ليس العنف الأسري الذي يعاني منه المجتمع العراقي، وليد اليوم كما تتكلم به الصحافة، بل هو ضمن سلسلة من المشكلات التي أرهقت المجتمع وفككت اواصره، منذ الاحتلال الأمريكي وما جاء به من دستور موبوء، وأحزاب لا يهمها سوى الصراع من أجل البقاء على سدة الحكم.
حادثة ملاك الزبيدي من النجف التي وافاها الأجل يوم السبت 18 أبريل (نيسان) 2020، بعد أيام على حرق نفسها نتيجة العنف التي تعرضت له من قبل زوجها؛ أثارت الجدل وأعادت ملف العنف الأسري في المجتمع العراقي إلى الواجهة، وسرعان ما طرأت التصريحات والتقارير السياسية والحقوقية على السطح، بما فيها تصريح الأمم المتحدة ومنظماتها التي أدانت العنف الأسري وحذرت من تصاعده، من دون أن تتطرق إلى الأسباب التي تقف وراءها، وعلاقة ذلك بالدستور الذي جلبته أمريكا لتدمير الشعب.
لو أخذنا لمحة سريعة عن البيانات التي أكدتها منظمات محلية ودولية، وتقارير حكومية عن واقع الشعب العراقي وما يعاني منه من أزمات، فإننا نرى أن واحدة من كل خمس نساء عراقيات تتعرض للعنف الأسري البدني، وتصل نسبة التصرفات العنفية ضد المرأة إلى 53.6%، كما أن هناك 80% من الأطفال يتعرضون للعنف سواء في المنزل أو المدرسة، وعن ملف الانتحار، فقد سجل العراق 1500 حالة خلال 2003 و2013، فيما سجلت الفترة المحصورة بين 2013- 2019، 1500 حالة انتحار، وتصل نسبة المطلقات والأرامل إلى 25% من عدد النساء المتزوجات، و75% من نساء العراق يجهلن القوانين المتعلقة بحقوقهن.

العنف وسلسلة المشكلات المجتمعية

لا تمر أزمة في العراق، إلا وكان لها تبعات، تخرج من خلالها بعض المشكلات المزمنة التي تعاني منها البلاد إلى الواجهة، فعند تفاقم أزمة البطالة، نرى أن الانتحار وحالات الطلاق والاعتداءات، تكثر وتصبح حديث الشارع، وهكذا استمرت المشكلات وتذبذب حدتها منذ عام 2003، وحتى يومنا هذا، لتنتهي اليوم بأزمة كورونا والحجر الصحي الذي طفى بسببه ملف العنف الأسري إلى السطح، وأصبح حديث الإعلام.
لكل مشكلة أو حادثة لا بد من وجود مسببات لها، وهذه المسببات يقف وراءها فاعل، سواء كان مباشرًا أو غير مباشر، إلا أنه كان أثرًا مهمًّا في وقوع هذه المشكلة.
وعن المشكلات المجتمعية التي يعاني منها العراق، مثل العنف الأسري والطلاق والانتحار وغيرها، فهي مشكلات مزمنة بدأت تتصاعد بوضوح منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003؛ وتعود أسباب تفاقم العنف الأسري، أو استمراره من دون تراجع واضح؛ إلى نقطتين.
أولًا: الصراعات التي تتعرض لها البلاد، بدءًا من الغزو الأمريكي للعراق، وحتى العنف الطائفي، والتفجيرات المستمرة والتوتر الأمني، مرورًا بالأحداث التي أعقبت عام 2014، وحتى يومنا هذا، وما يشهده العراق من أزمة صحية واقتصادية، وكل هذه الأزمات كانت تبعاتها تمس وضع المجتمع العراقي الهش.
ثانيًا: الأحزاب والقانون. عندما نقول الأحزاب هي السبب أو الفاعل في خلق أو العمل على ديمومة المشكلات الاجتماعية، فإننا نتحدث عن انشغالها في الصراع السياسي للهيمنة على الحكم وسلب مقدرات البلد، بعيدًا عن متطلبات الشعب العراقي، وما يعاني منه، وتفعيل القوانين وتعديلها، التي من شأنها أن تحد من هذه المشكلاا، أو تحجِّمها.

الدستور الموبوء

جاء الاحتلال الأمريكي بالدستور العراقي الذي رسمته إدارة البيت الأبيض التي تعد العدو الأبرز للعراق وشعبه، وزرعت في هذا الدستور قوانين وبنود موبوءة بالثغرات، التي من شأنها أن تخلق الأزمات المزمنة للبلاد، وتجعله منكوبًا طول الوقت.
القوانين الموجودة في الدستور العراقي منذ عام 2003، هي شكلية وتعد حبرًا على ورق لا أكثر، فلم تفعَّل منها إلا ما يخدم مصالح الأحزاب المهيمنة على الحكم، أو من الممكن تفعيل بعض القوانين لمحاولة احتواء غضب الشارع العراقي.
إن غياب القانون هو بحد ذاته سلاح مدمر للمجتمع، لأن غياب العقاب يدفع ضعاف النفوس إلى الاعتداء أو تنفيذ ما برأسهم من دون التفكير في وجود دولة تعاقبه، وبما أن القوانين العراقية شكلية ولم تفعل منها إلا القليل، فإننا نقول إن مشكلات المجتمع العراقي، ستبقى قائمة في ظل غياب دولة وطنية تهتم بأمور البلد وتدعم المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عراقي, مجتمع

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد