يبدو الفرد الباحث عن العمق، عن العلل وما وراء الظواهر أقرب إلى وصف المثقف، ويبدو مجموع الأفراد المكتفين بسطحيات الأمور والأشياء المفيدة آنيًا، أقرب إلى وصف العامة أو المجتمع.

ويبدو هذا الذي نسميه مثقفا قد كفّ عن الإعتماد على الخارج (المجتمع) لإيجاد الدوافع التي تدفعه للحركة، لأن في اعتقاده قد أصبح ذاتي الحركة، ولا يحتاج دوافعًا سطحية أو خاطئة تؤدي به إلى نهايات أو نتائج خاطئة.

ويبدو المجتمع ذو الحركة الميكانيكية الذي يتحرك توافقيًا وبالاعتماد على أجزاء وقطع كثيرة ومتشابكة، يبدو مكتفيًا بتناغم أجزائه التي تمنحه حركته الذاتية الخاصة.

يلاحظ المثقف عبثية المجتمع وركوده الخانق، نزعه إلى الجمود والثبات داخل إطارات بسيطة وسمجة، ويلاحظ المجتمع عبثية المثقف، نزعته إلى التعالي، إنزواءه وعزلته الجامدة.

 يلاحظ المثقف أن المجتمع ساكن لا يتحرك، ويلاحظ المجتمع أن المثقف لا يتحرك وساكن!
فمن هو المتحرك ومن هو الساكن داخل هذا البارادوكس أو المفارقة؟

-انتقال أو اختلال ؟
هذا الانتقال من الخاص إلى العام، يبدو فجائيًا وعشوائيًا إلى أبعد الحدود، الشيء الذي يضع الفرد المثقف وجهًا لوجه مع مجموع الأفراد أو المجتمع، هذا الأخير يتفاجأ بمعاول الهدم تنهال دفعة واحدة على السطح الذي يؤمن به ويستمد منه دافع حركته، لذا فمن الطبيعي أن ترتد ضربات المثقف عليه على شكل خيبة وألم يجعله يكفر بهذا السطح ويصفه بطبقات الصخر الهامدة، فينأى بعيدًا عنه.

وهذا أيضًا ما يجعل المجتمع يكفر بالعمق الذي تهدف إليه معاول المثقف، خاصة عندما يلاحظ أن هذه المعاول غريبة أو مستوردة، ولا تملك خطة للبناء بالموازاة مع عمليات الحفر والهدم المستمرة، فيكوّن مناعة خاصة تجاه تهديد كهذا.

قد تكون الأفكار العميقة في حد ذاتها هدمًا للبسيط والسطحي وتجاوزًا له، فلما قد يتخلى المجتمع عن هذا البسيط الذي يمده بالمعنى لأجل عميق مبهم يضعه أمام غبش اللامعنى والبحث عن المعنى من جديد!
وهل اكتشف المثقف فعلًا بدائل للمعنى السطحي البسيط يجعله واثقًا منها إلى حد التبشير بها؟

وما الذي كان ينتظره المثقف من المجتمع الغارق بالمرايا العاكسة في كثير من الأحيان للحقائق الزائفة والأيديولوجيات الموجهة؟ المرايا كاقتباس للغة غابرييل غارسيا ماركيز في 100 عام من العزلة، وهل يملك المثقف فعلًا مرآة أصيلة تعكس واقع ماكوندو الصغير؟

هذا الانتقال من الخاص إلى العام دفعة واحدة يبدو مرة أخرى مخِلًا، ولن يبدو منطقيًا إلا في بيئته الأولى، أي تاريخ الأفكار الغربية التي افترضت في كثير من الأحيان مركزية الأفكار وشموليتها وصلاحها لأي زمان ومكان (الاستعمار، المشروع الحداثي، العلمنة، العولمة، نهاية التاريخ، المابعديات والنيوليبرالية أو الاستعمار الجديد).

وهذا ما سيجعلك تظن أن أي فكرة داخل أو خارج مشروع ما، تضع المجتمع في موضع المتهم، وتشكك بصيغة مباشرة في مسلماته لن تجلب غير الصدام والاصطدام العنيف الذي يؤدي إلى التوقف التام، ثم إنه من العبث أن نتساءل في هذه الحالة مِنَ التوقف: من توقف أولًا؟

وقد يحدث أن تعتقد هنا أنّ أي فكرة لا تكون وليدة الجانب القيمي الجمالي الأخلاقي بحيث تضع الإنسان غاية لا وسيلة، ستكون محل تشكيك، ثم رفض لأنها لن تأتي بجديد عمّا كان أو عمّا هو كائن الآن.

-جدلية أو صراع:
هنا سيتوقف المثقف ليقول: هذا الهدم المستمر للموجود، إن لم يُواكب ببناء آخر مستمر يوازيه، سيقضي ذلك على معنى الوجود ككل.

هي عدمية مقيتة وتبلد رهيب ينتظرنا وراء ضربات المعاول، ولسوف ننتظر انفجار الماء بعد كل ضربة موغلة في العمق، لكن سترتد الفؤوس على قبضة اليد من طبقات الصخر الهامدة والباردة! إنه الجمود الذي بات يرعبنا كلما رفعنا الفأس لتهوي على سطح ما.
ثم سيبوح المجتمع قائلًا:
إنه لمفيد ذلك السطح وإنه لبسيط، فما الذي يغري بالعمق إذًا؟ وما هو هذا العمق؟ وما الذي نبحث عنه تحت السطح غير الألم والغبش!

كل فكرة بسيطة هي دافع مفيد بهدمها نهدم الدافع ونغذو بحاجة إلى آخر عميق لا نعرفه، كي يدفعنا إلى الحركة ثم إلى الحياة، وما إن نعرفه حتى يصبح دافعا بسيطًا لا يستحق في نظرنا أن يكون المحرك!

إنها لعنة العمق عندما تضعنا في أكثر الأماكن انكشافًا وعلى مرمى فوهات اللامعنى. فمن هذا الذي سينقذنا من تلك المساحات المجهولة والموحشة يتساءل المجتمع؟

هنا سيتوقف الاثنان على أرض السؤال الصلبة، كما لم يقفوا من قبلُ: أي معنى ذلك الذي يهفو إليه المثقف، وأي جدوى تنتظر المجتمع؟ وهنا أيضًا سيكف هذا الجدل عن أن يكون مجرد صراع خفي، أو ظاهر، ليكون جدلية، أو تدافعًا ذا فائدة داخل إطار الفكر والفكرة، بدلًا عن أن يصارع كل طرف داخل حدود نفسه.

سيتوقف المثقف عن مهمة التقريع وسيطفق مسحًا على رأس المجتمع ليستوعب شرطه وظرفه التاريخي، ثم ليبرهن صدق مبتغاه وفاعلية أفكاره التي يدّعي قيمتها وسيكون الزمن عامل الحسم لاختبار جدواها وستتاح للمجتمع فرصة الانفتاح على مثقفيه، وتمكينه ببعض وسائل المحاججة والشعور بفاعليته وبحق المشاركة والفهم، بعيدًا عن التكرار والاجترار وأفكار الإلغاء والاجتثاث وذلك فقط ما سيدفعهما إلى الحركة من جديد بجدلية صحيحة.

سيفهم المثقف هناك أن سطحية المجتمع لم تكن عنادًا لأجل العناد فقط، بل تشبت بدوافع الحياة. فذلك البسيط مثلًا الذي يستيقظ فجرًا كل يوم للكدح ومواجهة البؤس ما كان ليواصل الاسستيقاظ، لولا تلك السطحية التي تشدد على الكد والبدل تحت أي ظرف داخل إطار الأسرة والدين ونظرة المجتمع له.

فيما لو تأمل هذا البسيط قليلًا في وضعه لما وجد ما يدفعه إلى الحركة، الشيء الذي يراه المثقف الماركسي مثلًا من أعلى – بواقعيته المفرطة – خضوعًا وقهرًا وانسياقًا أعمى، بل قد ينسف إطار دوافعه هذه (الأسرة والمجتمع والدين) بنعتها بالمؤسسات الرجعية البالية.

وسيفهم المجتمع أن عزلة المثقف ليست إلا توقفًا عن اعتماد دوافع بسيطة وسطحية ومحاولة للارتقاء كسنة من سنن الحياة درءًا للجمود والركود، وليست تعاليًا، وأن ما يبحث عنه المثقف الحقيقي هو دوافع أجدى وأنفع للجميع ومحاولات مستمرة للتغيير ينفق عليها سنوات عمره بين آلاف الكتب والمجلدات والأفكار وتجاهل تام لمصلحته الخاصة.

نهاية تجدر الإشارة إلى أن هذا الصراع كان ليكون جدلًا صحيًا متواصلًا ومتلاحقًا، لولا تخريب السياسي لكل الجسور التي قد تربط وتدعّم علاقة المثقف النافع بمجتمعه، وهذا موضوع آخر عريض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد