في مُحَاوَلةٍ لإيجَادِ هَويةٍ مُمَيِزَةٍ لِمِصر وأهلها بعيدًا وبأية طريقة عن كل ما هو إسلامي تجد الفِرعُونِية ورموزُها وزخارِفُهَا محشورة حشرًا في كل حدث ومناسبة.

أمثلة جلية

فعلي سبيل المثال لا الحصر، الدُمية الفِرعونية ومُفتاحُ الحَياة الفرعوني في كأس العالمِ لِكُرة اليد وعند نقل رفات الهالكين من الفراعنة تجدهم ينفقون ما يغنى الملايين، لا لشيء سوى ربط المُضطهدين أحفاد المضطهدين من هذا الشعب المظلوم بأي هوية كانت، وعزله عن هويته الإسلامية المرتبطة بدينه ولغته.  ولعل أقرب مثال على ذلك، ما كان من نقل رفات الملوك الهالكين في موكبٍ ضخم سمى بموكب المومياوات الملكية.  بل تجد هويتهم المُصطنعة يدسُّونَها دسَّاً في عِمارة بعض المُنشَآت  الرسمية، حتى إن لم تتناسب مع مُحِيطِها ويتجاهلون عمدًا المِعمَارَ الإسلامي القريب الجميل ورُموزهِ وهندسته الأَصِيلَة.

بالإضافة إلى إكساب طابع التبجيل والتمجيد عند سرد تاريخ الفراعنة في كتب طلاب المدارس الصغار فيشربونها حتى الثمالة منذ نعومة أظفارهم. وعلى صعيد آخر تجد واضعي المناهج من أصحاب العور الواضح ينتقون الزلات في التاريخ الإسلامي، بل يأخذون بكلام المستشرقين والمُحدثين والروايات الضعيفة ويبرزون تلك المواضع؛ فيكبر الطفل منهم غير آبه بتاريخ أسلافه الأقربين من المسلمين واضعي أسس الحضارة الحديثة، وتراه يُهرول إلى من انتهكوا حق الآدمية من الفراعنة البائدين.

أما على صعيد الإعلام فحدِّث ولا حرج؛ فتجد التشويه المتعمد لتاريخ المسلمين العظيم ورموزه وأبطاله الخالدين؛ فهذا هارون الرشيد المؤمن الورع الحاكم الفطن المجاهد الظاهر على أعداء الإسلام، تجدهم يصورونه على أنه صاحب ترف وبزخ، وزير نساء.  وهذا سليم الأول، صاحب البطولات والفتوحات والصولات والجولات يمثلون بسيرته ويظهرونه سفاكًا للدماء، وزير نساء، وصاحب مؤامرات وبزخ أيضًا، ويتكرر الأمر كذلك كثيرًا لغيره من الرموز الأعلام- رحمهم الله – وغفر لهم جميعًا.

ولا يقتصر التشويه على الرموز التاريخية؛ بل تعدى إلى محاولة تشويه الدعوة نفسها من خلال تصوير شخصية المسلم المتدين في صورة إرهابي متعصب، كاره للديمقراطية، يستغل النصوص في غير موضعها، زير نساء وسارق أموال الغلابة بمظهر التقوى والورع، ومثالًا لذلك فيلم الإرهاب والكباب، وكثيرًا من أعمال الساقط عادل إمام، وغيره ويصعب حصر وسرد الأعمال، التي تضمنت هذا النوع من التشويه، حتى إنها تحتاج لكثرتها إلى كتاب جامع مُحلل لها ولمن يقفون وراءها.

ولا يخفى على ذي لب، مَن يقفون وراء هذا التغيير المُمَنهج لعقول وقلوب جماهير هذه الأمة، من مثقفين وفنانين، وتيار القومية المقيت الدخيل على أوطاننا وشعوبنا المؤمنة المخلصة لدينها، ولغتها وثقافتها الإسلامية.

نظرة سريعة لتاريخ الفراعنة

ولو عدنا فتمعنا النظر في الثقافة والهوية البديلة للمصرين مثلًا، ومحصنا وغربلنا تاريخ البائِدين من الفَراعِنَة لما وجدنا فيه إلا تاريخ اضطهاد وتَعذِيب وتشريدٍ وَسُخرة؛ فهو ماضٍ من مجد الدولة وذل المواطن، فهَا هُوَ أَعظم استشهاد لكل دغمائي على حَضارة مَن يَنتسِبُ لَهُم زُورًا، ويتَمسحُ بهم بُهتانًا، على أَنَهُم من أجداده- وكذا يَقولون – ألا وهو أهرام مِصر.
فها هي أهرام مصر مقابر الأراذل الظالِمينَ بِشمُوخها شاهدة على أحد أكبر التناقُضات؛ فتشهدُ على تقدُم الدولة وسلطة ملوكها الظالمين المُذِلة لشعبها، المتنعمة بخيراتهم من ضرائب وسخرة بل وعِبادة.
الشاهد الأعظم في تاريخ الفراعِنة على سادية ونرجَسِيَة الطبقة الحاكمة وحاشِيَتِها الأرستقراطية التي بنته بدماء آلاف المِصريين سُخرَةً وجبرًا، لا لشيء سِوَى إشباعِ غُرور ونرجَسِيَّة الحاكم، وإضفاء مزيد من الرهبة والخشية، وصلت درجة العِبادة والتقديس من رعيته من المصريين المغلوبين على أمرهم.

ثُمَ تمرُ آلاف السِنِين ويأتي أصحاب الدِماءِ المُختَلَطة من المِصرِيينَ المُعاصرين أصحاب الشبق غير المُشبع، لما يملأ خَانة الانتماء الممسوخة بفِعل الفاعلين، فيحاولون التمسح بهذا التاريخ البغيض، فهل يستحق الأمرُ العَنَاء بالانتماء لتاريخ من الاضطهاد والتشريد والتعذيب وامتهان الإنسان؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد