فرنسا والإسلام أو فرنسا والإسلامو فوبيا[1]: ذلك الموضوع القديم الجديد أو المستجد، لأنه شأن فرنسي ماضيًا وحاضرًا، وقضية مقتل المعلم الفرنسي ما هي إلا أحد منشطات حديث الإسلاموفوبيا الذي تدعمه فرنسا سياسيًّا واجتماعيًّا وإعلاميًّا.

فلا جديد؛ فالشعارات نفسها تردد، لكن لا يمكن أن تنمو وتزدهر ما دامت تتنكر للواقع والحقيقة، حقيقة الإسلام الذي ندعو دومًا إلى إعادة النظر في شبكة المفاهيم الخاطئة التي حاولت وتحاول فرنسا تكريسها لتصنع الحدث وتمارس نرجسيتها السياسية التي تحملها على التوهم بأنها قادرة على قيادة العالم، فيما هي عاجزة حتى على معالجة أبسط مشكلاتها الاقتصادية وسياستها الداخلية.

وحتى لا نغرق في الأحكام، أرى أنه من الأجدى إعادة ترتيب علاقة قضية الرسوم المسيئة وربطها بأبعادها وتحولاتها التاريخية والسياسية والإعلامية؛ محاولةً لخلق حقائق جدية ابتعادًا عن ألاعيب الشعارات التي هي في حد ذاتها بحاجة لتفسير وتحليل وإعادة فهم.

وبناء على ما سبق سأسعى لمناقشة هذه القضية من خلال أبعاد ثلاثة:

1-البعد التاريخي:

أبدأ معترفة بأنني لست متخصصة في علم التاريخ، وإن كنت أومن أن المستقبل صنيع الماضي، ولن أدعي أيضًا أنني منطلقي هو فلسفة التاريخ، وإنما هي قراءة في تواريخ معينة أعتبرها منطلقات لمعطيات وأحداث لاحقة.

وبالنسبة لتاريخ فرنسا مع الدول الإسلامية فهو يرجع لبداية القرن 16 حينما أقامت تحالفًا غير أيديولوجي، وهو التحالف الذي جاء نتيجة استنجاد أم الملك فرانسوا بالسلطان القانوني عام 1525، هذا التاريخ الذي شكل بداية تعاون دبلوماسي بين فرنسا والباب العالي[2]، وعلى الرغم من أن هذا التعاون قد حقق مآرب كلتا الدولتين، فإنه وضع فرنسا في وضع حرج تجاه العالم المسيحي الذي تنتمي إليه تقليديًّا، حتى توصل الأمر بالدول الأوروبية آنذاك بتسميته بالتحالف الملعون، ونوعًا من جلد الذات وتكفيرًا على ما صنعته بسمعتها السياسية؛ احتلت فرنسا أيالة مصر 1798-1801، ثم بعد ذلك لجأت لسلسلة من الحملات مثل احتلالها للجزائر في 1830، ثم تونس في 1881، وما تخللها من حركات التبشير الساعية إلى تغيير التركيبة الاجتماعية وهوية الشعوب لضمان السيطرة والبقاء، إضافة إلى محاولتها تخفيف وصمة العار التي لحقت بها فكانت أكثر الدول الأوروبية الاستعمارية استخدامًا للتبشير.

والملاحظ أنه وحتى بعد خروجها من مستعمراتها كانت فرنسا من أكثر الدول الاستعمارية التي أبقت العلاقة فوقية مع مستعمراتها، خصوصًا منها البلاد المسلمة؛ حيث ظلت تنظر نظرة الاستعلاء والوصاية، بل هي نظرة الأستاذ للتلميذ مع محاولاتها الفاضحة أن تبقي ثقافتها هي المسيطرة على مستعمراتها السابقة، حتى تبقى أكثر قوة وفاعلية وحضور.

2- البعد السياسي:

فرنسا ومن بعد جاك شيراك وبمعطيات الواقع السياسي، فقدت شخصية الرئيس القوي والقائد الذي يمثل فرنسا، فماكرون لم يستطع أن يرسم لنفسه شخصية رئيس فرنسا القوي، وكان من المفارقات أن حكمه جاء بخلاف ما فكر فيه الشعب الفرنسي وسعى إليه.

ولكي يخرج ماكرون من هذه الدائرة التي حوصر فيها، وهروبًا من فقدان القدرة على التأثير في الأحداث والمجريات، كان مما لاحظه أن أكثر المجتمعات داخل النسيج الفرنسي اختلافًا هو المجتمع الإسلامي بطابعه الرمزي وأبعاده العقدية، فأراد أن يرسم للخارج صورة مفادها أنه بإمكانه تغيير المجتمع الفرنسي من خلال توجيه النموذج الإسلامي والتأثير فيه معتبرًا إياه يشكل ظاهرة اجتماعية مختلفة عن باقي الفرنسيين من حيث العقيدة والهوية وملامحهما.

ففرنسا تعاني صدمة التراجع على المستوى الاقتصادي والسياسي، ويبدو ذلك جليًّا من خلال دفاعاتها الفاشلة وممارساتها العقيمة، مثل تدخلها الفاشل في لبنان، وبين أرمينيا وأذربيجان بمحاولة تحويله من مجرد صراع بين دولتين إلى صراع يتبناه الإرهاب الإسلامي، وهذا كله محاولة لاسترجاع صورتها القوية المفقودة على الأقل داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصًا بعد أن أصبحت ألمانيا تتحكم في الاقتصاد داخل هذا الاتحاد.

3- البعد الإعلامي:

أولًا وقبل كل شيء لا بد من التذكير أن تنميط صورة الإسلام والمسلمين وتشويهها ليس صنيعًا آنيًّا لكونه نشأ منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 ثم تكرر من خلال حادثة الهجوم على جريدة «شارل إيبدو» 2015.

والصورة النمطية في مفهومها العام هي صورة مبسطة جدًّا لبعض الفئات من الأشخاص أو المؤسسات أو الأحداث التي تشترك فيها الخصائص الأساسية من قبل مجموعة كبيرة من الناس، وهذه الصورة غالبًا ما تكون مصحوبة بالتحيز والإجحاف[3].

وما يعلمه العام والخاص أن المسلمين، خصوصًا المقيمين في غير دولهم، من أكثر الفئات عرضة للإساءة والتشويه، خاصة داخل فرنسا للاعتبارات المذكورة في معرض حديثنا عن الشق التاريخي والسياسي، وهذا وضع يتجدد باستمرار خصوصًا مع بلوغ الأزمات أو الوقوع في المآزق.

ففرنسا تعودت على ترسيخ الصورة النمطية عن المسلمين، وفكرة الإسلاموفوبيا في ذهن الجماهير الفرنسية، حتى أصبحت آراءهم طوع ما يتلقونه من هذه الوسائل، على الرغم من أن المسلمين هناك سواء الفرنسيين منهم أو من ذوي الأصول الأخرى ملتزمون أخلاقيًّا، فقضية الحجاب مثلا تضايق فرنسا وحاولت مرارًا ترسيم قانون منعه بوصفها دولة علمانية ترفض إظهار المظاهر الدينية، لكنها في الوقت ذاته لا تمنع اليهود من إبداء هذه المظاهر على أراضيها.

والحقيقة أن تأثير وسائل الإعلام وهيمنتها في فرنسا أصبحت ظاهرة ملحوظة، تعمل على ترسيخ مفاهيم سواء أكانت خاطئة أم صائبة، كما أنها تعودت على الكيل بمكيالين أثناء تغطيتها لمختلف الأحداث، فحادثة طعن المرأتين المسلمتين في باريس مثلًا لم تأخذ حقها حتى من التغطية العادية، وفي هذا دلالات واضحة على توجيه وتأطير الإعلام لمختلف الأحداث وتبنيه لأجندات سياسية.

إن فرنسا  في الوقت المناسب الراهن جندت وسائل إعلامها لتحقيق سياسة ملء الفراغ، ووجدت أن الاتكاء على ما تسميه بـ«الإرهاب الإسلامي» أو «الإسلاموية» أو «الاسلاموفوبيا» هو مخرجها الآني والوحيد للظهور عالميًّا ولفت النظر إليها بعد النكسات السياسية المتعاقبة، فأصبح الرهان عندها تظهير صورة جديدة معنى وممارسة، قد تسهم في إخراجها أكثر قوة وفاعلية في صوغها لمشروعاتها السياسية داخليًّا وخارجيًّا، في زمن أضحت فيه مصائر الدول متشابكة ومتصارعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد