تخيل أن تستيقظ في صباح غد وتجد نفسك عند خروجك من باب بيتك فجأة قد عبرت إلى القرون الوسطى، في قرون كنت تقرأ عن ظلاميتها ورجعيتها ودمويتها وتشكر الله والمصادفة السعيدة التي لم ترمِ بك هناك في خضمها، حيث لا صور في الطرقات فالسواد المر طمسها قبل الضوء، لا موسيقى لا فنون لا إعلام سوى بالبنادق والرشاشات فوق رأس المذيع، لا إنترنت أو مواقع تواصل اجتماعي (مقي بشكل كبير) اعتدت أن تمارس لذة الوجود أو إعلان الوجود في العالم البشري المعاصر ومشاهدته والمشاركة فيه من خلالها، لا علوم لا أفكار لا آراء سوى فكر ورأي واحد هو رأي العصابة المتسلطة المتربعة على سدة الحكم بالسلاح كما المحتل الذي سبقها، لا حرية لك بأن تمارس حياتك العصرية المعتادة برتابة كما تريد، أو أن تقول رأيك في أي شيء، أو أن تكون جزءًا من أي شيء، لا نساء في الشوارع، ولا الجامعات، ولا مرافق الحياة العامة، إلا أطياف سواد مجبرة، تتجول بخوف وارتباك وحذر بين أشياء المدينة، فقد نفين في لحظات خارج معظم نواحي الحياة. وفوق كل ذلك، لا اقتصاد لا مؤسسات اجتماعية لا أحزاب سياسية ولا منهاج واضح تسير عليه الدولة أو دستور يحدد ملامح علاقتها معك – بالتعاقد معك – وما لك وما عليك في هذه البقعة من الأرض التي نشأت وكبرت عليها ولا تتحدث غير لهجتها المحلية الرائجة، حيث كل شيء بشكل حتمي كان وسيكون كما كان دائمًا «عليك».

وربما استجمعت بعد كل هذا الرعب بعض الشجاعة وتقدمت أكثر فلم تجد في الطريق الذي اعتدت العبور منه إلى آفاق حياتك العادية الرتيبة غير مسلحين وعصابات تراقب أنفاسك وتهددك بالصمت والسلاح، ثم ترى الناس تركض أفواجًا أفواجًا كما الطوفان نحو خلاصهم، ويلقون بأطفالهم الرضع مخالفين بذلك طبيعتهم وفطرتهم البشرية خلف أسوار مطار أصبح في لحظات بوابة عبور اسطورية بين الأزمنة والعصور وبين الحياة والموت، لينقذوهم من مستقبل أسود يلوح أمامهم، تركهم العالم الذي يدعي الإنسانية نتيجة توافقات ومصالح سياسية ليواجهونه وحدهم، ويتعلقون في حديد وإطارات الطائرات ويتساقطون منها كحبات الحصى هربًا من هذا الجحيم الذي هبط عليهم في دقائق وأعادهم قرونا وقرونا إلى الوراء، فيقال عنهم بلغة التعميم والعنتريات العربية المهترئة وباستخفاف شديد بالإنسان وآماله: خونة، عملاء احتلال، انتهازيون.

هل يستطيع من يروج لطالبان على أنها حركة قومية حديثة جديدة مجددة وصالحة لدخول العالم الحديث والانخراط في نسيجه، من النخب والمثقفين – كما يسمون – في العالم العربي والدول المنكوبة منه تحديدًا أن يتعايش مع ما ذكرته، فجأة، في لحظات قليلة حين يحدث الانفجار الكبير، هل ممكن أن يدع حياته في البلاد الأجنبية التي يقطن بها في آمان وينتقل بأسرته إلى أفغانستان اليوم؟

إذا كان الإجابة بلا.. فلماذا يقومون بالمزاودة على الأفغانيين أنفسهم أصحاب الأرض والذكريات عليها حين يتركون وطنهم ويخرجون من المجهول إلى المجهول هاربين بما لديهم من أحلام وطموح يرونه على شفير المقصلة؟ ولماذا نتهم من يتذمر ويتخوف من حكم طالبان والمستقبل الآتي على يديها بالجهل أو العمالة أو الخيانة؟

ننسى ما نخبر به العالم من سنين حين يجدوننا لاجئين في بلادهم، أن لا أحد يترك موطنه بسهولة وأن خيار الهجرة أو الهرب من المجهول هو حدث لا قدرة لنا على منعه بحكم فطرة الإنسان التي تسعى للبقاء.

نعم.. يدافع عن طالبان كما لم تفعل طالبان ذاتها ويعيش في ألمانيا أو السويد أو هولندا «بلاد الكفار» التي تضمن له حق الحياة الآمنة والعيش العصري الكريم وحرية أن يتلفظ بمثل هذا الكلام وأن يحيا حياته كما يشاء، ولو قدمت له طالبان دعوة ليعيش عندها في قصر من قصور الخيال بين التلال التي تتدفق الأنهار من بين جنباتها في تخمة من النعيم كما في ألف ليلة وليلة، في الإمارة الإسلامية التي يبشر العالم بها من لدن السماء ويناطح عنها بالظفر والناب والصوت العالي بكافة الظرق والوسائل، لما قبل أن يزور بلادها الواقعة في القرون الوسطى ولو لساعة واحدة، ولما استطاع من هناك أن يتلفظ بكلمة واحدة عكس توجه طالبان، ولما كان قد حصل على فرصة مواجهة الحياة وتعلم حيل وألاعيب الكلام الذي يدافع به عنها.

وأخيرًا إن الفئة التي ظهرت بآرائها الداعمة مؤخرًا حول طالبان، والتي تبشّر وتحتفل اليوم بها على وسائل التواصل الاجتماعي وقنوات الأخبار، تنذر بأن نسبة غير قليلة من الذين قاموا على رأس الثورات العربية في العقد الأخير كانوا في انفصال كامل عن توجهات الشعب وطموحه ومسار تلك الثورات التي أعطت مئات آلاف الشهداء والمهجرين وما تزال، وعن احتياج المنطقة. وأن ثمار تلك الثورات من الصعب جدًا قطافها على أيدي أصحاب هذا التوجه، الذي خلع عنه في لحظة انتشاء بأصداء نصر بعيد جميع دعاوى الديمقراطية، والمدنية، والتقدم، وحرية الرأي؛ لأنهم سيجعلون من بلادنا أفغانستانات متردية ومتفككة تعيش خارج الزمان، وربما تتجاوز في ظلاميتها وضع أفغانستان اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد