المقال يحمل اسم عنوان كتاب أثار ضجه في وقت صدوره، وكان ذلك أولًا لأن العنوان صيغ بحرفية ومهارة ـ كعادة كل الطاعنين في هوية الإسلام ـ توافق هوى ورغبة وسط متحامل على الدين الإسلامي يرى أن الدين قيد وغل وقعر بئر مظلم يعوق الفكر والإبداع.

ثانيًا: مؤلف الكتاب فرج فودة الذي يحمل الكثير من علامات التعجب والاستنكار، والأعجب أن بعض مدعي الفهم ومن كانوا يتناولون التاريخ الإسلامي بالشرح يرفعون فرج فوق الأعناق وأخيرهم (مولانا الإعلامي المشهور):

وطبعا يحلو لبعض المعادين للفكر الإسلامي (هذا لجدية الوصف والصدق في التناول ـ حتى وإن كانت الصفات فيها قسوة، لكنها واقع مرير) أن يصفوا فرج بالشهيد لأنه مات في أعقاب مناظرة 92، وطبعا لا يعرف النار إلا من قبضها.

وكما قال نجيب محفوظ: (آفة حارتنا النسيان)

حضراتكم لا تذكرون للوفدي السياسي (مطلق العنان في تلك الآونة /ملحوظة على الهامش لمن كان يحتك بالملعب السياسي في تلك الآونة) وكم كان يطارد الرئيس مبارك مطالبا إياه بأمر واحد أتذكرون، طبعا لا!

لأن (الوسط الثقافي)! لا يتذكر إلا ما هو يساري اشتراكي الهوى وبهذا يكون إنسانيًا (الدواء المر والألم شديد والمهادنة في الوصف أمر لا رجاء فيه).

أما أن تكون الملاحقة والمصادرة والمطاردة للإسلامي كما كان يطالب هذا التحريري الليبرالي شكلًا (من هم دون الخمسين في السن عليهم أن يسألوا الكبار ممن شاركوا في انتخابات).

لقد انشق عن الوفد متذكرا تفجر التيار الديني بالدم متناسيًا أن هذا كان رد الفعل لما دار من منتصف السبعينات (وأنت شخصيًا، وأنت تقرأ السطور تنكر هذا!) ومن خرج مهاجرًا من المجتمع معتزلًا إياه تم ملاحقته وقهره فكان القصاص (الثأر) رد فعل متوافقًا مع كل هذه الملاحقات في ظل فساد ثقافي وفكري أولا يتبعه فساد اقتصادي.

طبعًا كثيرون منكرون لهذه الأحداث، لأن النار نور ودفء للقصي البعيد وحريق ولهيب لمن في زمام شرارها ولهيبها.

وما أكثر من فارقوني بسبب هذا الكاتب، الذي كان يطالب بشرعية الاعتقال المفتوح تحت بند (كعب داير / راجع فيلم المشبوه لتفهم معنى كعب داير).

نعود للعنوان الذي اعتمد في صياغته على المغالطات الأرسطية، «مغالطة ع الماشي ونفتكر دروس ثانوي»، مثلا يقول أحدهم:

(أنا كاذب، الشمس تشرق من الغرب)

فتحتار في وصفه هل هو إنسان صادق أم هو إنسان كاذب؟

هو صادق لأنه اعترف بالكذب لا كذب المعلومة.

وهذا هو مدخلنا لنفهم الموضوع.

العنوان مكون من نصفين النصف الأول الإسلام دين.

هذه جملة تامة المعنى بالمبتدأ والخبر فهي واضحة، لكن ما معنى دين؟

هذا ما سوف نتوقف معه طويلًا ونستعرضه من أكثر من جانب مطروق.

ثم جاءت (لا) العاطفة لتنفي ما وقع بعدها (دولة) وهذا مجال آخر، حيث أن قصر فهم الدولة على طرحه وفهمه وما انتخبه من أقوال وآراء (كعادة كل من ينقد الفكر الإسلامي).

بالمناسبة في هذه الآونة كان رجاء جارودي يحقق للإسلام ما عجز عنه أبناؤه في الشرق وعلى دربه أنكه هوبر وقد لحق بهم مراد هوفمان متأخرًا.

الجزء الأول من العنوان «الإسلام دين»

هنا إقرار بأن الإسلام دين وهذا ما أريد أن أقف معه.

ما هو مدلول (دين)؟

وإن كان للكاتب فهم في هذا المدلول فلماذا يطالب الجميع الالتزام بهذا الفهم؟ ليبرالي وفدي إن لم تقتنع بقلمه فكرا تقتنع به قمعا كما كان يحدث وقتها وكما كان يطالب الرئيس حينها.

هنا مشكلة أخرى مهمة جدا عندما يتكلم محب للدين مدافعا عنه يخرج الآخر صارخا من أنت؟

وما هو علمك لترد وتدافع عن الدين؟

وهنا العوار والخلل فمن فرج فودة هذا؟ ليشرح ويُعرف الدين بعد كل هذه القرون من الفقه (الفقه الذي يكرهه ويضلل الناس عنه الأفاكون في الإعلام).

حتى من دخلوا الدين في القرن العشرين مثل (محمد أسد) ـ النمساوي اليهودي أصلا ـ فهم وأدرك معنى دين وسار على هذا الفهم لكن نحن في منطقة جنوب المتوسط عندنا مشكلة مع الدين صنعها البعض وصدرها للناس.

وسنقف معها في حينها

هل الصفوة المثقفة (كما تطلق على نفسها) ترى الدين في الطقوس والشعائر التي تمارس في العبادات فقط؟

ولو قبلنا بهذا الحد الصفري من الدين لوجدنا من يخرج علينا ينكر على المسلمين ذبح الخراف في العيد الأضحى سبحان الله، ووجدنا من ينكر علينا وثنية شعائر الحج، ويستمر الطعن.

ولو رضينا بهذا وتسربل (اللفظ القديم مقصود) النساء في الخمار والحجاب لوجدنا من يتجاوز ويطعن ويسب ويلعن.

إذن ونحن بعد فرج فودة ما زال الإسلام مطالبا بالتنازل والتخلي عن وضعه الاجتماعي والاقتصادي لمجرد أن ينال قبلة الحياة في الاعتراف بنظام الزواج والطلاق والميراث، وحتى هذه لم يستطع الإسلام الاحتفاظ بها نازعه فيها يوسف صديق وأتباعه في تونس.

هنا نرى أن من يقف على الجانب الآخر من الدين الإسلامي يتشرب فكره من معتقدات ديانات أخرى.

ترى أن الدين مجرد دعوة إلى المعتقدات والأخلاق دون أن تهتم بتحويلها إلى منظومة اجتماعية ومن ثم فتظل قانعة بكونها كيان مصاحبا للحالة الاجتماعية والاقتصادية دون أن تؤثر أخلاقيات الدين في الأوضاع المذكورة لكن الإسلام كدين ليس كذلك (1) الاسلام كدين الرد في ختام العرض.

أو ترى أن الدين ما هو إلا الموسيقى الروحية التي يمكن أن تصاحب مساعينا العملية والاقتصادية ولا ينبغي أن تدخل فيها أبدا!

ولا يمكن اختزال الإسلام في الحالة الروحية فقط، لأنك عند اختزال الإسلام في الحالة الروحية فأنت تجرده من وظيفته الأساسية وهي تحديد السلوك والصيغة العملية داخل المجتمع (القائمة على السعي والضرب في الأرض والعمل عبادة وليس كعقائد أخرى أن عمل الإنسان في الأرض نوع من العقوبة على الخطيئة الأولى!).

وعند تجريد الإسلام من دوره في صياغة السلوك، يصير الإسلام كلمة لا معنى لها ويعرف كل من لديه أدنى معرفه بمبادئ الإسلام أن الإسلام بهذا الشكل لا معنى ولا طعم ولا رائحة.

فالإسلام ما وقر في القلب وصدقه العمل في شتى مناحي الحياة

وعليه فالإسلام (دين / متصل بالحياة بشكل مستمر وفعال وأبدي) منعكس على السلوك المتقاطع مع المنظومة الاجتماعية والحاضنة للفعل الاقتصادي (دون أن نخوض في تشريعات الدين التي لها أبعاد اقتصادية يتم تماسك المجتمع بها «لا داع لأن نكتب دولة الآن»).

كنتُ قلت سابقا (الإسلام ليس كذلك) والآن نتم القول لختام العرض.

فالإسلام يأمر أتباعه باتخاذ اتجاه روحي يمكن تطويعه لكافة الظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية

لكنه يصر على أن يقبلوا منظومة حياة عملية، هذه المنظومة تقع تحت فرع اسم الشريعة (آه ـ الشريعة ـ يا نهار اسود) تلك الكلمة العجيبة التي يخاف منها كثير ويرجمها الأكثر ويسخر منها الإبداع الأخفش (فلا يمكن أن يقبل الإسلام بفكرة أن الزنا هو الاغتصاب، أما المعاشرة بالرضا فلا حق للمجتمع فيها- تخيرت الزنا لأن صاحب الفكرة محل النقد في لقاء له كان يسخر من التشريع الإسلامي في عقوبة الزنا وتوصيف الحالة المعاقبة بالحد والزنا جريمة اجتماعية بعيدا عن الحرية الشخصية) وقد يطول المقام ونحن نتناول معنى (دين) ولكن نقف هنا وننتقل للمحور الآخر من العنوان.

(لا دولة) تعبير جذاب قائم على إبداع به الكثير من الشطط

يرى الكاتب محل النقد ومن هم على دربه ونسقه ومن دراويشه أن الدولة في الإسلام مصبوغة صبغة دينية بحتة جاثمة على الصدور تحول بين الإنسان وحقه في الحياة، وأنها دولة يحكمها اللاهوت الإسلامي (مجازًا) كما كانت أوروبا في عصورها المظلمة وقياسًا على ذلك، فالدين هناك كان قوة رجعية تخلفية ومصدر انحطاط وعائق أمام المدنية.

وكذلك الإسلام عائق أمام الدولة المدنية (الدولة المدنية اللي هي فول وطعمية أم رز وسمك وتقلية.. والله معرفش لها توصيف/ أن تسخروا منا نسخر منكم كما كان فرج يفعل) التي تنادي بها تيارات قامت في الخمسينات من القرن العشرين لتحرر بلدها من الاحتلال الأجنبي مدعوم بنضال وكفاح وجهاد! أبناء التيار الإسلامي (ومصالي الحاج شاهد على هذا).

ثم انقلبت تلك التيارات على التيار الإسلامي ناكرةً فضله وجاحدةً جهده والأضل أن ترميه زورا بالتخلف والخيانة لضمير الأمة ونجد ضباعًا عاوية تنهش وتعوي وتكرر نفس القول لا لشيء إلا لكسب الدعم السلطوي وتكوين نخبة عاجية البرج لا تعرف تراكيب الشارع ولا ترغب في التوفيق بينهم، وهذه النخبة تجد سندًا في اتهام الإسلام بالرجعية.

وعليه يتم تأسيس حركات فكرية سياسية كحزب البعث ومن على دربه طلبًا للتقدمية والتحررية معتمدًا على كراهية وغل نخبة البرج العاجي وإثارة الصخب وشغل الفكر الجمعي بإعادة بناء دولة حضارية بمحاكاة الصيغ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الغربية بما يندرج تحت اسم العقد الاجتماعي.

وهذا ينطوي على افتراض تلقائي

بأن الإسلام ليس له الحق الأساسي بأن يكون قوة في تشكيل المجتمع (هذا الحق الذي يجب أن يتوفر لكل إسلامي مبدع ومفكر في أن يكون له مساحة في منابر الأمة ولا يحرم منها، لأن هذا الحرمان لا معنى له ويولد ظنونًا ويربي كراهيات نحن في غنى عنها) وهذا أمر طبيعي، فإن كانت آراؤنا في كيفية ترتيب الإنسان لشؤون حياته مستمدة من مصادر غير الإسلام، فإننا ضمنًا ننكر على الإسلام حقه في رسم منظومة حياتنا.

والحياة ليست إلا انعكاسًا للسلوك في القالب الاجتماعي والاقتصادي، كما قلت من قبل وبهذا نكون قد وضعنا الأساس الأول للدين والدولة (عليك واحد فاضلك زلطه وتطلع برة) نقول كمان
الإسلام ليس دولة فهو رجعي تخلفي وقد تتنازل عن هذه الفكرة إرضاءً لي (خالص الشكر والتحية)
لكن يبدأ الهجوم من جبهة أخرى وهى حيوية الإسلام وطاقته وعجزه بمرور الزمن (ماشي يا عم الخبيث ـ نبسط المقولة ونشرحها وبعدين نرد ـ تمام) وما الجديد فأنت تكرر نفس الفكرة بمصطلحات مختلفة، ولكن ننظر في الكلمات وما فحواها هذه المرة.

المقصود بحيوية الإسلام تلك الطاقة المتجددة والخلاقة والقدرة على الإبداع والفكر ودفع الضر والعمل على رقي الأمة (تكون التربة واحدة والبذرة واحدة وناتج المحصول يختلف من حقل لآخر والسبب الإنسان القائم على العمل، وهذا هو محور الدين والدولة والحضارة . صناعة الإنسان).

طبعا كل هذا وزيادة متوفر لدى الإسلام في منبعه الأصلي والمتدفق والفياض لمن فهم وكان له ضمير في القرآن والقرآن هنا منهاج حياة، وهذا مفصل الخلاف في فهم منطوق الدولة عند الآخر صاحب النسق الفكري المعادي للإسلام لماذا؟

لأنه يرى الإسلام قوة مستنفذة، فلم يعد له رسالة يؤديها لأنه خارج سياق العصر (أعوذ بالله، العيب هنا على من يقدمون الإسلام في كتاباتهم كأيديولوجيا بشكل فاشل) بميزان لا يخضع له الإسلام فأنت تصيغ نظم لسياق منتج فكري أما الإسلام يصيغ عقل ووجدان مُبدع المنتج الفكري وبعدها لا يعبأ بما أنتج هذا الإنسان المصنوع على قدر وعين وإرادة روحية وإلهية، وهنا نصل لمربط الفرس وننيخ الرحال على قول واحد فما أضاع الإسلام إلا كثرة الكلام.

ـ اللاهوت تلك الفكرة المتسلطة على مبدعي وأصحاب الأقلام 

في الصحف العربية عليهم التخلي عنها، فالفقه ليس إلا محكمة النقض العليا في الدين تقريبا للصورة (وإن لم تفهم فعليك بالمقال التالي).

ـ فكرة الرجعية والتخلف والطاقة المستنفذة للفكر الإسلامي لا محل لها لأن طاقة الإسلام في الإنسان وهذا هو منتج الفكر لا دولة بل حضارة

ـ فكرة روحانية الدين.. أطلنا الكلام عنها وإن الدين مردود سلوك واقتصاد وحياة

ـ أما شكل الدولة برلمانية أم رئاسية، مهلبية… ما دام الأمة متفقة اتفاقًا جمعيًا بشكل ثابت الإسلام لا دخل له في هذا وإقحام الإسلام في هذا سذاجة من عدو الإسلام وليس دهاء من الإسلامي إن اشتبك في حوار كهذا

أما عن اللاهوت الإسلامي فهذا ما يجب أن نقف معه ولكن قبلها يجب أن نقف مع (حضارة لا دولة) بمعنى، وهو ما سنحاول طرحه في مقالات قادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإسلام, دولة, دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد