قبل عشرين سنة وبينما شرعت قوات التحالف الدولي في إسقاط أولى قنابلها على أفغانستان مدمرةً بذلك مقرات ومعسكرات حركة طالبان، نقل مراسل قناة الجزيرة وكانت الجزيرة حينها المحطة الوحيدة التي غطت الحرب في بدايتها، ودفعت ثمن ذلك في حينه (سجن مراسلها في مدريد وألقي مصورها في جوانتنامو) نقل مراسل الجزيرة تصريحًا للملا محمد عمر زعيم حركة طالبان قال فيه إن حركته ستواجه التدخل الخارجي وإن استمر لمدة عشرين عامًا، كان تصريحًا عابرًا ضمن تصريحات كثيرة نقلتها الجزيرة عن مكتب الملا محمد عمر، لكن كان يجب الانتظار لعقدين من الزمان لنكتشف أن ذلك لم يكن إفادة صحفية فقط بل كان نبوءة أيضًا.

شهور قليلة فقط ويتم الغزو الأجنبي لأفغانستان عامه العشرين، وشهور قليلة أيضًا تفصل حركة طالبان عن بسط سيطرتها على كامل التراب الأفغاني إذا استمر إيقاع تحركها العسكري بالشكل الذي نراه الآن، وقد سيطرت فعلًا على كثير من المديرات والمناطق المهمة بينها 90% من حدود أفغانستان، ولا يكاد يمر يوم دون أن تعلن سيطرتها على ولاية أو مديرية، بينما تبدو الحكومة الأفغانية فاقدةً لأي مبادرة وتتموضع قواتها في مواقع الدفاع دون خطط واضحة لاستعادة ما فقدته في الفترة الماضية، مركزةً على تأمين مراكز المدن الكبرى إلى حين.

لا يمكن أن يفوت العقل الإستراتيجي الأمريكي، بخبرائه ومراكز بحثه وجنرالاته المتمرسين على حروب مكافحة التمرد؛ لا يمكن أن يفوتهم أن انسحاب التحالف الدولي من أفغانستان يعني سقوط البلد في يد حركة طالبان، وضياع عقدين من المجهود الحربي والسياسي والثقافي كلف ملايين الدولارات وآلاف التوابيت والكراسي المتحركة. السؤال الذي يطرحه العقل الإستراتيجي الأمريكي الآن ليس (هل ستسيطر حركة طالبان على أفغانستان بعد انسحاب القوات الدولية منها؟) لأن إجابته تقع في حكم البديهيات التي لا يتسرب الشك إليها. بل السؤال الذي يطرحه هو: (ما العمل بعد سيطرة طالبان على أفغانستان؟). لقد استنفذ الذكاء الأمريكي كامل خياراته في أفغانستان، واستعمل جميع أوراقه، وجرب جميع الإستراتيجيات والتكتيكات التي صاغتها ألمع العقول العسكرية، ووظف ما تراكم من خبرة وتجربة في مكافحة التمرد، دون أن يسفر كل ذلك عن نتيجة مرضية. ولم يبقَ إلا الانسحاب بعد مفاوضات شكلية مع طالبان هدفها الأساسي تأمين انسحاب القوات ولا شيء غير ذلك. لقد اكتشفت الولايات المتحدة الأمريكية أن خيارات التعامل مع المعضلة الأفغانية، ستكون أوفر بعد الانسحاب منها لو بقيت في بلد تمرس أهله على تفكيك الإمبراطوريات منذ زمن.

لقد حمل العقد الماضي دروسًا ثمينة حول الطرق المثلى التي يمكن بواسطتها القضاء على الحركات الاجتماعية والسياسية ذات الخلفية الإسلامية، أو على الأقل تحجيمها وتبديد رصيدها وتقويض شرعيتها. إن تمكينها من السلطة ووضع المسؤوليات في يدها قد يكون بداية النهاية لها، خصوصًا إذا تحالف خصومها في الداخل والخارج ووضعوا العراقيل في طريقها، وافتعلوا الأزمات التي تجعل الشعوب ناقمةً عليها ومحبطة من تدبيرها السيئ للشأن العام. وفي الحالة الطالبانية يمكن للحصار والعقوبات الاقتصادية والحرمان من المساعدات أن يكون عاملًا أساسيًّا في جعل النموذج الطالباني في الحكم هشًّا وفاشلًا. لكن خصوصية أفغانستان الجيوسياسية وانفتاح طالبان على القوى الدولية المؤثرة سيقلل من نجاعة هذا الخيار. وهناك ملاحظة مهمة في هذا السياق وهي أن حركة طالبان سبق لها أن حكمت أفغانستان لخمس سنوات تقريبًا، ومن يناصرها اليوم ويقاتل إلى جانبها يعلم جيدًا ماهية النظام السياسي الذي تنشده الحركة وتسعى إلى تطبيقه، وبالتالي لن يصاب أحد من أنصارها بخيبة الأمل من نموذجها في الحكم، ما يعني تماسك صفوفها حتى وهي في السلطة.

تروج الولايات المتحدة أن انسحابها جاء بعد تعهد طالبان بعدم جعل أفغانستان منطلقًا لعمليات إرهابية تستهدف العالم، وبقطع علاقاتها بالمنظمات الإرهابية. في الحقيقة لم ترد طالبان يومًا جعل أفغانستان قاعدة انطلاق لعمليات إرهابية تستهدف الغرب، بل كانت إحدى نقاط خلافها مع التيار الجهادي حتى قبل هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 أنها سعت لتكون عضوًا في الأمم المتحدة وجزءًا من المجتمع الدولي، ونشطت دبلوماسيتها في تأمين الاعتراف الدولي بها بمساعدة من حليفتها باكستان آنذاك. والذين كفروا طالبان من شيوخ الجهاديين كفروها لعدة أسباب من بينها هذا السبب. وعندما وقعت هجمات 11 سبتمبر استاء لها الملا عمر كثيرًا، ولم يكن على علم مسبق بها، وطالب الولايات المتحدة بتقديم الأدلة على تورط بن لادن في العملية حتى تتم محاكمته في أفغانستان، وأوعز إلى قيادة القاعدة عدم الحديث باسم الإمارة الإسلامية في أفغانستان. لكن عندما أدركت طالبان أن خطط غزو أفغانستان لن تتغير، وأن هناك إرادة دولية للقضاء على الحركة سبقت 11 سبتمبر، صممت على التصعيد والمواجهة، واجتمع علماء أفغانستان وأفتوا بحرمة تسليم بن لادن وبوجوب التصدي للتدخل الخارجي بكل قوة. ولم يحدث تغيير كبير في مواقف طالبان منذ سقوطها إلى غاية توقيعها اتفاق السلام مع الولايات المتحدة، إذ بقي موقفها من تنظيم القاعدة محايدًا كما كان دائمًا، ولم تصرح يومًا أو تكتب سطرًا في بياناتها ومجلاتها يهاجم القاعدة، وهذه الأخيرة ما زالت إلى اليوم تقدم نفسها تنظيمًا تابعًا للإمارة الإسلامية في أفغانستان. ومع ذلك اختارت الولايات المتحدة الانسحاب ليس لأن طالبان لم تعد حركة إرهابية؛ بل لأنه لا يوجد خيار آخر غير الانسحاب.

لم يكن الأمر يحتاج إلى اعتراف روسي بأن الولايات المتحدة قصفت مواقع لطالبان أثناء قتالها ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لأن محاولة توظيف داعش كانت آخر ورقة جرى استعمالها ضد طالبان دون جدوى، حتى إن مروحيات نقلت مقاتلين من داعش بعد تعرضهم للحصار إلى مناطق آمنة حسب تصريح لطالبان تناقلته وسائل الإعلام في 2019. تبددت جهود الغرب في استنبات الحداثة في صخور أفغانستان الصلدة، وذهبت ديمقراطية الرمال أدراج الرياح، ومازالت أفغانستان ورشةً نشطة لتفكيك الإمبراطوريات، فما من حلٍّ سوى ترك الأفغان يقررون مصير وطنهم بالطريقة التي يرونها مناسبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد