شهر يوليو (تموز) في العراق ليس كباقي الشهور، كما أنه قد لا يشبه يوليو ذاته لدى الشعوب الأخرى، يمثل هذا الشهر قمة الغضب المناخي على سكان وادي الرافدين، سخونة الجو تحول البيوت إلى أفران مغلقة، يخرج الناس إلى الفضاء المفتوح كأنهم النمل حين يداهمه الماء في جحوره، لا تترك الشمس الحارقة مكانًا إلا وأثرت فيه، وأي شيء يساعد في التغلب على حرب المناخ يتحول إلى رمز للسعادة والجمال.

نستغيث فيسمعنا مكيف الهواء الملتصق بأحد جدران الغرفة، يشتغل فيصدر صوتًا كأنه أجراس السعادة، يطرد الهواء الساخن، فيعيد الحياة للغرف المهجورة، يعم الهدوء والراحة وسط لهيب يوليو، ينام الكبار للتخلص من ضغوط العمل، ويستمتع الأطفال باللعب تحت النسيم البارد، ولك أن تحصي فضائل جمالية أخرى وليدة نعمة مكيف الهواء.

يقول أحد المواطنين إن سماع صوت مكيف الهواء في فصل الصيف أجمل من كلمة «أحبك» بالنسبة للعاشقين.

لكن السعادة المولدة من مكيف الهواء قد تختفي في أي لحظة بسبب انقطاع الطاقة الكهربائية، تنتهي قصة الحب بتأثير طرف ثالث، وترتفع أصوات المولدات التجارية والمنزلية، بعض المواطنين يهجرون المنازل، وآخرين يستسلمون إلى مروحة السقف التي تنفث السموم، بينما تتوتر الأجواء، وكل كلمة من طفل أو كبير في السن قد تنتج شجارًا عنيفًا، غضب الطبيعة يترجم إلى غصب بشري.

الطاقة الكهربائية الوطنية هي المغذي لمكيفات السعادة، لكنها ضحية لسوء الإدارة الحكومية، يتكرر سقوطها سنويًا فتختفي عن المنازل على أمل عودتها بعد خضوعها لعمليات الصيانة الترقيعية وانقشاع موجات الحر الشديد.

هي القلب الذي يضخ الدماء في جسد الوطن العراقي، وتكرار مرضه مع فشل الأخصائيين في تشخيص الأسباب وسبل العلاج، يحفز عامة الناس للحديث عن طريقة ناجحة لترميمه بشكل نهائي حتى لا يتفاقم وضعه في يوليو المقبل كما اعتدنا عليه طيلة العقود السابقة.

لم يستطع العراق إصلاح قلبه الكهربائي منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، المرض مزمن وبقائه كل هذه المدة الزمنية الطويلة أدى إلى تداعي أعضاء الجسد الأخرى، القطاعات الإنتاجية والخدمات العامة أصابها شلل نصفي، وحتى الموازنة المالية للبلاد تأثرت هي الأخرى ولولا الانعاش النفطي المؤقت لم يكن العراق قادرًا حتى على ضمان ما تبقى من طاقته الكهربائية ولا دفع رواتب موظفيه.

كل شيء يتراجع، حتى نظرتنا للحياة تغيرت، حدقنا في المستقبل كثيرًا ولم نحصل على شيء، عقولنا استدارت للخلف ولم تعد تعرف سوى الماضي، فهو جميل وغير قابل للتكرار، والحاضر قبيح ويزداد قبحًا سنة بعد أخرى.

أصبحت جملة «الزمن الجميل»، دلالة على حقبة زمنية حققت للناس ما لم يستطيع حكام الحاضر تحقيقه، على الأقل هكذا يفترض دعاة «الزمن الجميل»، إنهم يتفقون على أن الماضي أجمل من الحاضر، لكنهم يختلفون بشأن أي ماضٍ يستحق الجميل.

كل شخص له معاييره، وعلى أساسها يبنى زمنه الجميل، يبدأ تسلسل أزماننا الجميلة مع بزوغ الاحتلال البريطاني ونشوء العهد الملكي، بعض من رافق كبار السن ومن قرأ عن تلك الحقبة يعده الزمن الجميل الوحيد الذي لا يتكرر.

أنصاره يعتبرون انقلاب يوليو 1958 الكارثة التي أنهت آمال العراقيين بالنظر للمستقبل، الحياة جميلة تحت ظل الملكية وحسب، وكل ما عداها قبيح لا يستحق البقاء.

لو أبقينا على العهد الملكي ولم ينفذ عبد الكريم قاسم انقلابه لم نتعرض لهذا الكم من الانقلابات العسكرية، وكل ما نمر به من سوء في الإدارة وانهيار في منظومة الحكم ما هو إلا استمرار للخراب الذي بدأ به قاسم وشلة الضباط الطامحين في السلطة.

تريد الخلاص من حالك السيئ؟ عُد إلى الوراء 100 عام وجدد الحكم الملكي، أو احلم به على أقل تقدير.

وفي موازاة ذلك الزمن العتيق، تمخض انقلاب تموز 1958 عن أنصار لزمن جميل جديد اسمه «زمن عبد الكريم قاسم»، هو الازدهار، والتحول، والانتقال إلى التطوير، وتشييد البنية التحتية العراقية، وتحرير الفلاح وتفكيك منظومة الاقطاع.

زمن محور الأمية والتحرر السياسي من النفوذ البريطاني وافتتاح المصانع وانطلاق العراق نحو آفاق لم يشهدها من قبل.

وكلما اقتربنا في سنوات السبعينات والثمانينات يبرز زمن جميل يسوّق له حزب البعث وبقاياه، وهو خليط من منجزات العهد الجمهوري القاسمي والعارفي والبعثي في صورته الأولى والبعثي في صورته الصدامية.

وحتى العهد الديمقراطي الجديد الذي بُني على ركام البعث بعد عام 2003 له أزمنة جميلة، منها زمن نوري المالكي الحالم بالعودة إلى رئاسة الوزراء.

كل هذه الأزمنة تبقى دفينة في أذهاننا ولا نذكرها إلا حينما تنطفئ الكهرباء الوطنية، ونفقد نسيم مكيف الهواء حيث نتفرق خارج المنزل بحثنا عن هواء صالح للتنفس. وقد نعيد الجدال حولها في شهر يوليو عند استذكار الانقلابات العسكرية والتحولات السياسية.

ربما تحدث التحولات السياسية في يوليو كنتيجة حتمية لصراعاتنا بشأن الزمن الجميل، ومقترحاتنا لإصلاح الراهن القبيح، وربما طبيعة تفكيرنا في استعادة الماضي هي السبب في إعادة إنتاج القبيح؛ لأن الماضي مهما كان جميلًا لا يستطيع استيفاء شروط العيش في الحاضر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد