يدّعي العالم الفرنسي جاك لاكان، أحد رواد نظرية التحليل النفسي أن الإنسان يولد حرًا، ويظل كذلك حتى يتعلم اللغة، والتي تعتبر مجموعة رموز اعتباطية تصبح ذات معنى من خلال توافق وتناغم بين أشخاص ينتمون لثقافة معينة. فاللغة في جلها صناعة مجتمعية يؤثر في تكوينها وإضفاء معان لها تيارات وقوى مختلفة. فهي تفرض على الأشخاص فرضًا منذ الصغر ولا مفر من ذلك لأننا عبارة عن حيوانات اجتماعية لا تعيش بمعزل عن الآخرين. ولو اخترنا العيش في عزلة لأصبحنا دون الحيوانات لأن الأخيرة كذلك تعيش في جماعات وتطور وسائل معقدة للتواصل فيما بينها باستمرار. لذلك تأثير الجماعة التي ينتمي إليها الفرد يتجلى في شخصه وسلوكه وتعامله مع الآخرين؛ فهو غالبًا ما يتبنى لغتها ولهجتها وروايتها وثقافتها. وإذا ما خولت له نفسه التمرد على السائد داخل الجماعة ووجه بالرفض والنبذ والاقصاء.

يبدأ الإنسان باعتناق الحرية جزئيًا في اللحظة التي يتحرر فيها من ضغط الجماعة ليبدأ حينها برحلة اكتشاف الذات والتساؤل والتحري والتقصي عن الخطاب والثقافة السائدتين وفهم القوى التي تتحكم فيما ينطق ويتصرف واستيعاب الأسباب التي تقف وراء ذلك. الهدف من ذلك ليس بالضرورة التمرد على السائد، فهناك الكثير من الخصال والميزات الحسنة فيما هو سائد، ولكن السبب الأساسي لعملية التقصي هو استيعاب تكوين الفرد الفكري والاجتماعي والثقافي والاعتقادي المعقد. للوصول لهذه الغاية ينبغي على الفرد التعمق في ثقافته لفهمها فهمًا سليمًا متسلحًا بالنقد والمنطق والحجة. كل ذلك سيقربه خطوة تجاه فضاء الحرية، فهو لن يحصل على حرية مطلقة أبدًا لأن تلك لا تنتمي للعالم البشري الذي يعتمد على بعضه البعض للتعايش والصيرورة. يمكن القول إنه لا يوجد شخص على وجه البسيطة يتميز برواية فردية وفكرية خالصة، فهي لابد أن تشوبها تأثيرات جماعات حوله أو أفراد آخرين كان مصدر إلها بالنسبة له فأخذ يقلدهم بعض الشيء ويستقي منهم بعض الأفكار.

لأول وهلة يبدو ذلك بسيطًا وسهلًا، ولكنه ليس كذلك. الإنسان في طبعه كسول يرضى بما هو عليه ولا يزعج نفسه بالانشغال في أمور معقدة طالما هو مطمئن ومرتاح داخل الجماعة. لا أقول ذلك من باب الانتقاد ولكن هذا مجرد وصف لما أعاينه وأشاهد. لذلك معظمنا لا يقوم بمراجعة الأطر الفكرية التي شكلناها وشكلتنا لأن ذلك يدخل في التكوين اللاشعوري للأفراد وبلوغ حيز اللاشعور يتطلب جهد وتأمل عميقين. من منا يشكك في ماهية لغته أو أصل عاداته وتقاليده أو صحة دينه ومعتقده؟ فكل تلك العناصر ساهمت في تشكيل شخوصنا وتحديدًا الجوانب الفكرية والثقافية والاعتقادية؛ هي عناصر تشربناها ودمجناها في الوعي اللاشعوري بدون إدراك وصرنا نمارسها في حياتنا اليومية.

قليل هم من يقرر تحدي المعتقدات، والعادات، والثقافات السائدة، التي غالبًا ما ورثناها عن آبائنا وأجدادنا. الغالبية تبقى مقيدة بأصفاد الجماعة الثقافية والعقدية وتتنازل عن حرية التفكير والاستقلالية لتحيا الجماعة. فغالبًا ما نردد «الموت مع الجماعة رحمة ويد الله مع الجماعة» ولا خلاف في ذلك. لكن يد الله كذلك مع الجماعة المتألقة فكريًا وثقافيًا ودينيًا، فالإسلام دين تقدمي ينهض بالأمم. لكن الكثير يصر على تجميد الدين وحصره في نطاق زمني ومكاني معين وهذا هو سبب جمود – لا أقول الدين – بل عقول بعض رجال الدين وعدم قدرتهم على مسايرة ومواكبة التطورات العصرية وتفسير ما يجد في زماننا. بل وإلقاء فتاوي عبثية ما أنزل الله بها من سلطان مثل تحريم التلفاز في أول ظهوره، ثم بعد بضع سنين كانوا أول من اقتنى التلفاز.

يختار الندر اليسير سلوك طريق آخر قد يكون مليء بالتحديات والعراقيل من أجل اكتشاف الذات والتعمق في ماضيهم والنظر إليه من مناظير جديدة قد تحررهم من بعض الأصفاد شيئًا فشيئًا وتمنحهم استقلالًا فكريًا. سوف ينعتون بالمجانين والمعاتيه والزنادقة ويرمون بألقاب شتى لأنهم خالفوا ما كان يَدعوا إليه الكثير من الرجعيين وشقوا طريقًا جديدًا يخالف السائد. كل تلك العقبات لن تثني عزمهم عن المضي في طريقهم، بل يتجنبون هؤلاء الغوغائيين، ولا يلتفتون إليهم من أجل السمو بذواتهم.

إحدى الطرق الشائعة لاكتشاف الذات هي القراءة والمطالعة. لكن مطالعة ماذا؟ نفس الكتب التي تعزز الإيمان بنفس الأفكار الموروثة التي يوصي بها الوعاظ الرجعيين ويحفظوها ليخطبوا بالناس ويغرقوهم بالمواعظ والشعارات الرنانة؟ أم كتب جديدة نتعرف من خلالها عما يدور خارج حدود الجماعة والتعرف على أشخاص غيروا مجرى التاريخ وثاروا على البالي من السائد؟ بالطبع يجب الغوص في مصادر جديدة والتعرف على مجددين ومفكرين عباقرة من أجل مقارنة أفكارهم مع ما هو مألوف داخل الجماعة وإغناء الإطار الفكري والثقافي الخاص بنا. وربما التأثير بأفراد واعدين داخل الجماعة، حيث سيصاب العديد منهم بالصدمة والهول عند قراءة مصادر تتحدى الجمود الفكري الذي تسبب به شيوخهم، فالعزلة المطبقة داخل الجماعة غالبًا ما تولد التعصب والتزمت وعدم التسامح مع ما هو جديد ومخالف لسائدهم.

أحد الأمثلة التي يمكن طرحها هنا هو إسلام السابقين الأولين عند ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم للدعوة لدين الإسلام. حسب رأيي هؤلاء الصحابة من أمثال أبي بكر، وعثمان، وخديجة، وزيد، والزبير، وأبي ذر، وغيرهم، كانوا أكثر الناس حرية؛ لأنهم قرروا التمرد على السائد (الأصنام)، والبحث عن الحقيقة في ظروف مظلمة وشديدة الحلكة حيث كانت قريش في أوج جبروتها وقوتها. فكلنا يعلم أن الإسلام حين خرج إلى النور كان غريبًا يُدعى له بالسر والخفاء في دار الأرقم وكان نبي السلام مضطهدًا محاربًا يُلقى عليه بالحجارة ويهان ويعذب هو أصحابه في سبيل الدعوة. كان إعلان إسلام أحد الأشخاص من قبائل العرب يجلب عليه النقمة والاضطهاد. فعلى سبيل المثال حين ذهب أبو ذر ليعلن إسلامه على جموع الكفار حول الكعبة ضُرب ضَرب موت حيث كاد يقتل لأنه أباح بإسلامه وكذا غيره من السابقين الأولين الذي رأوا أشد صنوف العذاب وتحملوا كل ذلك في سبيل إيمانهم بفكرة ولم يثنينهم ذلك عن إسلامهم. هؤلاء اكتشفوا ذواتهم وحاربوا نزواتهم ووُضعوا في اختبارات متتالية وصبروا على الأذية. ولا عجب أنهم أفضل الناس حسب قول النبي صلى الله عليه وسلم «خير الناس قرني …». هؤلاء أحق أن نقتدي بهم وبنهجهم، فنحن مدينين لهم إلى ما نهاية لأن أجسادهم عُذبت وضربت وشُقت في سبيل إيصال رسالة التوحيد لنا، فأخذناها بكل راحة وطمأنينة في زمن يسوده التسامح والود. لقد تحدى هؤلاء النظام الفكري السائد في أزمانهم وتبنوا نظامًا فكريًا جديدًا محاط بمصاعب جمّة وأعداء سفاحين. يجب قراءة تاريخ هؤلاء والتعلم من دروس التاريخ وأخذ العبر. كان ذلك على سبيل المثال لا الحصر، فلا ضير في التبحر في كافة العلوم سواء الدينية أو الطبيعية أو الاجتماعية. كلها علوم تفيدنا في دنيانا وتقربنّا من اكتشاف الحقيقة والسمو بالروح والذات.

الوسيلة الأخرى التي أردت أن أذكرها هنا هي السفر أو الغربة كما هو شائع. فعند السفر إلى قُطر بعيد من أجل اكتساب العلم أو الرزق، غالبًا ما نعود بذهنية مختلفة بسبب مخالطة جماعات أخرى صاحبة سلوك وثقافة ولغة مغايرة عما نألف. التأقلم مع هذه الجماعات ربما يكون شاقًا جدا، خصوصًا بالنسبة للأشخاص الذين يعشقون التقليد ويتمسكون به أيّما تمسك. حدود العالم عندهم تنتهي عند حدود القرية أو الجماعة التي ينتمون إليها. بمجرد الانتقال خارج حدود هذه الجماعة والسفر إلى أقطار نائية ربما يصاب هذا المسكين بصدمة حضارية قد لا يشفى منها أبدًا، أو حتى يمكن أن يصاب بالجنون بسبب سذاجته وضيق أفقه. أما من تسلح بسلاح العلم وألِف القراءة والمطالعة داخل جماعته وبحث في ثقافات وعادات الأمم الأخرى، فإن تلك الصدمة تكون إجمالًا أخف والتكيف يكون أيسر.

غالبًا ما يساعد ذلك في التعمق في تلك الثقافات دون إدراك حقيقي، وهذا يدفع بعض الأفراد الجادين إلى دراسة وتأمل مجتمعهم وماضيهم وعاداتهم وتقاليدهم، القبيح منها والحسن. فيقوم هؤلاء بإجراء عملية تنقيح جذرية حيث يتم إقصاء ما يرونه قبيحًا لا يناسب ميولهم واستبداله بما هو أصلح وأحسن مما رأوا في تلك الثقافات الجديدة، بالإضافة إلى تعزيز الكثير من العادات الحسنة التي ترعرعوا عليها. فيشكل هذا الفرد إطار فكري وثقافي مُهجن متسم بالمرونة والتسامح. دائمًا ما يمكّن السفر من النظر إلى مجتمعاتنا وثقافاتنا من منظور مغاير أو بتعبير آخر «النظر إلى التيار الاجتماعي من الخارج» من أجل فهمه وتحليله. فالنظر إلى أشخاص من نفس مستوى النظر يختلف عن النظر إليهم من أعلى البناية فذلك يعطيك أبعاد أخرى أوضح. وصدق الإمام الشافعي حين قال: «تغرب عن الأوطان في طلب العلى، وسافر ففي الأسفار خمس فوائد: تفرج هم، واكتساب معيشة، وعلم، وآداب، وصحبة ماجد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد