تستند الأعمال الدبلوماسية للدول بشكلها الحالي إلى الأعراف القديمة التي نَظَّمت علاقات الدول بعضها ببعض، وتُفصح الأعمال الدبلوماسية عن صلاحيات خاصة تقوم على ميزة السيادة، وتنفرد بها الدول عن باقي الفاعلين في إطار المجتمع الدولي مثل المنظمات وغيرها.

وقد استعارت في الآونة الأخيرة كبريات شركات الاقتصاد الرقمي بعضًا من الأعمال التي تندرج ضمن الاختصاص الأصيل للدول، تصرفاتٍ على غرار استقبال وتعيين السفراء، إبرام الاتفاقيات الدولية وإصدار الخطابات والتصريحات الرسمية.

فقد عينت شركة «مايكروسوفت» مؤخرًا سفيرًا لها لدى الأمم المتحدة مكلفًا بتعزيز العلاقات بين الشركة والأمم المتحدة، وتوطيدًا للتعاون في إطار تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs 2030)، كما كانت الشركة قد عينت ممثلًا لها لدى الاتحاد الأوروبي منذ عام 2017.

الدول من جهتها لم تجد بدًّا من إقامة علاقات دبلوماسية مع شركات الإنترنت؛ إذ أوفدت الدنمارك، وإيستونيا وأستراليا ممثلين مكلفين بإقامة علاقات دبلوماسية مع شركات الإنترنت، اتخذت من الحواضن العالمية للصناعات الرقمية مقرَّاتٍ لها وبالتحديد «سيلكون فالي» (Silicon Valley) في كاليفورنيا وبكين.

أخذت المعاهدات الدولية نصيبها هي الأخرى في ظل توسع النشاط الرقمي؛ إذ أطلقت شركة «مايكروسوفت» مبادرة اتفاقية جينيف الرقمية التي أُبرمت بجينيف؛ المدينة التي احتضنت الاتفاق، في محاولة لتشبيهها باتفاقيات جينيف الأربع الشهيرة؛ التي تعد حجر الزاوية لتنظيم الآثار المدمرة للنزاعات المسلحة والحد منها، ذلك لاعتبار أن المجال السيبيراني أصبح يُجَسد اليوم ميدان حربٍ يتطلب التنظيم بحسب تعبير براد سميث، رئيس «مايكروسوفت».

وأهم المبادئ الواردة في اتفاقية جينيف الرقمية نذكر: التزام الأطراف المصدِّقة على الاتفاقية ؛ أي الشركات الرقمية بصفةٍ خاصةٍ، بالامتناع عن تقديم يد العون والمساعدة للحكومات في إطار دعم هجمات سيبريانية ضد الأفراد أو الكيانات أيَّا كان مكان وجودها.

وقد تمَّ فتح باب التوقيع والانضمام إلى الاتفاقية رسميًّا ابتداء من 17 أبريل (نيسان) من عام 2018، وقد وقَّعت عليها أربع وثلاثون شركة رقمية على غرار «فيسبوك»،«دال»،«سيسكو» وغيرها لتلتحق فيما بعد «جوجل» و«أمازون» و«أبل».

وجدير الذكر أنه قد تمَّ تبنى مبادئ اتفاقية جينيف في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، ضمن نداء باريس للموثوقيَّة والأمن المعلوماتي، الذي يعد أول اتفاق دبلوماسي متعدد الأطراف يجمع بين شركات الإنترنت، والدول، وممثلي الأعمال ومنظمات المجتمع المدني، إذ تُلزم بموجبه الأطراف بحماية حقوق الأفرتد والكيانات المرتبطة بالأمن المعلوماتي.

أتاحت اتفاقية جينيف الرقمية للشركات الرقمية القدرة على تجاوز الحدود القطرية للدول، وذلك بالانتقال من توفير الخدمة للأفراد والكيانات عبر العالم إلى التأسيس لإقامة إطار قانوني لحماية هؤلاء من الاعتداءات السيبرانية التي قد تطرأ من قِبل الدول أو الشركات أو الأفراد ، وهو ما يدعم طرح مفهوم المواطن الرقمي المحمي دوليًّا من قِبل كيانات ليست بدولٍ لأول مرة.

التصريحات الرسميَّة هي الأخرى لم تكن غائبةً عن تصرفات بعض عمالقة الاقتصاد الرقمي، والتصريح الرسمي يصدر في العادة من قِبل حكومة دولةٍ ما للتنديد أو للتعبير عن قلقها بشأن تصرف حكومة دولةٍ أخرى في قضية ما، تمس مثلًا حقوق الإنسان، أو انتهاك سيادة الدول، أو تهديد السلم والأمن الدوليين.

مثل تصريح شركة «مايكروسفت» الموجه للكونجرس الأمريكي بخصوص ضرورة تقنين استعمالات تكنولوجيا التعرف على ملامح الوجه بسبب ما يقع نتيجة استعمالاتها من انتهاكات لحريات الأشخاص.

كما أصدرت شركات «أبل» و«جوجل» و «فيسبوك» و «إنتيل» و «إيكسبيديا» خطابًا مشتركًا يندد بقرار إدارة الرئيس دونلد ترامب بمنع السفر من سبع دول ذات غالبية مسلمة وإليها، أو تلك الرسالة التي حملت توقيع كلٍّ من مؤسس «أمازون» جيف بيزو والرئيس المدير العام لـ«جوجل» ساندر بيشاي، والرئيس المدير العام لـ«أبل» تيم كوك الموجهة للكونجرس الأمريكي من أجل مطالبته بحماية الأطفال المهاجرين من إعادة التهجير خارج الولايات المتحدة الأمريكية.

تعد هذه التصريحات سابقةً من نوعها، لم تظهر إلا في السنوات الأخيرة؛ فبرغم قلتها عبر العالم فإنها أماطت اللثام عن تطور مسار جديد لدور الشركات الرقمية وتصرفها تجاه دول أخرى، واستعانتها بوسائل دبلوماسية ليست في الأصل من اختصاصاتها.

لم يكن الاقتصاد الرقمي في بدايته يولي اهتمامًا للحدود الجغرافية، هذه الخيرة التي تنتظم الدول في إطارها وتقيم سياستها الإستراتيجية عليها، ومع صعود شركات الإنترنت واستحواذها على أرقام وحصص مالية ضخمة حول العالم، اكتسبت القدرة على التأثير في تشَكُّل المعالم السياسية حول العالم، وبالتالي اقتحمت عالم الجغرافيا، الأمر الذي جعل من قضية انخراطها في العمل الدبلوماسي مسألة وقت ليس أكثر.

وتبع ذلك تنامى تساؤلات عديدة حول قوة هذه الشركات وقدرتها على استعمال معطيات مستعمليها من دون قيدٍ ولا رقيب، ذلك إلى جانب كونها تمكنت من توفير مجال مواطني موازي للمجال المواطني التقليدي الذي يجمع بين الدولة والفرد؛ إذ أضحى بعض الكتَّاب يطرح اليوم فكرة المواطن الرقمي والدولة الرقمية – في نعتهم لعمالقة الإنترنت – في مواجهة الأشكال التقليدية لتنظيم الدول تجاه مواطنيها.

علاقةٌ جدلية بين الدول وعمالقة الإنترنت، جعلت من القنوات الدبلوماسية متنفسًا من أجل التواصل الدائم، والتحاور حول المسائل الفنية الخلافية الطارئة، كما مكنت من فتح الباب نحو تأسيس إطار قانوني شامل قد يُمكِّن في يوم ما من حماية معطيات المستعملين، كل ذلك بتوظيف وسائل مرنة مثل التفاوض والتحاور وتبادل وجهات النظر بغية تحقيق مصلحة كل الأطراف.

 

">

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد