صمتت البنادق، انقشع الغبار، بدأ رفع الركام، والآن حان وقت جرد الحساب. المواجهة الأخيرة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية تستحق أن تأخذ كل الوقت والجهد الفكري الممكن حتى نحلل كل تفصيل فيها ونخرج منها باستنتاجات موضوعية تفيد القارئ وتفيدنا. نعم، الحرب الأخيرة ليست سوى جولة من جولات وعلى الأغلب لن تكون الأخيرة، لكنها لم تكن مواجهة عادية أو مثل سابقاتها، سواء من حيث السياق أو الأحداث.

أيًا كان موقفك من المقاومة الفلسطينية ومن جدوى سلاحها، إلا أن هناك حقائق في الميدان لا يمكن القفز عليها أو تجاوزها، فلو قيل لأحد الإسرائيليين سنة 2010 أن صواريخ المقاومة سوف تضرب في يوم ما تل أبيب على الأغلب ما كان ليصدق، ولو قيل له إن منصات الغاز البحرية ستكون في يوم ما مهددة من قبل المقاومة أنا متيقن أنه كان سيضحك حد البكاء، نحن اليوم في 2021 وهذا الحديث صار حقيقة. الأيام التي كان فيها المستوطن الإسرائيلي يجلس ليستمتع بجمال شواطئ تل أبيب بينما جيشه يحارب على تخوم القاهرة، دمشق وبيروت مضت وانقضت، والأيام التي كان فيها المواطن الفلسطيني يقصف وهو بلا أي قدرة على الرد قد ولت وانتهت كذلك.

هذه التطورات قد تبدو عادية بالنسبة لدولة أخرى، لكن ليس بالنسبة لإسرائيل التي أتت هذه الحرب لتبين فشل نظريتها الأمنية القائمة على جملة من المبادئ، أهمها الحفاظ الدائم على التفوق العسكري في الإقليم، اعتماد مبدأ الحرب الاستباقية والوقائية تجاه أي خطر داهم أو محتمل، ونقل المواجهة إلى أرض العدو. عبر إلقاء نظرة بسيطة على تاريخ العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ الخمسينات، سوف نجد أن هذه المبادئ طالما حكمت توجهات صناع القرار في إسرائيل حيال أي خصم في الإقليم.

فمن أجل الحفاظ على تفوق سلاحها الجوي في المنطقة، ضغطت تل أبيب على واشنطن حتى لا تزود دولة الإمارات بطائرات إف-35، وذلك على الرغم من العلاقات المتميزة التي تحظى بها هذه الأخيرة مع إسرائيل. وحتى لا تواجه في يوم ما احتمال كسر احتكارها للسلاح النووي في الإقليم، قامت إسرائيل بتدمير مفاعل تموز العراقي سنة 1981، وهو في أولى مراحل الإنشاء. وحتى تمنع تحول جنوب لبنان إلى قاعدة للهجمات على مستوطناتها الشمالية من قبل منظمة التحرير، قامت إسرائيل باجتياح لبنان سنة 1982، ووصلت دباباتها إلى وسط بيروت حيث معقل المنظمة مرغمة إياها على مغادرة البلاد.

غزة لم تشذ عن القاعدة، وقد اتبعت إسرائيل في صراعها المستمر مع فصائل المقاومة الفلسطينية هناك نفس هذه المبادئ العامة من أجل إضعاف قدرات المقاومة، تحييد خطر صواريخها وحماية جبهتها الداخلية. في سبيل تحقيق هذه الأهداف، قرنت إسرائيل تحركاتها العسكرية بالدبلوماسية، مدت نطاق عملياتها العسكرية ليشمل ما هو أبعد من قطاع غزة، وسخرت كل ما لها من إمكانيات مادية ومعرفية حتى تحقق الردع.

في هذا الإطار كان أول ما حرصت عليه إسرائيل هو خنق قطاع غزة اقتصاديًا ومراقبة حتى حركة النمل على حدوده، لكن الخنق كان يجب أن يكون مزدوجًا، أي مصريًا-إسرائيليًا، وهنا كان دور الدبلوماسية حيث مارست إسرائيل أقصى الضغوط على نظامي مبارك ومن بعده السيسي لكي يقوم بتدمير كل نفق مع القطاع وعدم ترك أي فرصة حتى لتهريب رغيف الخبز. في هذا الصدد، أبدع كلا النظامين في الإذعان للصهاينة، حيث قام نظام مبارك بإقامة جدار فولاذي فوق وتحت الأرض (بعمق 20 إلى 30 متر) على الحدود مع غزة، ليأتي من بعده نظام السيسي ويقوم بإغراق الأنفاق ومسح مدينة رفح المصرية من الخارطة بحجة مكافحة الإرهاب.

رغم هذا الخضوع المصري الكامل للمطالب الإسرائيلية، إلا أن هذا لم يمنع دولة الاحتلال من التعدي على سيادة الأراضي المصرية، حيث أفادت تقارير إخبارية إسرائيلية في سنة 2019 بأن طيران الاحتلال قصف في ثلاث مناسبات شاحنات يشتبه في نقلها أسلحة إلى غزة خلال الفترة الممتدة من  نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 إلى مايو (أيار) 2019، وهنا علينا أن نتوقع أنه إذا كان هذا ما تسرب من معلومات، على الأغلب ما خفي يبقى أعظم.

في الأثناء مدت إسرائيل نطاق عملياتها على المستوى الإقليمي برًا وبحرًا في سبيل منع كل مدد يمكن أن يأتي للمقاومة، سواء من قبل دول أو جماعات أو أفراد، حيث وصلت يدها الطولى إلى السودان التي أشارت أنباء رسمية وغير رسمية إلى أن إسرائيل إعتدت جويا على أراضيه في ثلاث أو أربع مناسبات ما بين عامي 2009 و2015، سواء بداعي استهداف شحنات أسلحة معدة للتهريب إلى غزة أو لاغتيال أحد قيادات حركة حماس هناك، وقد كانت أشهر تلك الهجمات الإسرائيلية هي تلك التي شنت على قافلة من الشاحنات في فبراير (شباط) 2009 وعلى مجمع اليرموك للتصنيع الحربي بجنوب العاصمة الخرطوم في نوفمبر 2012.

اليقظة الإسرائيلية لم تكن حاضرة فقط في البر، بل أيضًا في البحر، حيث خاضت حربًا من نوع آخر مع شبكات تهريب الأسلحة إلى غزة والمتعاونين معهم من دول جماعات حيث كان البحر الأحمر المسرح الرئيسي لهذه الحرب الخفية المندلعة منذ سنة 2002 عندما قامت القوات الإسرائيلية الخاصة بالاستيلاء على سفينة كارين إيه، مرورًا بعملية سفينة فيكتوريا في 15 مارس (آذار) 2011، وصولًا إلى سفينة كلوس سي في 5 من مارس 2014، وقد أعلنت إسرائيل في جميع هذه العمليات عثورها على قذائف، صواريخ وطلقات رصاص.

بعيدًا عن مصر والبحر الأحمر، لم تكن إسرائيل غافلة عمن يتعاون مع المقاومة الفلسطينية حتى ولو كان مجرد شخص خلف البحار، حيث كان لإسرائيل عودة إلى تونس بعد آخر اعتداء على سيادتها في 1988 (اغتيال أبي جهاد)، لكن هذه المرة لاغتيال رجل لم يعرفه قبل وفاته إلا قلة قليلة، لكن اليوم يعرفه كثرة، كيف لا وهو من حلق اسمه عاليًا قبل بضعة أسابيع عندما أعلنت كتائب القسام عن دخول طائرة استطلاع تحمل اسمه حيز الخدمة مع نجاحها في تنفيذ مهمتها والعودة إلى قاعدة إطلاقها بنجاح.

هو المهندس التونسي ابن مدينة صفاقس محمد الزواري الذي استشهد بتاريخ 15 ديسمبر (كانون الأول) 2016 عندما أطلق عليه النار في سيارته ليسقط على أثرها شهيدًا، الرجل الغامض الذي لم يكن حتى أقرب أفراد عائلته يعرفون شيئًا عن طبيعة نشاطه وارتباطاته بالمقاومة الفلسطينية توضح أنه قدم إليها خدمات جليلة تمثلت في وضع معارفه على ذمتها لتطوير طائرات بدون طيار أشهرها هي طائرة أبابيل التي دخلت الخدمة في حرب غزة 2014، وقد انطلق الرجل في العمل على تطوير غواصات مسيرة وهو المشروع الذي يعتقد أنه عجل باغتياله، لكن على الرغم من ذلك يبدو أن غياب الشهيد لم يؤثر على المشروع، وقد دخلت هذه الغواصات على خط المعركة خلال الحرب الأخيرة كما أكد ذلك جيش الاحتلال حين أعلن عن محاولة إستهداف إحدى منصات الغاز بغواصة متفجرة مسيرة عن بعد.

بموازاة كل هذه الجهود الاستخباراتية العسكرية، انكبت إسرائيل على تطوير منظومة دفاعية ضد الصواريخ قصيرة المدى منذ مواجهتها مع حزب الله اللبناني سنة 2006، وقد كانت القبة الحديدية التي دخلت الخدمة رسميًا سنة 2011 ثمرة جهودها الطويلة حيث اعتبرتها إسرائيل فخر صناعاتها العسكرية، لكن المواجهة الأخيرة أتت لتثبت أن المنظومة غير فعالة بنسبة 100% كما صرح بذلك نتنياهو نفسه وقد رأينا القبة تخفق في اعتراض صواريخ سقطت في قلب تل أبيب. في هذا الصدد يصبح ضروريًا طرح السؤال حول جدوى هذه المنظومة إذا ما واجهت عدد أكبر من الصواريخ يوميًا، فإن كانت فشلت أمام 100 إلى 200 صاروخ، ماذا ستفعل إزاء ما لا يقل عن 500 إلى ألف صاروخ أكثر تطورًا قد يطلقها حزب الله يوميًا في أي مواجهة مقبلة مع دولة الاحتلال؟

منطقيًا كل هذه الجهود في البر والبحر، في ميدان القتال وفي ميدان المعرفة، كان من المفروض أن تؤدي إلى بيئة آمنة أفضل للصهاينة، إضعاف المقاومة وربما دفعها حتى إلى الإذعان والاستسلام على المدى البعيد، لكن ما تحقق على الواقع كان عكس ذلك تمامًا. فبعد أن كانت غزة تطلق ما بين 40 إلى 50 صاروخ يوميًا خلال حرب 2009، صارت تطلق ما بين 200 إلى 400 صاروخ يوميًا خلال حرب 2021. وبعد أن كانت سديروت وعسقلان في المرمى اليومي لصواريخ المقاومة، صارت أسدود وبئر السبع مكانها، وإذا ما استمر نسق تطور قدرات المقاومة الصاروخية بهذه الوتيرة، يمكننا أن نتنبأ بأن حيفا في أقصى الشمال وإيلات في اقصى الجنوب هي من ستكون في المرمى اليومي لهذه الصواريخ في غضون سنوات قليلة.

إنجاز آخر لا يقل أهمية حققته المقاومة خلال السنوات الأخيرة كان أيضًا إنشاء ما بات يعرف بمدينة الأنفاق تحت أراضي القطاع وهي المدينة التي كان دورها محوريًا على مستوى إدارة المعركة مع الاحتلال، سواء على مستوى تنفيذ الهجمات، أو نقل الأسلحة وتخزينها، أو توفير الملاذ الآمن للقادة الميدانيين من فصائل المقاومة، حيث قدر طول هذه الأنفاق خلال السنوات الأخيرة بمئات الكيلومترات. وبالرغم من الحصار الإسرائيلي – المصري الخانق ووضع إسرائيل هدف تدميرها على قائمة أولويات حروبها المتتالية على القطاع، إلا شبكة الأنفاق هذه استمرت في النمو والتوسع ولم تزل تشكل مصدر صداع مزعج للمحتل.

في المحصلة، هذه النتائج ليس لديها إلا تسمية واحدة هي الفشل، والأسوأ من الفشل هي أزمة المصداقية التي أصابت مؤسسة الحكم في إسرائيل. فلو كان قطاع غزة ذي 360 كم²، صاحب الأراضي المنبسطة، المحاصر برًا وبحرًا وجوًا منذ 15 عامًا قد فعل ما فعله بإسرائيل، ماذا سيفعل بها حزب الله غير المحاصر، صاحب التضاريس الوعرة، الترسانة الصاروخية الضخمة والحدود الطويلة مع سوريا إذا ما اندلعت الحرب غدًا؟ وهل يمكننا الجزم بأن ضربات إسرائيل المتتالية ضد شحنات الأسلحة ومواقع حزب الله في سوريا قد أضعفت قوة الحزب فعليًا؟ هذه الأسئلة بدأت تطرح بقوة من قبل المراكز البحثية الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة، والسؤال الأهم والأولى بالنسبة إليهم هو كيف سنواجه حزب الله غدًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد