يحكى أن رجلًا ذهب إلى جحا مهمومًا، يشكو إليه ضيق الحال وكثرة العيال، طالبًا منه النصيحة لتحسين حاله، فقال له جحا: اشتر حمارًا وأسكنه معكم في البيت وارجع بعد ثلاثة أيام، فغاب الرجل وبعد انقضاء الأيام الثلاثة، عاد إلى جحا، وقال له: الحال يسوء يا جحا، فما كان من جحا إلا أن قال له: اشترِ خروفًا واجعله يعيش معكم في البيت، وعد بعد ثلاثة أيام، فخرج الرجل متعجبًا، ولكنه فعل ما طلب منه ورجع في الموعد المحدد، وقال لجحا: الحال أسوأ يا جحا، فرد عليه جحا: اشتر دجاجًا وضعه معكم في البيت، وارجع بعد ثلاثة أيام، انصرف الرجل والحيرة تأكل رأسه، ولكنه أخذ بنصيحة جحا، ثم عاد بعد الأيام الثلاث، وقال لجحا: الحال يزداد سوءًا. فأمره جحا بأن يُخرج الحمار من البيت ويبيعه ويرجع إليه بعد ثلاثة أيام، ففعل وعاد إليه، وقال لجحا إن الحال تحسَّن قليلًا، وهكذا طلب منه بيع الخروف ثم الدجاج، فأخبر الرجل جحا بعد أن أخرج من بيته الخروف والدجاج أنه قد أصبح في أفضل حال بعد أن عاد إلى وضعه الأول.

هذه القصة تعطينا فكرة عن الأسلوب الذي كانت تعمل به الحكومات السابقة، بتأزيم الوضع ثم حله، مما يرسخ في أذهان الناس أن هناك من يعمل على مراعاة ظروفهم، لكن الحقيقة أن الوضع لا يتغير إلى الأحسن بل العكس.

أوقع الوضع السابق الحكومة الجديدة في مأزق، وضعٌ أقل ما يقال عنه إنه ملغم، وعملية تفكيك الألغام قد تأخذ وقتًا ليس بالقصير، والأمر الذي قد يزيد من صعوبة ذلك هو معالجة الأمر بالأدوات والآليات والدوائر الماضية نفسها، التي كانت تكرس الرداءة في الحكومات السابقة.

إن استمرار الوضع الاقتصادي الحالي، قد تكون له نتائج مدمرة على كل المستويات في ظل الأزمة العالمية الراهنة بسبب أزمة فيروس كورونا، مما أدى إلى تدهور أسعار النفط لأقل من 30 دولارًا للبرميل.

تواجه الحكومة اليوم الإفلاس المالي، ليس بسبب انهيار أسعار النفط، بل لعدة مؤشرات من بينها تجاوز فاتورة الدعم 1770 مليار دينار، أي أكثر من 16 مليار دولار سنويًّا، هذا الرقم الذي فيه مبالغة كبيرة، وتجدر الإشارة إلى أن أكبر القطاعات التي تسهل فيها عملية الاختلاس هي القطاعات المدعمة من طرف الدولة، كالحليب، والدقيق، والزيت، والبنزين. ولا أستغرب حين أجد أن معظم المسؤولين الفاسدين لديهم استثمارات كبيرة في هذه القطاعات فقط!

إن تصحيح المسار نحو التنمية سيكون باتباع جملة من الخطوات، هي عتبات يمكن من خلالها أن نرتقي للوصول إلى سكة التنمية، وليس للتنمية في حد ذاتها، ولكن لا يمكن صعود هذه العتبات بنفس الآليات والأشخاص الذين كانوا يسيرون مرحلة الفساد، فعندها تصبح عديمة النفع، ومضيعةً للوقت، وحينها ندرك أننا لم نتخلص من عقدة الحمار والخروف والدجاج. ويمكن تلخيص هذه العتبات في:

1- تغيير العملة الوطنية:

رغم الزيادة في حجم الكتلة النقدية، عن طريق طبع النقود في عهد حكومة سلال وأحمد أويحيى، إلا أن العجز لم يتغير في الموازنة العامة، وفي سد الاحتياجات، كما صرحت الحكومة بأن هناك أكثر من 5000 مليار دينار متداولة خارج المنظومة المصرفية، ولا يمكن استرجاع وتطهير الكتلة النقدية إلا بإعادة طبع نقود جديدة، الأمر الذي يجبر المكتنزين على إدخال أموالهم للبنوك، كما يقضي على الكتلة النقدية المشبوهة.

2- التحكم في توجيه الدعم:

بعد استرجاع الكتلة النقدية الذي قد يعطي للبنك المركزي متنفسًا على المدى القصير، كما يعطي للحكومة أريحية مالية يجب أن يوجه الدعم للقطاعات المهمة، وخاصة المنتجة منها؛ لأن توجيه الدعم المالي للقطاعات غير المنتجة قد يستهلك الأموال دون مردود، وهو أمر صعب في الوضع الراهن كما أن هذه النقطة يجب أن تتزامن مع العتبة الموالية.

3- تعزيز آليات الرقابة الإلكترونية:

لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا برقمنة الإدارة، بربط المنظومة المصرفية والبنكية والمالية والضريبية بكل المؤسسات التابعة للدولة حتى يتسنى وتسهل عملية الرقابة الآنية من خلال رصد حركة كل دينار، كما تسهل عمليه الرقابة على عملية تبييض الأموال وعملية الجباية أيضًا.

4- إصلاح المنظومة المالية والبنكية:

في آخر تصنيف قدمه البنك الدولي لسنة 2019 احتلت الجزائر المرتبة 181 عالميًّا من بين 191 دولة من حيث مرونة الجهاز المصرفي والمالي، ولطالما كان النظام المالي والمصرفي في الجزائر أكبر عوائق التنمية ليس لعدم مرونته فحسب بل لكم الفساد والبيروقراطية التي تتحكم فيه، وعملية إصلاح هذه المنظومة ليس صعبًا من الناحية القانونية والإدارية، بقدر ما هو صعب من ناحية التسيير، كما يجب التوجه نحو تفعيل بورصة الجزائر من أجل بعث نوع من الثقة المالية، ثم بعد ذلك المرور إلى عملية تعويم سعر صرف الدينار، وبذلك القضاء على السوق الموازية للعملة، خاصة في ظل تدهور احتياطي الصرف إلى حدود 60 مليار دولار كما يجب على بنك الجزائر النظر في كيفية تفعيل التجارة الإلكترونية التي تسهل عمليه الرقابة وتضمن بقاء تداول العملة داخل المنظومة المصرفية.

5- تعديل القانون الخاص بالاستثمار الأجنبي:

ما تزال الجزائر مصنفة في الخانة الحمراء من حيث الخطورة لرؤوس الأموال الأجنبية، نظرًا إلى العوائق التي تكلمنا عليها سابقًا، لكن لو تمكننا من صعود العتبات الأربعة السابقة، سيصبح بلوغ هدف استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية أمرًا يسيرًا، عن طريق إعادة النظر في القوانين الخاصة بالاستثمار الأجنبي، الذي يعد الوسيلة المثلى للحصول على العملة الصعبة، ولو توفرت الشروط السالفة الذكر ستصبح الجزائر من أكبر المناطق المستقطبة للاستثمار، بحكم أن الجزائر تتوفر على كل متطلبات الاستثمار الطبيعية والبشرية منها.

6- تقليص فاتورة الاستيراد:

ويكون ذلك بتشجيع الإنتاج المحلي ذي المميزات النسبية كالفلاحة والصناعات الغذائية، والسياحة والطاقات البديلة، خاصة وأن الحكومات السابقة حولت الجزائر إلى مجرد بازار لعرض السلع الأجنبية، وحتى الفلاحية والغذائية منها للأسف.

قد تكون هناك عتبات أخرى قد تجعل من السلم طويلًا للوصول إلى سكة التنمية التي تتطلب بدورها جملة من الشروط لوضع عربة الجزائر على السكة بطريقة سليمة حتى يتم دفعها بسهولة وبشكل أسرع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد