بدأت العلاقات الصينية التركية بعد تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923، حيث تكونت علاقة رسمية بين تركيا الكمالية (كمال أتاتورك) والوطنية (الكومينتانغ) الصينية، وذلك لأنه في أوائل القرن العشرين، كانت تركيا نموذجًا للإصلاحيين الصينيين والثورويين وحتى الشيوعيين الأوائل، كما أنه بعد نهاية الحرب الأهلية الصينية في عام 1949، استمرت العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وتايوان (الكومينتانغ) حتى أوائل السبعينيات.

أما في ذروة الحرب الباردة، فقد شاركت تركيا، وهي حليف الولايات المتحدة، بنشاط في الحرب الكورية، وذلك من وجهة نظر صينية- تركية مشتركة إلى حد ما، لكن هذا الحدث أدى إلى تصورات سلبية متبادلة بين الطرفين، حيث احتفظت النخبة الحاكمة في تركيا بموقف مناهض للشيوعية، في حين أعلنت الحكومة الصينية، وخاصة في فترة الشيوعية المرتفعة في الستينيات، علنًا دعمها لتطوير الحركات المعادية لأمريكا في تركيا، حتى أعطت الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، «بيبولز ديلي»، دعمها لليساريين الأتراك في إحدى مقالاتها الافتتاحية.

لكن عملية إقامة علاقة رسمية ودبلوماسية بين الجمهورية التركية وجمهورية الصين الشعبية لم تحدث إلا في عام 1971، وذلك مع تقارب الولايات المتحدة مع الصين خلفية لها، ومنذ ذلك الحين تحسنت العلاقات الثنائية بين أنقرة وبكين، وذلك من خلال القيام بزيارات متبادلة لرجال الدولة رفيعي المستوى وأعضاء من المستوى الأدنى في البرلمانات، ووفود من الوزارات والوكالات الحكومية الأخرى، إضافة إلى ذلك فقد جرى التوقيع على العديد من الاتفاقيات المتعلقة بالاقتصاد والسياحة والتبادل الثقافي والتعاون العسكري، وبالرغم من ذلك كله ظلت العلاقة بين تركيا والصين سطحية إلى حد ما من عام 1971 إلى أواخر التسعينيات، كما لم تبدأ هذه العلاقة في التمتع بأكثر فتراتها تألقًا وعمقًا في تاريخها حتى بداية هذا القرن، كما رفعت زيارة رئيس الوزراء الصيني، وين جياباو، إلى تركيا في أكتوبر (تشرين الأول) 2010 العلاقة الثنائية بين الدولتين إلى مستوى تعاوني إستراتيجي.

أما عندما ظهرت قضية «الإيغور» فقد أصبحت هي أكثر الموضوعات حساسية بين تركيا والصين، خاصة في الجانب الصيني، حيث كانت تركيا تعد مأوىً للإيغور المنفيين والناشطين من منطقة «شينجيانغ» ذاتية الحكم في شمال غرب الصين، كما تعاطفت تركيا مع مقاومة شعب الإيغور للحكومة الشيوعية، لكن مع ذلك كله تطورت العلاقات الثنائية القوية بين الطرفين، وذلك مع قيام الحكومة التركية في محاولتها لتحسين العلاقات مع الصين بتقييد أنشطة الإيغور الذين هاجروا إلى أراضيها، هذا ويذكر أنه في أعقاب زيارة الرئيس التركي «سليمان ديميريل» إلى الصين في عام 1995، أصدرت الحكومة التركية تعميمًا سريًّا وقعه رئيس الوزراء «مسعود يلماظ»، والذي أشار إلى أن الحكومة الصينية غير مرتاحة بشأن أنشطة الجمعيات التركية التي أنشأها مواطنو الإيغور، ونهى عنها أي وزير أو موظف حكومي من المشاركة في اجتماعاتها.

كما أن أحد الأمثلة التي توضح الحساسية بين تركيا والصين فيما يتعلق بقضية الإيغور هي أعمال الشغب في عام 2009 في «أورومتشي»، عاصمة «شينجيانغ»، والتي قتل فيها أكثر من 200 شخص (يشار إليهم في الصين بـ«حادث الخامس من يوليو»)، بحيث إنه في أعقاب أعمال الشغب هذه استقال أحد نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا من مجموعة الصداقة البرلمانية التركية– الصينية، وبالإضافة إلى ذلك دعا وزير الصناعة والتجارة التركي الأتراك إلى مقاطعة البضائع الصينية للاحتجاج على استمرار العنف العرقي، وبعد المظاهرات في أنقرة وإسطنبول، قال رئيس الوزراء آنذاك أردوغان: «هذه الحوادث في الصين تبدو وكأنها إبادة جماعية، ونطلب من الحكومة الصينية ألا تظل متفرجًا على هذه الحوادث».

لكن مع خضوع تركيا للتحول من دولة ذات توجه أمني إلى دولة تجارية، وهي التي عرفها «سنان أولجن» بأنها دولة تؤكد دور التكافل الاقتصادي في سياستها الخارجية، إضافة إلى اعتماد تركيا لإستراتيجية نمو موجهة نحو التصدير، وزيادة حجم التجارة والاستثمار، وصعود «نمور الأناضول» (المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم والديناميكية للمدن التجارية في الأناضول الداخلية)، أدى كل ذلك إلى ظهور تركيا بصفتها دولة تجارية صاعدة بقوة، وتولي اهتمامها للشرق الأوسط والشرق الأقصى (الصين)، حتى أصبحت جهود الصين في هذا الصدد، وأكثر ما يهمها هو انضمام تركيا إلى آسيا الوسطى وإمكانية التعاون العسكري معها.

هذا وقد اعتادت تركيا كعضو في منظمة حلف شمال الأطلسي، على تلقي المعدات والتكنولوجيا العسكرية من الغرب، لكنها أصبحت غير راضية بشكل متزايد عن سياسات بيع الأسلحة الصارمة من الناتو والولايات المتحدة، ونتيجة لذلك بدأت تركيا في مشاركة التكنولوجيا مع الصين وخاصة الصواريخ، حيث إنه في سبتمبر (أيلول) 2013 فازت الشركة الصينية المعتمدة من الولايات المتحدة بعطاء نظام الدفاع الصاروخي في تركيا، كما أن الشركة الصينية ستشارك في إنتاجها مع الولايات المتحدة بـ4 مليارات دولار في أنظمة الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي بعيد المدى، هذا ورفضت تركيا تقديم عطاءات من شركات روسية وأمريكية وأوروبية، وهو الذي أزعج بعض صانعي السياسة الغربيين، الذين كان رأيهم هو أن تركيا كانت «ترسل رسالة إلى الغرب باختيار الصين لنظامها الدفاعي».

إضافة إلى ذلك كله فقد أصبحت تركيا «شريك حوار» لمنظمة شنغهاي للتعاون (SCO) في عام 2012، حيث تقدم تركيا مكانها في منظمة شنغهاي جسرًا إلى الغرب وتعاونًا مع الصين في مجال مكافحة الإرهاب، لكنه من الصعب تفسير ما هي المكاسب الفعلية التي تحصل عليها تركيا من منظمة شنغهاي للتعاون، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنها «لا تزال منظمة إلى حد كبير للبحث عن مهمة»، لهذا يقال إن تودد تركيا لمنظمة شنغهاي للتعاون بصفتها «شريكًا في الحوار» على أنه خطوة ذات عواقب عملية غير واضحة، ولكنه في الوقت نفسه مغازلة رمزية للعالم غير الغربي (الشرق)، حيث تتزايد حالة عدم الرضا عن النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وأوروبا، والذي يرى في منظمة شنغهاي للتعاون محاولة على الأقل لمواجهة ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد