هي معضلة شعورية وقع فيها البعض مؤخرًا، بدأ الجميع في الآونة الأخيرة يشتكون من سوء وقسوة البشر هذا ما أوجد سؤالًا بحتًا في ذهني هل يهبط الفضائيون بين الحين والآخر ليشعلوا الأزمات بين بني البشر؟ وإن صح هذا فأين ومتى؟ أريد رؤية الأطباق الطائرة هل يوجد أطباق طائرة أعزائي القراء؟

هذا ما قد نعرفه قريبًا إذا أُثبت بالبحث العلمي والتقصي وجود الكائنات الفضائية التي تعيث في الأرض فسادًا مسببةً كل هذه الفوضى العارمة.

الحقيقة التي نتجاهلها أن الفضائيين لا دخل لهم في ما يحدث، وإنما كل هذا الذي نحن فيه بني البشر هو من صنع أيدينا وعقولنا ونفوسنا المضطربة، لذا أرى أنه ليس من العدل أن نتملص من الأمر ونلقيه على بعضنا البعض أو حينما نعجز بشكل كلي نوكله إلى قوى العالم الخفي هربًا من مواجهة الواقع الأليم، في حين أن الاعتراف بالخلل يقطع علينا نصف الطريق -نصف الطريق- إلى النجاة من هذا العبث المستمر، لكننا لا نملك الجرأة أو القوة على مواجهة أنفسنا وأخطائنا ونميل إلى الهرب من الاعتراف بالذنب والمسؤولية القابعة على أعتاقنا.

هذا كله دار في عقلي حينما كنت أتحدث إلى أحد الأصدقاء، وللمرة التي لا أعرف عددها سمعتهم يقولون أنهم تخلصوا من مشاعرهم بشكل كلي لأنهم تعرضوا للأذي، وفضلوا أن يغلقوا عليهم الأبواب وينهزموا أمام قسوة العالم الخارجي ودون أن يعلموا أو يدرك أي منهم أنهم تحولوا هم أيضًا إلى تلك الوحوش القاسية التي هربوا منها من قبل -يا للسخرية- ما تهرب منه أصبح ما أنت عليه!

لا يمكن أن يتملص بنو البشر من حواسهم ومشاعرهم، لأن هذا يفقدهم آدميتهم يجردهم من الحياة بكل صورها ومن العاطفة يجعلهم أشباحًا تجول المدينة الضائعة التي غرقت بين طيات الجفاء والقسوة.

لا يعد التحول من الدفاع إلى الهجوم طريقًا صحيحًا للنجاة لا يمكن أن نثقب قلوب بعضنا البعض خوفًا من أن نثقبها لبعضنا البعض!

ليس من المنطق أن نهاجم بعضنا البعض بشكل احتياطي لعل بعضنا قد يؤذي الآخر، هذه اللعل هي فرضية قد تحدث أو قد لا تحدث.

 ليس من الحق ولا من العدل أن نجرح بعضنا البعض تحسبًا للمستقبل، تحسبًا لفرضية أن يجرحنا أحدهم في يوم ما في ساعة ما لسبب ما أو بدون سبب من الأساس!

فيتحول الواحد منا من حمامة بيضاء إلى صقرٍ ذي مخالب حادة يجرح دون تردد خوفًا من أن يتم اصطياده في أي ثانية من الصقور الأخرى التي لا ترحم ولا تغفر، صقور قد أصابها السعار حالة من الجوع والنهم لأرواح الجميع دون استثناء ودون رحمة حتى بدون أسباب فعلية.

وهنا تبدأ المعركة الخاسرة لا محالة لأسراب الحمام، إما أن يختاروا التحول -طواعيةً دفاعًا عن أنفسهم- إلى صقور جارحة أو أن يتشبثوا بريشهم الأبيض الذي سيغطى قريبًا بدمائهم، هذا لأن هذه الصقور الجارحة لا ترحم أحدًا أيما يكون صقرًا عدوًا كان أو حمامًا أبيض لا حول له ولا قوة لم يختر قدره ولكنه أحب بياض ريشه لم يقبل أن يتخلص من فطرته الهادئة الحالمة بعالم ألطف وأخف ثقلًا أقل قسوة وعنفوانًا.

هذا ما رأيته حولي في الآونة الأخيرة تهرب الغالبية ويلجأون إلى القسوة إلى إخماد إنسانيتهم وآدميتهم تحسبًا لأي ضرر قد يحل بهم، وفي مراحل تحولهم تلك يبدأون دون وعي في البداية يجرحون كل من هم حولهم لأنه القتل خوفًا من أن تُقتل هو الذي سيطر على عقولهم وأرواحهم دون تفكر، يقولون لقد أصابنا الألم من قبل هذا ما يقولونه ردًا على سؤالك لهم لماذا تؤذي لم تقسو ولم تجرح؟

أليست هذه بمعضلة عجيبة أن يتملكك الخوف فتطلق العنان للوحش داخلك ليعيث في الأرض فسادًا تحسبًا لأي أذى قد يصيبك؟!

أرى أنه على الرغم من قوة مخالب الصقور، وعلى الرغم من سيطرتها الكاملة على المشهد، فإنك حين تدقق النظر ستعلم وبكل تأكيد أن ريش الحمام الأبيض الذي حافظ على طبيعته هو الأقوى في روحه وصلابته الداخلية لأنه لم يختر الطريق اليسير لكنه فضل أن يكمل طريقه محافظًا علي نقاء روحه حتى وإن كان هذا يُحتم إصابته الأكيدة بمخالب الصقور في كل يوم، لكنه لا يبالي بكل هذا فهو في آخر الليل حتى وإن كانت جراحه تنزف دمًا يشعر بفخر شديد، لأنه لم يكن صقرًا ليوم آخر وأنه نجا من هذا الشر المحقق وأن ريشه الأبيض حتى وإن تلطخ بالدماء فهي دماؤه ولم تكن ولن تكون يومًا دماء الغير.

أعلم جيدًا أن الحمام الأبيض في هذه الآونة يواجه حالة من الانقراض يتساءل المتبقون منا هل نحن على الطريق الصواب؟ وهل يجب علينا أن نصبح صقورًا نحن أيضًا حتى ننجو منهم؟ وهل من الممكن أن نصبح صقورا وفي ذات الحين نحمي بعضا من آدميتنا وهل وهل؟!

مائة سؤال في الثانية الواحدة لكني أعزائي أصحاب الريش الأبيض الناجين بإنسانيتهم وآدميتهم من قسوة البشر واختيارهم الأذى على مجابهة الظلام بشكل عام أو بشكل خاص، أرى أن عمرًا كاملًا في جسد صقر جارح يؤذي ويؤلم كل من هم حوله لا يقدر بثانية واحدة من عمر حمام ذي ريش أبيض يسر النفس ولا يؤذي الغير.

أعلم جيدًا أن الاختيار قاسٍ وأنه من الصعب أن نختار أحدًا فوق أنفسنا، وأن غريزة الإنسان الأصلية هي الدفاع عن النفس حتى وإن كان هذا يُحتم عليه أذية الغير، لكن في كونك حمامًا ذا ريش أبيض نعيمًا وسلامًا لن تجده في حياة الصقور الجارحة.

أن تغمض عينيك ليلًا عالمًا أنك لم تؤذ أحدهم لم تمد مخالبك الجارحة السامة إلى صدره وصولًا إلى قلبه، هذا هو السلام الذي يملأ على الحمام الأبيض عالمهم، ويهدئ من روعهم حتى في لحظات يأسهم وتخليهم عن كل هذا، حينها يتذكرون قوتهم أن القوي هو الذي يحارب حتى اللحظة الأخيرة وليس من يستسلم متجهًا إلى طريق الظلام لأنه أقصر وأخف وطأة على النفس.

قد يبدو هذا كله لكم أعزائي القراء محض مبالغة أدبية أو تلاعب ببعض الأوصاف والتعبيرات الجمالية، لكنه الواقع -بكل أسف- بلا تجميل حرفي.

أعرف جيدًا أن الحفاظ على آدميتك هو مؤلم للغاية، ولكنه أفضل إلى المالانهاية من كونك صقرًا جارحًا تحرق قلوب الآخرين وتبعث فيهم الأسى والألم، فقط لأنك تريد أن تحمي نفسك غير مبال بجميع من هم حولك، غير مبال بمن يسقطون قتلى في طريقك إلى النجاة من الألم.

لذا يتحتم علي أن أذكركم ونفسي أنه لا يمكن أبدًا أن يكون ثمن الحفاظ علي النفس هو أذية الغير بأي شكل كان، وأن الهروب من آدميتك لن يصل بك إلى شيء يذكر، إنما ستثقل كاهلك ويزيد طريقك تعثرًا وحسب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد