انخرطت الصين خلال السنوات الأخيرة الماضية في جهود متضافرة لتحديث وتطوير القوات المسلحة لديها، بحيث أصبحت تسعى جاهدة إلى أن تصير قوة عالمية كبرى، وذلك من خلال الحصول على القوة (الصلبة) أي القوة العسكرية، وبما يتناسب مع قوتها (الناعمة) الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية، حيث تبدو بكين مؤخرا أكثر ميلًا لاستخدام القوة العسكرية (أو التهديد بالقوة العسكرية) للدفاع عن مصالحها الإقليمية وتعزيزها، وذلك مثل مطالبها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي أو حماية الممرات البحرية المحلية الحيوية، وإمدادات الطاقة والتجارة بها، وبناءً على كل ذلك فإن تطوير الوسائل العسكرية بات أمرًا أساسيّّا في هذه الإستراتيجية، كما أن الصين تتطلع إلى زيادة قدراتها العسكرية من أجل إبقاء الضغط على تايوان، وذلك حتى لا تعلن الاستقلال، ويقبل النظام الحاكم فيها نوعًا من إعادة التوحيد مع البر الرئيسي الصيني، وفي الوقت نفسه تريد الصين أن تقلل من استعداد الولايات المتحدة للتدخل لصالح تايوان في حالة حدوث صدام عسكري عبر المضيق، وذلك من خلال رفع خسائر وتكاليف المشاركة للولايات المتحدة.

هذا ويذكر أنه ومنذ عام 1997 زادت النفقات العسكرية الصينية 600% على الأقل بالقيمة الحقيقية، كما أنه ومن أواخر تسعينيات القرن الماضي، انتقلت الصين من ميزانية عسكرية أصغر من ميزانية تايوان إلى كونها ثاني أكثر منفق على الدفاع في العالم، ومتفوقة بذلك على اليابان وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة، واليوم تنفق الولايات المتحدة فقط أكثر مما تنفقه الصين على الدفاع، حيث إنه في عام 2011 خصصت الصين 601 مليار يوان (91.5 مليار دولار أمريكي) للدفاع، بزيادة قدرها (12.7%) عن عام 2010، وفي الواقع كانت ميزانية الدفاع لعام 2010 البالغة 532.1 مليار يوان (81 مليار دولار أمريكي) نفسها أكبر بنسبة (7.5%) من 481 مليار يوان لعام 2009، والتي كانت بدورها أكبر بنسبة (14.9%) من ميزانية الدفاع لعام 2008.

وقد سمح التزام الصين الموسع وبشكل كبير بهذه الإستراتيجية، بتمويل نفقات الدفاع وتكريس موارد كبيرة للأبحاث والتطوير في مجال المشتريات والدفاع، كما أن جميع فئات الإنفاق العسكري الصيني، بما في ذلك الأفراد والتدريب والعمليات، قد ازدادت بشكل ملحوظ على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، فوفقًا لورقاتها الدفاعية التي تصدر مرتين في السنة، خصصت بكين باستمرار حوالي ثلث نفقاتها العسكرية على مدى العقد ونصف العقد الماضي لشراء المعدات، وهذا يجاري بل ويتفوق في أحيان كثيرة على معظم البلدان الكبرى الأخرى، فمثلًا فرنسا خصصت (27%) من ميزانية الدفاع لعام 2009 للمعدات والأبحاث والتطوير، في حين خصصت المملكة المتحدة (26%)، وألمانيا (17%) فقط، كما أنه في عام 2010 ذهب (17.5%) فقط من جميع النفقات اليابانية غير المدعومة إلى شراء المعدات، إلى جانب (2.5%) فقط إلى الأبحاث والتطوير الدفاعي.

هذا وقد ارتفع الإنفاق السنوي لجيش التحرير الشعبي على شراء المعدات من حوالي 3.1 مليار دولار في عام 1997 إلى ما يقدر بنحو 30.5 مليار دولار في عام 2011، ومن هذا ربما يتم تخصيص ما بين 4 إلى 6 مليارات دولار للبحث والتطوير، كما ومن المحتمل أن يجعل هذا الصين ثاني أعلى نسبة إنفاق في العالم من حيث الإنفاق على المشتريات، وعلى الأقل ثالث أعلى نسبة عندما يتعلق الأمر بالبحث والتطوير في مجال الدفاع.

كما ويذكر هنا أنه ومنذ نشأت جمهورية الصين الشعبية، سعت بكين جاهدة إلى الاعتماد على نفسها في تطوير وإنتاج الأسلحة، وبناءً على ذلك أنشأت أكبر مجمع صناعي/عسكري في آسيا، كما تضم هيئة التصنيع العسكري الصينية أكثر من ألف شركة مملوكة للدولة، والتي أظهرت سجلًا للأداء لا يُضاهى، ومع ذلك وعلى الرغم من طموحاتها ونطاقها هذا، فقد ظلت الصين لفترة طويلة تمتلك واحدة من أكثر الصناعات الدفاعية المتخلفة من الناحية التكنولوجية بين القوى الكبرى في العالم، حيث كانت أنظمة الأسلحة الأكثر تطورًا محليا عندها خلف أنظمة الغرب على الأقل ما بين 15 إلى 20 سنة، كما كانت الرقابة على الجودة ضعيفة باستمرار، علاوةً على ذلك كانت قاعدة البحث والتطوير في أنظمة الدفاع الصينية قاصرة في العديد من المجالات الحرجة، بما في ذلك الطيران والدفع النفاث والإلكترونيات الدقيقة، والحواسيب والمواد الجديدة.

هذا وأطلقت بكين بعدها العديد من المبادرات التي تهدف إلى ضخ المزيد من الحوافز السوقية في قطاع الصناعات الدفاعية، بما في ذلك إدخال تقنيات الإدارة الغربية، والتركيز الجديد على مراقبة الجودة، وزيادة الرقابة من جانب الجيش الصيني عندما يتعلق الأمر بالمشتريات وإدارة البرامج، كما بذلت جهودًا كبيرة لترشيد إنتاج المجمع العسكري الصناعي المتضخم في البلاد، وذلك من خلال استبعاد العمالة الزائدة وتعزيز الإنتاج، حتى إن الصين قامت بفتح المجال للقليل من المنافسة الداخلية، مما أدى إلى تفتيت الشركات الكبيرة المملوكة للدولة إلى شركات أصغر متنافسة ومتنازعة، خاصةً في قطاعي الطيران وبناء السفن، إضافة إلى ذلك كله اتبعت الصين بقوة إستراتيجية للبحث والتطوير مزدوجة الاستخدام، بحيث تشدد على تطوير تكنولوجيات مدنية متقدمة، خاصةً في مجالات الإلكترونيات وتقنيات المعلومات، والطيران ومركبات الإطلاق الفضائية، والأقمار الصناعية والتصنيع المتقدم، والتي يمكن في الوقت نفسه تشغيلها لمنتجات الدفاع والإنتاج العسكري، أما خلال العقد الماضي فقد عملت بكين بجهد كبير لتشجيع المزيد من التنمية المحلية والنمو في هذه القطاعات، وتوسيع الروابط والتعاون بين هيئة التصنيع العسكري في الصين وقطاعات التكنولوجيا العالية المدنية، ويبدو أن هذا النهج أصبح يؤتي ثماره بشكلٍ كبير.

وقد شارك جيش التحرير الشعبي الصيني مع جهود متضافرة أخرى من الدولة، لاستبدال معداته العسكرية وتطويرها منذ أواخر التسعينيات على الأقل، وذلك مع التوسع المستمر لموارد الدفاع، حيث اعتمدت بكين بشكل كبير على الموردين الأجانب، وخاصةً روسيا وأوكرانيا وإلى حد أقل إسرائيل لتلبية متطلباتها الفورية للأسلحة المتقدمة، ومع الوقت تحولت جمهورية الصين الشعبية بشكلٍ متزايد إلى صناعتها الدفاعية الخاصة بها لتزويد جيشها بالأسلحة الحديثة، وقد تم ذلك من خلال نهج تكميل قدراتها الدفاعية بالتكنولوجيات التي تم إما عكسها (على سبيل المثال مقاتلة J-11B ، استنساخ من الروسية سو -27) أو سرقت تمامًا من الموردين الأجانب (على سبيل المثال تقنيات التخفي والمعلومات)، كما أنها أضافت في العديد من الحالات إمكانات لم تكن تمتلكها من قبل، وذلك مثل الضربات الشاذة والوقائية، والهجوم بعيد المدى للهواء البحري والهواء الطلق والحرب الاستطلاعية، إضافة إلى أنه تم تعزيز قدرات القتال الجديدة هذه من خلال تحسينات كبيرة في البنية التحتية العسكرية الصينية، بما في ذلك الأقمار الصناعية، والمركبات الجوية غير المأهولة وشبكات الكمبيوتر، ولهذا السبب من العدل والإنصاف وصف التحسينات العسكرية للصين بأنها «تراكم خبرات» وليس مجرد «حملة تحديث».

كما وقد تأثر التفكير العسكري الصيني أخيرًا وبشكل خاصٍّ بما يسمى الثورة في الشؤون العسكرية ومفاهيم الحرب التي تتمحور حول شبكة المعلومات العالمية، حيث يرى الكثيرون في جيش التحرير الشعبي إمكانات كبيرة لمضاعفات القوة في مجالات مثل حرب المعلومات لدى القوات البحرية، ولهذا بنت الصين ست مدمرات من ثلاثة أنواع مختلفة بين عامي 2000 – 2011، مجهزة بنظام رادار للدفاع الجوي ونظام الحماية من الحرائق، كما أن هذه السفن مزودة بصاروخ كروز مضاد للسفن وصاروخ كروز للهجوم الأرضي، إضافة إلى أنها تحمل عدة صواريخ (SAM) صينية الصنع، كما أضافت الصين ما لا يقل عن اثنتي عشرة فرقاطة جديدة لقواتها، والتي تتميز بتصميم مميز ومسلحة بقاذفات صواريخ هجومية سريعة، وذلك في استمرارٍ للتقدم نحو بناء أول حاملة طائرات محلية بالكامل، وهذا كله يضاف إلى أربع مدمرات روسية الصنع وغيرها الكثير.

أما أسطولها من الغواصات فقد وسعته الصين بشكلٍ كبيرٍ على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية أيضًا، فمنذ أواخر التسعينات حصلت على 13 غواصة تعمل بالديزل والكهرباء من النوع (Type-039) من روسيا، كما وتعد (سونغ) أول غواصة صينية الصنع تتميز ببدن الباكور الحديث (أو على شكل دمعة) ومروحة منحرفة (لتحسين التهدئة)، إضافة إلى أنها عززت قدراتها من خلال بناء غواصات فئة (اليوان 41)، والتي تم دمج بعض الميزات الموجودة في الغواصات الروسية فيها، كما وبدأت أول غواصة هجومية جديدة من نوع (II-093A) من طراز (شانج) من الدرجة الثانية تعمل في الآونة الأخيرة، إضافة إلى أن الصين تعمل على تطوير أسطولها الخاص بالغواصات المضادة للصواريخ الباليستية، وهذا التطور كله جعل إجمالي حمولة السفن الحربية الجديدة والمساعدات التي أطلقتها الصين في السنوات الأربع الأخيرة وحدها أكبر بكثير من إجمالي حمولة البحرية الفرنسية وغيرها.

كما وبدأت الصين ابتداءً من عام 1992 باستيراد طائرات مقاتلة (Su-27 Flanker) الروسية الصنع، واستُكمل هذا لاحقًا بشراء النسخة الأكثر تقدمًا من طراز (Su-30 MKK)، وفي النهاية وافقت كلٌّ من بكين وموسكو على ترتيب الترخيص لإنتاج طائرة (سو -27) على شركة الطائرات شنيانج، حيث إنه ومنذ أوائل عام 2000 قام الصينيون بتصنيع نسخة عكسية من طراز Su-27))، وإن كانت لا تزال تعتمد على المحرك الروسي.

هذا وركزت جهود التحديث للقوات الجوية لجيش التحرير الشعبي وقوات الطيران البحرية التابعة له على اقتناء طائرات مقاتلة حديثة بصواريخ جو/جو متقدمة وأسلحة جو/أرض، فضلًا عن أنظمة الصواريخ أرض/جو طويلة المدى، وقد حصلت الصين على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية على عددٍ كبيرٍ من الطائرات المقاتلة من الجيل الرابع، إضافة إلى قاذفات صواريخ جو/جو موجهة متوسطة المدى، لكن ما زالت الصين في الوقت الحالي تفتقر إلى طائرة ثابتة الجناحين قابلة للقفل (الطي)، وفي وقتٍ من الأوقات، ترددت شائعات بأن الصين كانت مهتمة بشراء 50 طائرة مقاتلة من طراز (Su -33) من روسيا، لكن عملية البيع لم تتحقق، لهذا يعتقد أن طائرة Varyag)) الجديدة ستطير إما بهندسة الطائرة المقاتلة المسماة J-15 (التي تم عكسها هندسيًّا من طائرة (Su-33 التي تم الحصول عليها خلسةً من أوكرانيا، أو نسخة بحرية من مقاتلة J-10 المقاتلة الأصلية.

كما وتقوم الصين حاليًا بتصنيع أول طائرة مقاتلة من الجيل الجديد الرابع، وهي طائرة مقاتلة رشيقة تتميز بالتحكم العالي والدقيق في الطيران (ومع ذلك فهي مجهزة بمحرك AL-31 الروسي)، مما يؤكد الصعوبات المستمرة للصين مع تطوير محرك نفاث قابل للاستخدام، لكن وبحلول سنوات ما بعد عام 2020 أصبح من المرجح أن تضم القوة الجوية التابعة لجيش التحرير الشعبي والقوة الجوية البحرية التابعة له ما بين 600 – 700 طائرة مقاتلة من الجيل الرابع أو من النوع اللاحق.

وهنا يذكر أنه وتحت قيادة الرئيس (شي جين بينج)، تهدف الصين إلى إنشاء قوات مسلحة حديثة بالكامل بحلول عام 2035، وقوات عسكرية كاملة المستوى بحلول عام 2050، قادرة على القتال وكسب الحروب، حيث بدأ الرئيس (شي جين بينج) من عام 2012 (بداية فترة ولايته الأولى التي تمتد لخمس سنوات)، مقاربة من أعلى إلى أسفل للوصول إلى هدف عام 2050، مدركًا أن ذلك يتطلب موهبة عسكرية من الدرجة الأولى ونظرية وعلم وتكنولوجيا، بحيث عمل على إخضاع صناعة الدفاع الصينية لإصلاحات كبيرة، وذلك لمكافحة عدم الكفاءة والتسيب، كما تم إدراج بعض معاهد البحوث في سوق الأوراق المالية، إضافةً إلى دمج شركات الدفاع الحالية ومنع الاحتكارات فيما بينهم، وتمكينهم من التنافس مع عمالقة صناعة الدفاع الأجنبية.

كما تم في عام 2017 إنشاء مراكز الابتكار الإقليمية لدفع البحث والتطوير، وخاصةً في مجال تكنولوجيا الصواريخ والبحرية والطيران، وذلك كله مع تسريع عملية التكامل المدني–العسكري، حيث تم ضم القواعد التكنولوجية والصناعية التجارية والعسكرية منذ عام 2015، وفي عام 2017 اكتسبت قوة دفع متجددة مع تشكيل لجنة التنمية المدنية والعسكرية المتكاملة، كما فتحت الصين قطاع الدفاع في البلاد للمؤسسات الخاصة عن طريق إلغاء تصنيف أكثر من 3 آلاف براءة اختراع دفاعية للمرة الأولى، وأيضًا وفرت بكين عطاءات لاتفاقيات شراء المعدات العسكرية، كما وأنشأت لجنة العلوم والبحوث العلمية العسكرية كنسخة من وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية الأمريكية (DARPA) التي تطور التقنيات الحديثة للجيش.

أخيرًا بدأت الصين تكتسب أرضيةً صلبةً في مجال الفضاء الإلكتروني والحر وحوسبة الكم، حيث تم تكريس قوة الدعم الإستراتيجي التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني كاملًا لقدراتها العسكرية وقدرات الحرب الإلكترونية، إضافة إلى أن الصين لديها صواريخ مضادة للأقمار الصناعية تم تجربتها واختبار قدرتها على تدمير اتصالات العدو، وقد أشارت الصين أيضًا إلى أنها مهتمة بتطوير مركبات إطلاق جديدة لاستكمال سلسلة جديدة من الصواريخ.

هذا ويعد التركيز الشديد لدى الصين على قدرات الطيران والبحرية والفضاء والمجال الإلكتروني والمعلوماتي، مؤشرًا على المكان الذي تسعى فيه الصين إلى سد الفجوة التكنولوجية مع دول المنطقة والغرب، كما أنها تحدد مجالات البحر والجو والمجال السيبراني بوصفها المجالات الأكثر احتمالًا للصراع في المستقبل، وهذا لا يترك أي مجال للشك حول طموح الصين المتنامي لممارسة سيطرتها على المناطق الإقليمية وربما الدولية في العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد