لقد مرت عقود طويلة منذ نشأت حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، التي تبنت الكفاح المسلح في العقدين الأولين لنشأتها وسيلةً لتحقيق الغاية المركزية التي اجتمع عليها مؤسسوها، وهي تحرير الأرض الفلسطينية من الاحتلال الصهيوني؛ لكن ومع بداية العقد الثالث من حياة الحركة، ونتيجة لعدة عوامل داخلية في الحركة، وخارجية تتعلق بالعمق والإقليم العربي، وهو ما سنتحدث عنه لاحقًا بالتفصيل، بدأت شيئًا فشيئًا تتخلى عن الكفاح المسلح في مجابهة الاحتلال الصهيوني، وتبني خيار المفاوضات أو كما تسميها قيادة الحركة الوسائل السلمية، تزامنًا مع انطلاق عملية السلام التي بدأتها مصر بتوقيعها معاهدة «كامب ديفيد» عام 1979، مرورًا باتفاق أوسلو مع منظمة التحرير والكيان الصهيوني عام 1994، وانتهاءً بتطبيع العلاقات مع عدد من الدول العربية في الخليج والمغرب العربيين في 2020.

العوامل الداخلية التي أسست لتغيير نهج الحركة

تعرضت حركة فتح كمثيلاتها من حركات التحرر الوطني والإسلامي للعديد من الهجمات الصهيونية الشرسة التي استهدفت ضرب مقدرات الحركة، سواءً على الصعيد العسكري او الإستراتيجي، ومن أمثلة ذلك شن العمليات العسكرية على أماكن تواجدها وحصارها مثلما حدث في حرب بيروت عام 1982، والتي كان لها الأثر الكبير في إضعاف وتشتيت قدرات الحركة على مواصلة الكفاح المسلح ضد الكيان الصهيوني؛ فبعد العملية الكبيرة التي شنها الكيان الصهيوني على مقاتلي الثورة الفلسطينية وحصارهم في بيروت لمدة سبعة أسابيع، كانت النتيجة بعثرة مقاتلي وقيادة الحركة على عددٍ من الدول العربية والأجنبية.

بجانب العمليات العسكرية الكبيرة التي كانت تستهدف كل مقاتلي الثورة الفلسطينية على حدٍّ سواء، كان هناك عمليات خاصة ونوعية يقوم بها جهاز الموساد الإسرائيلي، تستهدف خلخلة البنية الهيكلية والتنظيمية للحركة، من خلال عمليات اغتيال قادة الحركة أو كما يطلق عليهم «الصقور»، وهم قادة الصف الأول الذين أسهموا بشكلٍ رئيسي في تأسيس الحركة، ومن ثم التخطيط والإشراف على تنفيذ العمليات العسكرية التي كانت تنطلق من دول الطوق العربي باتجاه الأراضي المحتلة، وكان لعمليات الاغتيال هذه الأثر الكبير في تغيير المنهجية الفكرية والتنظيمية للحركة بعد ذلك، وفي إحدى المناسبات ومن شدة أثر وقع هذه العمليات على الحركة، قال الزعيم التاريخي للحركة ياسر عرفات «أبو عمار» في أحد خطاباته ان اللجنة المركزية للحركة ينعقد نصفها في الأرض والنصف الآخر في الجنة، في إشارة الى الاستهداف الكبير الذي تتعرض له الحركة على مستوى القادة المؤسسين والمؤثرين.

مما لا شك فيه أن هذا الاستهداف لقيادة الحركة الوطنية، ساهم في تحييد القادة الصقور أصحاب الفكر الثوري والعمل الكفاحي المسلح ضد الكيان الصهيوني عن هيكل التنظيم؛ وسمح لاحقًا بصعود قادة يحملون الفكر المسالم، لشغل الأماكن القيادية التي أفرغتها الاغتيالات الصهيونية الدقيقة.

عوامل خارجية

لقد أسهمت عدة عوامل إقليمية ودولية في تغيير فكر الحركة وامتناعها لاحقًا عن الكفاح المسلح ضد الكيان الصهيوني. بدأت ملامح هذا التغيير بعد وفاة الرئيس السابق لجمهورية مصر العربية «جمال عبد الناصر» الذي كان يعد رمزًا للقومية والثورية العربية؛ الذي بعد وفاته قامت مصر برئاسة «أنور السادات» بتحرير أراضيها المحتلة من قبضة الكيان الصهيوني عام 1973، ولاحقًا توقيع معاهدة «كامب ديفيد» 1979، وتطبيع العلاقات بين مصر والكيان الصهيوني؛ تلتها محادثات الأردن مع الكيان عام 1987، والتي أفضت لاحقًا إلى توقيع اتفاق «وادي عربة» عام 1994، بُعيد توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني عام 1993.

شكلت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية المدخل الرئيس لشرعنة الوجود الإسرائيلي في المنطقة، والذي سيؤدي لاحقًا إلى تطبيع كامل مع دول الشرق الأوسط، وهو ما بدأنا نلامسه الآن بعد عقود من توقيع هذه الاتفاقية؛ فكان يكفي بأن تطبع دولة عربية واحدة مع الكيان الصهيوني حتى تفتح المجال أمام الآخرين، ودولة عربية بحجم مصر، لها نفوذ وتأثير كبيرين في الشرق الأوسط، شكلت النواة التي انطلق منها قطار التطبيع مع الكيان وشرعنة وجوده في المنطقة؛ كل هذه الأسباب سالفة الذكر، بالإضافة لانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وبداية عصر النظام الدولي أحادي القطبية بزعامة الولايات المتحدة الامريكية، شكلت ضربات متتالية للحركة الوطنية، دفعتها مرغمة نحو الدخول في مفاوضات الطرف الأضعف مع الكيان الصهيوني.

لكن هذا لا يعفي الحركة من توجيه أسهم الانتقاد لها ولأدائها، بعد توليها زمام السلطة الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي، التي أفرزها لها اتفاق أوسلو. صحيحٌ أن الرئيس الراحل أبو عمار كانت لديه رؤية لإعادة إحياء الكفاح المسلح من الداخل ضد الكيان الصهيوني، وهو ما لبث ان بدأ به، حتى تم اغتياله عام 2004، ومن ثم تولي الرئيس «محمود عباس» لمنصب رئاسة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وحركة فتح بعد اغتيال أبو عمار حتى اللحظة، وهي الحقبة التي شهدت تغييرات جذرية لنهج وفكر حركة فتح، أدت بمجملها إلى التحلل من الأدبيات والمبادئ الأساسية والثورية، التي نشأت عليها الحركة، واكسبتها شعبيتها وشرعيتها في مرحلة ما من التاريخ؛ فمعروف أن الرئيس عباس لا يؤمن أساسًا بالعمل العسكري ضد الاحتلال الصهيوني، وهو ما صرح به عديد المرات في المؤتمرات الصحفية وغيرها، لكن الأمر لم يقف عند هذه النقطة، بل وصل إلى ملاحقة واعتقال كل من يقوم بالعمل العسكري أو يحرض عليه، حتى من أبناء الحركة نفسها، بالإضافة لمصادرة وملاحقة المقدرات العسكرية للتنظيمات الأخرى؛ إذ قام بعد توليه منصب الرئاسة بحل «كتائب شهداء الأقصى» الجناح العسكري لحركة فتح، الذي أشرف على إنشائه الراحل ياسر عرفات شخصيًّا، وتهميش أو رفع الغطاء التنظيمي عن آخرين من مؤيدي الكفاح المسلح داخل الحركة، وهو ما أدى إلى ما يحدث الآن في الضفة الغربية من مشهد غريب؛ حيث نجد قوات الاحتلال الصهيوني ومستوطنيه يصولون ويجولون في الضفة الغربية بلا أي حسيبٍ أو رقيبٍ، ويقومون بمصادرة أراضٍ شاسعةٍ لصالح مشاريع الاستيطان بشكلٍ مستمرٍ، وأي أحد يقوم بالتصدي لهم بشكلٍ فردي ينتهي به الامر إما أسيرًا أو قتيلًا على أيدي الاحتلال الصهيوني، ولا نرى أي دعم أو إسناد رسمي أو تنظيمي لهؤلاء الثوريين الذين يتصدون للاحتلال.

كل ذلك أدى إلى تراجعٍ كبيرٍ في شعبية حركة فتح بين الفلسطينيين، ويمكن القول أن ألد عدو للحركة الآن هو الحديث عن انتخابات برلمانية أو رئاسية؛ فهي تعلم تمامًا أن الثمن الذي دفعته للبقاء في الحكم كل هذه المدة، سينقلب عليها في أي استحقاق انتخابي قادم.

إن توضيحنا لحقيقة وماهية الأمور ليس من باب القدح أو الذم في حركة فتح، بل هو محاولة لنقد سياسات أثبتت التجربة عبر الزمن فشلها، بل وانعكاسها بشكلٍ خطيرٍ على الفلسطينيين وتواجدهم وقضيتهم؛ فالمنطق يقول أينما وجد الاحتلال وجدت المقاومة، وعلى حركة فتح أن تصحح الأخطاء الكارثية التي وقعت بها بعد دخولها مغامرة السلطة قبل أن يصبح الحديث عن الحركة مجرد تاريخٍ ومضى!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد