تتمتع كلٌّ من روسيا وتركيا بثقلٍ سياسي كبير أهلهما للعب أدوار مهمة على المستويين الإقليمي والدولي، ويتوقع لهما أدوار أكثر فاعلية في المستقبل، نظرًا لحركة التغيير الجارية على طبيعة النظام السياسي الدولي؛ أما ما يخص العلاقة الثنائية بينهما، فقد انطوت على تباينات ملفتة، وقد تراوحت إجمالًا بين التجاذب الشديد حد الاقتراب من الصدام من جهة، وبين التماهي في المواقف حد التحالف من جهةٍ أخرى، وقد تتزامن الحالتان في وقتٍ واحد، فيما ينسحب كلٌّ منهما على ميدان مختلف عن الآخر. الأمر الذي يضفي مزيدًا من الضبابية والتعقيد حول طبيعة العلاقة بين الطرفين، ولهذا السبب فقد ظلت العلاقة بينهما مثارًا للجدل والغموض والاستغراب، وقد دفع ذلك البعض للاعتقاد بأن ثمة فوضى تسود إدارة العلاقة بينهما، ولكن الحقيقة غير ذلك تمامًا.

ثمة عاملان بارزان أسهما في طبع العلاقة بين الطرفين على الوجه المبين أعلاه، يتمثل الأول بالسيولة وغياب اليقين التي تشهدها سياسات ومواقف الدول، نظرا لدخول النظام السياسي الدولي في مرحلة إعادة التشكل وفق أسس جديدة، والتي ظهرت معالمها خلال العقدين المنصرمين، وهو وضع تفرضه الحالة الانتقالية التي يعيشها النظام الدولي، ويشكل هذا البعد أحد الأسس التي يمكن أن تتطور العلاقة التركية الروسية المستقبلية بناء عليه، أما الثاني؛ فيتعلق بحركة التدافع السياسي العربي النشط كانعكاس أملاه الحراك الشعبي العربي منذ عقدٍ من الزمان، ودخول أطراف دولية كثيرة على خط التدافع المشار إليه، بما فيهما تركيا وروسيا اللتان تتناقض مواقفهما تمامًا في هذا المجال، غير أن هذا الملف لن يكون حاسمًا في رسم مستقبل العلاقة بين الطرفين، طالما أن هناك عاملًا آخر أكثر أهمية، وذا صلة بالمستقبل الوجودي لكلٍّ منهما، ذلك الذي يتحدد في ضوء علاقتهما بأطراف دولية فاعلة أخرى (الغرب تحديدًا)، ولذلك يمكن القول أن الشكل النهائي للعلاقة بينهما يتقرر تبعًا للتحدي المفروض أمامهما في معركة تثبيت مكانة، ووزن ودور كل منهما في النظام السياسي الدولي، وهذا معطى إستراتيجي كبير، وليس في ضوء تباين مواقفهما في مساحات إقليمية أقل أهمية، وبناء على ذلك، تسهم مواقف الغرب السلبية تجاه كلٍّ من روسيا وتركيا في تقرير مستقبل علاقات التقارب التركية الروسية، فيما يعزز منظور الاعتماد المتبادل بينهما أرضية أكثر صلابة لتلك العلاقة.

العوامل المحددة لطبيعة العلاقة التركية الروسية

أولًا: شكل علاقة تركيا مع كلٍّ من الغرب وروسيا، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الغرب يتشكل من كتلتين منسجمتين إجمالًا، ولكنهما ليستا بالضرورة متماثلتين تمامًا، وهما أوروبا من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وكندا في المقام الأول من جهةٍ أخرى، وهذا يعني أنه يمكن أن تتباين العلاقات التركية الأوروبية عنها عن العلاقات التركية الأمريكية، لكن في الوقت الذي تدخل فيه روسيا على الخط يمكن التعامل مع الغرب بشقيه كوحدةٍ واحدة، وبغض النظر عن التباينات الثانوية بين طرفيه.

وفي هذا السياق، تشكل السياسة الغربية التي تحاول حصار وتحجيم كلٍّ من تركيا وروسيا حافزًا لتقارب الطرفين، في المقابل ثمة قواسم مشتركة يمكن أن تؤسس لنمط علاقات أكثر توازنًا بينهما بالقياس للقيود الموجودة على العلاقات التركية الغربية، وفقًا لما تراه تركيا.

ثانيًا: فحص فرص اشتغال منظور الاعتماد المتبادل

غني عن القول أن تركيا لا تبحث في الوقت الراهن عن الهيمنة في علاقاتها مع الغير، بل عن التكافؤ وتبادل المصالح، وطالما أن هذا الأساس تكتنفه معيقات كبرى في العلاقة مع الغرب، فإنه من الطبيعي أن تسعى لاستكشاف سبل قيام علاقة مع روسيا بوصفها نظيرًا للغرب على الأسس المشار إليها نفسها؛ من جهتها لا يبدو أن روسيا تمانع في ذلك، بل على العكس فهي معنية بعلاقة كهذه، خصوصًا أنه يترتب عليها مكاسب روسية واضحة، إذ تجد شريكا قويًّا يتقاسم معها أعباء المواجهة مع الغرب.

من الطبيعي أن تحاول روسيا استمالة تركيا في ضوء توتر علاقاتها مع الغرب لبناء تحالف يخرجها من منظومة الناتو، وفي حال تحقق ذلك فإن ذلك يصب كثيرًا في مصالحها، غير أن روسيا ربما تحاول التأسيس لعلاقة مع تركيا على أساس هيمنة التوجه الروسي وتفوقه، ويغيب عنها بذلك أن الأخيرة لا تبحث عن راعٍ بقدر بحثها عن شريك حقيقي، ضمن مسعى تحاول فيه إعادة تشكيل شخصيتها وهويتها ودورها بعيدًا عن التبعية لأحد.

إن احتمالات قيام علاقات مصالح وشراكة بين تركيا وروسيا لا يعني أن الطريق بينهما مفروش بالورود، ذلك أن طموح كل طرف، يسبب مشكلةً للطرف الآخر، ما يعني أن ثمة شوط كبير يتعين على الطرفين قطعه وهما يسيران على حافة الهاوية، حتى يحققا النجاح في مسعى الوصول لشراكة تقوم على الندية والتوازن وتبادل المصالح، وسيظل التجاذب بينهما محكومًا بين سعي كل طرف لتحقيق مكاسب إقليمية على حساب الطرف الآخر، وبين الرغبة في الحفاظ على مكانتهما ووزنهما في الساحة الدولية التي يهددها طرف ثالث متربص، وهو أمر يفرض على أحدهما أو كلاهما تقديم تنازلات للآخر في الحالة الأولى لمنع العطب في الثانية، وأن مقدار ما يجنيه كل طرف من تنازل يقدمه الآخر يعتمد على براعته في إدارة ملف العلاقة بينهما بسياقها وتشابكاتها الواسعة من جهة، وطبيعة الظروف المحيطة واتجاهات الصعود والقوة لدى كل طرف.

ثالثًا: لا يشكل النهوض الاقتصادي والسياسي التركي مشكلةً جوهريةً لروسيا كما هو الحال مع الغرب، وحتى لو كان الأمر كذلك جزئيًّا، فإن التقدم التركي المستند لعلاقة شراكة مع روسيا سيكون أقل سلبًا عليها من التقدم التركي المستند للتحالف مع الغرب في مواجهتها، ولإدراك روسيا لهذه المعادلة تجدها تتغاضى عن تحقيق تركيا إنجازات سياسية وعسكرية مهمة في ميادين من قبيل سوريا وليبيا وأذربيجان وأخيرًا أوكرانيا.

رابعًا: ليس هناك صدى روسيًّا للإسلاموفوبيا، تلك الظاهرة المتفجرة اليوم في الغرب تحديدًا، إذ إن مسلمي روسيا هم روس أساسًا، بينما مسلمو الغرب هم وافدون ومهاجرون في المقام الأول، وهذا يؤكد أن لا حساسية للعلاقة الروسية الإسلامية كما هو الحال في العلاقة الغربية الإسلامية، ولذلك لا يؤسس هذا المعطى لعلاقات سلبية بين روسيا الأرثوذكسية وتركيا المسلمة.

خامسًا: التاريخ، صحيحٌ أن الجيوش التركية قد أخضعت موسكو مرارًا كما هو الحال مع الغرب عبر التاريخ، لكن ليس ثمة تواجد لجاليات تركية في روسيا اليوم بحجم وجودها في الغرب، ما يعني أنه لا يوجد أساس موضوعي للتخوف الروسي من عودة سريعة للنفوذ التركي داخل روسيا، من جهةٍ أخرى هناك حاجة روسية ملحة لشريك قوي في مواجهة طرف أكثر قوة يستهدفهما معًا.

وفي المحصلة، يهيئ الموقف الغربي المتشابه إزاء كلٍّ من تركيا وروسيا أرضية مشتركة لهما للتقارب، وتشكل تركيا بالنسبة لروسيا مصلحة كبرى ليست كأي دولة، حيث يسهم خروج تركيا من الناتو عدو روسيا اللدود في إضعاف بقية أعضائه، وهي مصلحة روسية كبرى يمكن أن تدفع لقاء تحقيقها أثمانًا مجزية للجانب التركي.

بدورها، تمر تركيا بمرحلة انتقال وهذا يصاحب سيولة في التوجهات، ومحاولة للبحث عن علاقات تقتضيها طبيعة المرحلة التي يعاد فيها تشكل النظام السياسي الدولي، ووفقًا لذلك ربما يتصادم الطرفان الروسي والتركي إقليميًّا وبطريقةٍ محدودةٍ، وسيكون ذلك تحت سقف تحقيق كل طرف مصالحه على حدة، فيما يبقى سقف العلاقة النهائية بينهما محكومًا بالتهديد الذي يفرضه الغرب تجاههما، وهي حالة تفرض على الطرفين الذهاب باتجاه بناء علاقة متوازنة بينهما، تقوم على أساس الاعتماد المتبادل، بعيدًا عن الهيمنة والتفرد والإقصاء، وستظل هذه المعادلة سيدة الموقف بينهما، ما لم يتغير النظام السياسي في هذا البلد أو ذاك، أو فيهما معًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد