادهم عن الساحة السياسية، وهذه الأخيرة قد يرى كثيرون بأنها نهج أمني بعيدًا عن القصر وحساباته، وهو ما قد يفسر رسالة الملك إلى دائرة المخابرات بالنظر في مجال اختصاصاتها.

أما المطلوب، فالسلطة أمام حتمية الحوار وإيجاد معادلة تحوي جميع المتغيرات على الساحة السياسية، بعيدًا عن جشع المقربين منها، ودون وضع اعتبار لانتهازية بعض المعارضين، الذين لا يرون المعارضة إلى طريقًا للتكسب، وعند الحديث عن المعارضة، فإن الحاجة ماسّة لإعادة رسم المشهد بما يحقق تشكيل نواة جديدة للأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني للعب دورها في الحياة السياسية.

أما على صعيد المجتمع، فإن الشعب الأردني يتحمل مسؤولية التغيير بالوسائل المتاحة؛ وأهمها، المساهمة في كل جهد إصلاحي وتسليط الضوء عليها، بعيدًا عن التندر والحالة النمطية من نقد كل شيء أيضًا يجب زيادة المشاركة بإفراز النخب المنتخبة وترسيخ فكرة، أن الحل يبدأ من البرلمان؛ فالسلطة التشريعية قادرة على إنتاج حكومة برلمانية إذا ما توافرت الغالبية الوطنية المنحازة لمصالح الشعب تحت القبة.

لم يزل الأردن يغوص بين رغبة واضحة في الخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد، إلا أن الأدوات لتحقيق ذلك غير موجودة، وعليه، فإننا نرى أن المرحلة القادمة هي مرحلة «ترقيع» في حال استمرار سياسية الاقتراض والرعوية وإسكات الأصوات المستقلة والمعارضة، وإن الحل يكمن بـ«ثورة»، من داخل السلطة وتحديدًا من الملك، تطيح بالنخب السياسية الحالية التي أزّمت الموقف وساهمت في ضياع مؤسسات الدولة الإنتاجية وتغييب التشاركية وسدّ آفاق الحوار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد