عاشت سوريا فترات طويلة من الظلم والاستبداد تحت حكم نظام الأسد الذي استولى على السلطة عنوةً إثر انقلاب عسكري محتكرًا بذلك الحياة السياسية والعسكرية في البلاد التي طغى عليها المشهد الأمني والعسكري بكافة وسائل العنف والقمع المستخدم ضد أبناء الشعب، والذي أدى إلى ولادة نظام ديكتاتوري شمولي يحكم بالحديد والنار، تقوده الأجهزة الأمنية التي تسيطر على كافة مفاصل الدولة، ومعطلة بذلك لصلاحيات الدستور في ممارسة الشعب لحقوقه العامة والفردية، والتي تكفل حرية التعبير والرأي والتعددية السياسة في حق انتخاب نظام الحكم وشكله ونوعيته، الذي بات وبشكل صريح وواضح بيد ضغمة حاكمة تعمل على توريثه والتمهيد له من الأب للابن منذ أكثر من خمسة عقود، عاشت قبلها سوريا نوعًا من الحرية والديمقراطية والتعددية الحزبية في البرلمانات، ومشاركة الأحزاب، والتمثيل النيابي لمختلف شرائح الشعب.

إلى أن أعلن حافظ الأسد نفسه حاكمًا على البلاد وأمينًا عامًّا للحزب الذي يقوده في سبعينيات القرن الماضي بعد أن كان وزيرًا للدفاع مسيطرًا على زمام الأمور والسلطات التشريعية والتنفيذدية والقضائية، التي أصبحت بيده، مع القوة العسكرية المتمثلة بالجيش الذي عمل من خلاله بإقصاء للعديد من الضباط والعسكريين المنتمين للأكثرية، وتحويله إلى جيش طائفي يولي بالانتماء والولاء له.

تعرض فيها الشعب لأقسى أنواع العنف والتنكيل والممارسات الوحشية التي عرفها التاريخ الحديث والمعاصر، وسط التعتيم الإعلامي القائم آنذاك واستفراد الأجهزة الأمنية على الحالة السياسية السائدة في البلاد، وإرتكابها العديد من المجازر التي قام بها وجيشه في تلك الفترات، والتي كانت من أبشع المجازر والأكبر من نوعها نتيجة انتفاضة شعبية قادها في ذلك الوقت جماعة الإخوان المسلمين، عُرفت حينها بانتفاضة حماة أو ثورة عام 1982، والتي لم يبق مما يحكى عنها إلى ما حفظته ذاكرة الأجيال أو ما تم تداوله وفقًا لشهود تلك الحقبات والسنين التي نتج منها مقتل ما يقارب 80 ألف شهيد معظمهم من المدنيين.

وليس الماضي ببعيد ففي شهر فبراير (شباط) من عام 1982 بدأت قوات نظام الأسد بقصف مدينة حماة بالقذائف والمدفعية والطيران الحربي الذي دخلتها برًّا بعد ذلك بالدبابات، وأطبق فيها الحصار على السكان والمدنيين وارتكبت أفظع الجرائم بحق عشرات الآلاف منهم في ما يقارب 17مجزرة متعددة في أماكن متفرقة في المدينة خلال 27 يوم, بعد أن تم فتح النيران وبشكل عشوائي على السكان والمدنيين كبار السن منهم والشباب، وقتل معظم من يصادفهم أو يعترض طريقهم في الشوارع والطرقات، وكل من كان فيها بأساليب قتل متعمدة ومتعددة الأشكال، بما فيها الطعن بالسكاكين، والقصف وتدمير المنازل على رؤوس قاطنيها بالقذائف والمتفجرات، التي سَّوت بأبنيتها تحت الأرض، وقتل عائلات بأكملها تحت الأنقاض وإشعال النيران بمنازلهم وجثثهم بقيادة سرايا الدفاع التي كان يقودها رفعت الأسد وميليشياته الطائفية، التي مثلت بالجثث وبالأطفال حديثي الولادة في الشوارع والمستشفيات، وما تعرضوا له من عمليات النهب والسرقة ودهس للجثث الميتة والحية منها تحت مجنزرات الآليات والدبابات، التي لم يسلم منها أحد من السكان وما خلفته من دمار للمساجد والكنائس ودور العبادة في الأماكن الأثرية والقديمة تحت نيران الحقد والقصف الطائفي، الذي لم يتوقف عند حد القتل الذي رافقه حملات شرسة من الاعتقال والتهجير راح ضحيته ما يقارب 10 آلاف إلى 15 ألف شخص ومايقارب 15 ألف لم يعرف مصيرهم فيما بعد.

تاريخ أسود من صور إجرام نظام الأسد الذي عمد قبلها في عام 1981 إلى قتل ما يقارب ألف شخص معظمهم من السياسيين والمنتمين لجماعة الإخوان المسلمين عرفت بمجزرة سجن تدمر، قام بها نظام الأسد ردًّا على عملية اغتيال باءت بالفشل، نُفذت ضده قبل حدوث المجزرة بيوم واحد فتح فيها النيران على السجناء والمعتقلين بعد أن قام بجمعهم في الغرف والباحات العامة التابعة للسجن الذي أعده خصيصًا لذلك في سبعينيات القرن الماضي عند وصوله لسدة الحكم.

وما سبقها من أسوأ؛ من حملات القتل والاعتقال والتدمير الممنهج الذي قام به الأسد في العام نفسه، والتي عرفت بمجزرة جسر الشغور عندما شهدت المدينة احتجاجات واسعة تعبيرًا منها عن الاستياء السائد من ممارسات نظام الأسد ومخابراته القمعية، في تكميم الأفواه وقمع للسياسيين والحركات الإسلامية، والتي أدت إلى خروج مظاهرات عارمة بدأت من المدارس الثانوية وجابت أنحاء المدينة التي حوصرت ودُمرت بالقصف المدفعي والدبابات راح ضحيتها عشرات المدنيين ممن قاموا بتلك الاحتجاجات، وفرض طوق أمني كامل على المدينة وتدميرها وارتكاب المجازر فيها.

لم يقف حد القمع والقتل على الاحتجاجات الشعبية أو الحركات الإسلامية فقط، فعندما قامت النقابات المهنية والتي كانت تمثل المجتمع المدني حينها، بإضراب عام شمل المدن السورية، قام على إثرها الأسد بشن حملات اعتقال واسعة أدت إلى حل تلك النقابات وتعيين شخصيات بديلة تناسب سياسته وسياسة أجهزته الأمنية التابعة له. أصدر خلالها القانون رقم 49 لعام 1980 والذي يقضي بإعدام المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ومن ثبت عليه العمل بذلك بشكل مباشر أو غير مباشر في مواجهة النظام والمواجهات المُنددة بحكمه، وبعد توالي تلك الأحداث التي تقدمت الرد على مشروع الدستور الذي أقره حافظ الأسد في عام 1972، والذي لم يذكر فيه ديانة الدولة وهويتها كما هو معهود، وأن الفقه الإسلامي هو مصدر التشريع في الدستور، نتج منها انتشار احتجاجات واسعة في كافة أنحاء البلاد شارك فيها علماء سوريا وجماعة الإخوان المسلمون وأنصار لهم شكلت ضغطً كبيراً على نظام الأسد، ما أدى إلى رضوخه لمطالب الشعب في تعديل مشروع القانون،  مما شكل له حقدًا كبيرًا، فيما ظهرت نتائجها من خلال عمليات الاعتقال الواسعة التي طالت معظم من شارك في تلك الاحتجاجات، وملاحقتهم بعد سنة واحدة من حدوثها.

فما أشبه اليوم بالأمس مما تعيشه سوريا في ظل حكم نظام الأسد الوريث الذي حول البلاد إلى مستنقع أمني آخر تسوده الآلة العسكرية في زمن تصدح فيه حناجر الثوار بالحرية وتنادي ببناء وطن ترسو فيه قيم العدالة، وسيادة القانون الذي لم يبق منه سوى ما يتناسب مع وجود الضغمة الحاكمة التي تحاول هدم إرادة الشعب والسيطرة على معتقداته وحقوقه المدنية والسياسية، والتي جلب لأجل ذلك العدو الإيراني والشريك الروسي أملًا منه في إيقاف حدة المجابهات وقمع الحريات والرمي بثورة الشعب في مهب الرياح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد