تنتشر حاليًا في مصر ظاهرة اجتماعية جديدة، هي استخدام تطبيق إلكتروني جديد اسمه «الميوزكيلي»، ذلك التطبيق الذي خطف جيل المراهقة الآن، التطبيق لمن لا يعرفه، هو استخدام مقاطع صوتية لأغان أو مواقف فنية أو حياتية شهيرة ولكن باستخدام شخصي لمستخدم التطبيق، وذلك إما بتقليد وإما ممارسة حركات تستهدف التعبير بشكل ما عن الصوت المستخدم، تطور الاستخدام الآن، وأصبح هناك عدد من المشاهير المراهقين المعروفين لدى قطاع عريض من الشباب المصري، أصبحت مهنة العديد منهم بعدما انتشر تقديم أي محتوى بغض النظر عن تقييمه، على المواقع الإلكترونية، التي أشهرها اليوتيوب، تعتمد مكاسب المشاهير منهم على الإعلانات التي تنشر مصاحبة للفيديو، تصل تقديرات البعض إلى آلاف الدولارات، لكن الملفت للنظر أن الاستخدام يظهر حجم الرغبة في الظهور لدى مستخدم التطبيق، بصفته بحاجة للتعبير عن نفسه، هنا يجب التنبيه لأن جيل المشاهير من مستخدمي فيسبوك وتويتر، ثم مقدمي المحتوى على اليوتيوب أصبح لهم منافس جديد لا يعتمد على الكتابة أو تقديم المعلومة، أو التحليل لموقف سياسي أو اجتماعي، بل امتد ليشمل الرغبة العارمة في الخروج من دائرة القضايا الكبرى للوطن العربي.

زاد اهتمام المصريين قبيل ثورة يناير 2011 وبعدها، ولفترة قريبة بالقضايا الكبرى، وخاصة المتعلقة بالمجال العام على رأسها القضايا السياسية والاجتماعية والدين، معتمدين على تفكيك الآراء المعلبة عن بعض القضايا والمواقف، سواء تاريخية أم اجتماعية، انتهت جميعها بحالة قمع مبالغ فيها، بعد وصول الرئيس السيسي للحكم في مصر.

أعتقد أن مصر شهدت هذه الحالة بعد تأسيس الدولة الحديثة على يد محمد علي باشا مرتين، الأولى قبيل الحرب العالمية الأولى، وحتى انهيار الخلافة العثمانية، إذ انتشرت حالة تفكك أو خلل اجتماعي، وخاصة بعد حالة القمع الشديد التي صاحبت فشل الهوجة العرابية، سرعان ما جرى التفاعل معها بعد عودة البعثات الأجنبية، التي عادت من أوروبا، بدأت حركة النخبة فى مواجهة هذا الخلل، مستخدمة الآليات المتاحة وقتها، من صحف، وكتب، وخلافه، إذ بدأت مناقشة القضايا الكبرى وقتها، أبرزها ما هو متعلق بالدين، مثل قضية الخلافة، وتحرير المرأة، والاستقلال، ومواكبة العالم المتحضر آنذاك.

كانت المرة الثانية قبيل هزيمة 1967 في عهد الرئيس عبد الناصر، الذي أصبح الآن أيقونة الهزيمة في مصر، بعد ما كان أحد أبرز التابوهات السياسية، التي لا يمكن المساس بها، وقتها انتشرت أفلام (الآلية الجديدة للتواصل مع الجمهور) ليست ذات قيمة، ظاهرها مناقشة القضايا الاجتماعية، لكنها تتضمن دائمًا لوم المجتمع، ابتعادًا عن السلطة ودورها في التخلف والانحطاط والاستبداد، وقتها كانت الحالة الثقافية متردية؛ إذ يمارس التضييق على الكتاب والمثقفين الكبار، بموت بعضهم داخل السجون والزج ببعضهم الآخر في المعتقلات، أما الجانب الاجتماعي، فقد ظهرت العديد من الظواهر السلبية، مثل التجسس، والروتين، وكتابة التقارير الأمنية على الأصدقاء والعائلة، وانتشار ثقافة الخوف.

في كلتا الحالتين كانت ردة فعل المجتمع بعد وقوع أزمة كبرى، هي العودة إلى التدين، بغض النظر عن تقييم البعض، الذي يرى أن التدين كان ظاهريًّا، والآخر يراه عودة للصحوة الإسلامية، لكن في النهاية، الاعتقاد السائد كان العودة إلى الله، بوصف ذلك الابتعاد بأنه سبب الأزمة المباشر، والتي كانت في المرتين مصيبة كبرى تحل بالمجتمع، ظهرت في المرة الأولى جميعات دينية تسعى لإحياء حياة السلف الصالح، على حد وصفهم، انتهت بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين، وفي المرة الثانية أعادت بعث حركة الإخوان المسلمين مع جماعات وحركات دينية مسلحة وعنيفة؛ بهدف الوصول إلى السلطة لإقامة الخلافة أو تطبيق الشريعة.

حاولت كثيرًا أن أبحث عن مصادر تشرح ذلك الارتداد إلى الدين، بعد حدوث أزمة كبرى، ولكنني وجدت ما نشر عن هاتين الفترتين وصفًا للحالة دون البحث عن الأسباب التي دفعت الناس لذلك، بينما لاحظت أن رد فعل السلطة في كلا الموقفين واحد؛ فقد كانت توضع تعديلات تشريعية مكبلة للحريات، مع تطبيق سيئ للقانون من قبل قوات تنفيذ القانون، باختلاف السلطة القائمة ومرجعيتها، إلا أن الموقف والفعل واحد.

بمراقبة المشهد العام تمارس السلطة الحالية في مصر بقيادة السيسي حالة قمع شديد وممهنج، تعتمد على الترويج له بدعاية تحت شعار الحفاظ على الدولة، تستخدم فيها الدولة والنظام كل إمكانياتها بصفتهم يحافظون على كيان الدولة، وأن ضرر الاستبداد أهون من ضرر تفكك الدولة، متعمدين في ذلك على موقف دولتي العراق وسوريا، بالرغم من اختلاف أدوات التغيير للدولتين، الأولى بقوة أجنبية، والثانية بأيد محلية، كانت النتيجة واحدة، تلك هي المسألة مبسطة للجمهور العادي، بطبيعة الحال هي دعاية ناجحة حتى الآن، مفيدة للنظام المصري، وكانت السبب في إقامة السلطة الحالية، أضف إلى ذلك ضعف آليات المعارضة المصرية في الداخل والخارج، والشرح المنهجي والنقدي لهذه الدعاية لبحث دور النظامين العراقي، بقيادة صدام حسين، والسورى بقيادة بشار الأسد، في هدم الدولتين لبقاء أنظمتهما السياسية في الحكم والاستمرار.

إن حالة الجنان في الاعتقال العشوائي، والاستغلال السيئ للسلطة الحالية في مصر أنتج ظاهرة اجتماعية كالإبلاغ عن الأقارب والأصدقاء والجيران، بوصفهم منضمين لجماعات سياسية مناوئة للنظام والرئيس السيسي؛ للانتقام الشخصي، بعضهم أعلن ندمه، وبعضهم استغلها لتحقيق مصالحه الضيقة والشخصية، مما تمثل في ردة فعل شبيهة لموقف المصريين في الأزمتين السابق ذكرهما، إذ حال عرض أو طلب حل مشكلة ما، يبدأ الطالب الحديث بتأييده للسلطة الحالية، وحبه للرئيس السيسي وحكومته، وأنه يعمل من أجلهم، لذا يجب التخلص من تلك العناصر الهدامة، ودائمًا السلطة تستجيب لهذا الابتزاز، مثال على ذلك أبناء نزلة السمان، وجزيرة الوراق، والسيدة العجوز ضد مطعم عروس دمشق.

أعتقد أن الانتشار الواسع لاستخدام التطبيق، وتقديم المحتوى الذي لا يهدف إلى شيء، هو بالأساس وسيلة للدفاع عن النفس من قبل المصريين تجاه السلطة الحالية وبطشها العنيف والكبير لأي فعل أو وهم بأن هناك معارضة لأفعالها، بالإضافة لحالة الخلل الناتجة عن حالة القمع، فالمصريون يقدمون دليلًا ماديًّا ومصورًا بأن الأمر كله لا يمثل لهم أي أهمية تحسبًا لحال خطأ لبطش غير مقصود ببقائهم، أو المساس بمصالحهم الاجتماعية والاقتصادية.

إن أبرز المشاهير من مستخدمي التطبيق من الفتيات والسيدات المصريات، الذي مارس المجتمع والسلطة ضدهن كل أنواع القهر وبأشكاله وبدوافع مختلفة، فحالة التحرر الشكلية لبعض الممارسات ليست قائمة على حالة وعي وتنوع قائم على نضال من أجل الحصول على مساحة من الحرية للتحرك، وهو الأمر الذي من الممكن أن يواجه برد فعل مبالغ فيه، حال حدوث كارثة وطنية كبرى، وهو أمر متوقع، ففي النموذجين ما بعد انهيار الخلافة، وهزيمة 67، واجهت المرأة حالة ردة اجتماعية عنيفة، جعلت كل قضايا تحرير المرأة مثار مناقشة من جديد، وما زال المجتمع في بعض الحالات يعود للتصورات الرجعية للحكم عليه، ما أود أن أقوله هنا إن هناك فرصة للحركة النسوية في مصر لإعادة العمل في أدوات التواصل مع السيدات لطرح القضايا النسوية بأي شكل، أعتقد أنه سيلقى قبولًا واسعًا بوصفهن أهم ضحايا ظاهرة التدين طوال الفترة الماضية.

إن لرصد الظاهرة، ومتابعتها، وتحليلها، ومعرفة كيفية استخدامها أهمية كبيرة لعملية إعادة التواصل والاحتكاك مع الجماهير والطبقات الجديدة من الشباب؛ فاستغلال اللحظة الراهنة للمراجعة وإعادة التصور لقضايانا الكبرى، مثل دور الدين والجيش في السلطة، وإعادة النظر في التراث الديني في الشرق الأوسط وقضايا الحرية والمساواة، ضرورة قصوى للخروج من نفق النظام المظلم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد