تأملات في مقاصد الحدود والجهاد

أيادٍ تقطع، رقاب تطير، أجساد ترجم، ظهور تجلد، وبلاد تخير بين الدين الجديد أو القتل أو ضريبة الصَغَار، فكيف يكون الإسلام بلا عنف بعد هذا؟

آثرت أن أبدأ المقال بهذه الصورة الصادمة لمتجزآت منتقاة من حدود وأحكام وتاريخ الإسلام، يلقيها الملاحدة في وجوه المتدينين كل يوم، تقريعًا لهم وتشكيكًا في إيمانهم. والحق أن من يصم الإسلام بالعنف دون إدراك السياقات الدينية ولا المقاصد الشرعية مما يظهر أنه عنف، كمن يصم الأطباء والتمريض بالقسوة – لا الرحمة – ألا ترى أنهم يمزقون الأجساد ويفتحون البطون، ويكوون الظهور ويبترون الأطراف، ويخيرونك بين أن تفتح لهم أحشاءك يعبثون فيها أو الموت أو الخضوع لسلطان عمالهم من الصيادلة وما يثقلونك به من الجرعات المرة والأحقان المهينة؟

ورغم هزلية المثال فإنه يعرض بصدق المرآة الكاذبة التي يرى من خلالها الملحدون العنف في الإسلام. ولتناول هذا الموضوع سنتعرض للحكمة من نظام العقوبات في الإسلام من خلال مناقشة مركزية اليوم الآخر في الإسلام وجهاد الطلب في الإسلام.

أولًا: مركزية اليوم الآخر في الإسلام

في أي نظام إنساني إجماعي لا بد من وضع عقوبات للخروج عن النظام حمايةً لأرواح أفراد المجتمع وخصوصياتهم وممتلكاتهم، وبدون هذه التشريعات والعقوبات، يصير الأمر مثل الغابة التي يأكل فيها القوي الضعيف، ويصبح البقاء للأقوى. ولا بد للعقوبات التشريعية أن تكون رادعة حتى تمنع من تسول له نفسه الجور على حقوق الآخرين، وتتكامل منظومة العدالة بتحقيق الكفايات الأساسية لكل أفراد المجتمع ورعايتها، ومن ثم معاقبة من يجور بالعقوبات الرادعة له ولأمثاله. غير أن الإسلام يزيد على التشريعات في النظم البشرية الوضيعة بعنصر آخر، وهو حضور فكرة اليوم الآخر، بمعنى أن من يسرق أو يقتل أو يغتصب، هو في الحقيقة قد انتهك ثلاث حرمات: الأولى التعدي على حق الغير وممتلكاته أو جسده، الثاني حق المجتمع في الشعور بالأمان والاطمئنان وعدم فشو مثل هذه الانتهاكات، والثالث حق الله سبحانه وتعالى إذ خالف أوامره ونواهيه التي تقرر (أفعل ولا تفعل). والملاحظ أن النظم الوضعية تكتفي بالحقين الأولين؛ فتحكم بالتعويض على الفرد المتضرر، وتحكم بالعقوبة على الجاني ردعًا له ولأمثاله حماية للمجتمع. أما النظام الإسلامي، فيرى أن التعويض والعقوبة ليسا كافيين وإنما لا بد من التوبة وإلا فهناك جزاء آخر يوم القيامة. وهذا العنصر الأخير هو المحفز للزاجر الداخلي الذي يمنع الإنسان من أن يظلم أو يجور على حقوق الآخرين ولو لم يره أحد ولو لم يشعر به أحد، فهو يعلم أن الله يراه ويطلع على سريرته، وأنه – سبحانه- يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وعلى هذا الأساس كانت الحدود في الإسلام ليست لغرض العنف ولا الدموية في القطع والرجم والقتل، وإنما تنفيذًا لقيمة كبرى هي قيمة استمرار الحياة من خلال القصاص {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [البقرة: 179] أي تكون النفس بالنفس والعين بالعين والبادي أظلم، وهي عقوبات مغلظة حماية للمجتمع وتحقيقًا للأمن فيه، مع فتح المجال لباب التوبة لمن حدثته نفسه بمعصية مثل هذه أو حتى أتى مثل هذه المعاصي ولم يُعلم به، إذا تاب إلى ربه وأناب ورد المظالم لأصحابها.

ولذا كان منهجه، صلى الله عليه وسلم، هو التذكير الدائم باليوم الآخر وبوجود حياة حقيقية بعد هذه الحياة الزائفة – {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] أي الحياة الدائمة المستمرة التي تستحق العمل لها والبعد عن المعاصي لأجلها. ومن أمثله توجيهه، صلى الله عليه وسلم، الدائم نحو تذكر اليوم الآخر، قوله عن المرأة التي زنت – فرجمت – أنها تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم[1]، وإشارته إلى أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة[2]، وأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر[3]، وأن الرحمة قطعت مئة جزءًا نزلت منها واحدة الأرض وحفظت تسعة تسعون للآخرة[4]، مع تأكيد ثواب العاملين المخلصين والمجاهدين الصابرين والشهداء والصديقين، والحياة الدائمة عند ربهم يرزقون، والشفاعة المتوزعة بين الشهداء والأفراط (الموتى الصغار) والأنبياء، والوصف المبهج للجنة ونعيمها والوصف المفزع للنار وجحيمها.

وهكذا تكون العقوبات التي ظاهرها العنف هي محض الرحمة بالجاني والمجني عليه والمجتمع ككل، فالمجني عليه مظلوم معتدى عليه له أجره عند الله وله – أو لوليه- حق معلوم في الدنيا يطالب به أو يعفو عنه، والجاني الظالم لنفسه يعاقب على فعلته بما يردعه ويردع غيره، مع ضرورة توبته لينجو من عذاب الآخرة، وتكون العقوبة له تطهيرًا عن فعلته، والمجتمع يرى الفعلة وعقوبتها فيشعر بالأمان وينسى وساوس الشيطان الداعية للتشبه بالجناة.

ثانيًا: الجهاد في الإسلام والتعامل مع الأمم الأخرى:

ظهر الإسلام في الجزيرة العربية وآمن به في البداية قوم مستضعفون، وكانت المرحلة المكية في الدعوة الإسلامية مرحلة تكوين الإنسان المسلم وترسيخ عقيدته، وتجنب أذى المشركين وتجنب الصدام معهم. وهذه هي المرحلة الأولى في الجهاد وتؤكدها الآية الكريمة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} [النساء: 77][5]. ثم لما هاجر المسلمون إلى المدينة وشرعوا في تكوين دولة الإسلام الأولى، أُذن لهم بالقتال لرد الاعتداء. {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]، ثم أمروا برد الاعتداء، فهو أمر وليس مجرد إذن فقط، وهذه هي المرحلة الثالثة {(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]. هنا يثار السؤال: إذا كان الله يأمر المسلمين بألا يعتدوا فلماذا كانت الفتوحات الإسلامية، ولماذا كان إلزام أبناء الشعوب البعيدة عن الجزيرة العربية (مثل مصر وأفريقيا وما وراء النهر) بقبول الإسلام أو الحرب أو الجزية وهم لم يعتدوا على المسلمين؟

هنا لا بد من ذكر أن هناك مرحلة رابعة لتشريع الجهاد، وهي المرحلة الأخيرة التي شرعت في آخر أيام حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، وهي مرحلة جهاد الدعوة أو جهاد الطلب كما في الآية الكريمة: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، والمقصود به محاولة توصيل دين الله سبحانه إلى العالمين من خلال الإعلام به والدعوة إليه بالأسلوب السلمي، مثلما فعل التجار الذين وصلوا إلى مجاهل أفريقيا وأعماق الصين. فإذا حيل بين هذه الوسائل السلمية، هل يعني هذا شن الحروب على من منع وصول الدين الجديد؟ يرى كثير من العلماء أن الإسلام لا يستهدف أن يجبر الناس جميعًا على الدخول فيه {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] والدليل على ذلك وجود الجزية، وإلا لكان أهل البلدان المفتوحة كلهم قد تحولوا للدين الجديد أو هاجروا منها فرارًا بدينهم، وهو ما لم يحدث، بل تؤكد الدراسات أن معظم أهالي البلدان المفتوحة لم يكونوا من المسلمين، وحدث تحولهم للإسلام عبر قرون من الحكم الإسلامي.

إذا كان الإسلام لا يستهدف إجبار الناس على الدخول فيه، وإذا كانوا لم يعتدوا على المسلمين، فما الحكمة من شن الحروب إذن؟ يتفق كثير من العلماء[6] على أن الإسلام – بوصفه التشريع الختامي الإلهي لحياة البشر – يستهدف الأنظمة الحاكمة لا الأفراد المحكومين، وذلك لأن الأنظمة الحاكمة تحكم بغير شرع الله، والله – سبحانه – له حق التشريع وحده، والمسلمون مطالبون بإزالة النظم الظالمة والمخالفة لشرع الله بالسبل المختلفة حسب قدرتهم، والآيات التي تؤكد ضرورة أن يكون الدين كله لله، تبين أن المقصود هو الأنظمة لا الأفراد.

ولم لا يترك كل قوم ما مع يحبون من تشريعات، ويبقى المسلمون بشريعتهم ويطبقون قوله تعالى: لكم دينكم ولي دين؟ نقول أولًا إن الاستشهاد بسورة الكافرون هنا في غير محله، فالآيات تشير إلى المفاصلة بين ما يؤمن به المسلمون وما يؤمن به الكافرون، فلا يحدث تداخل بينهم ولا يعبدون الله عامًا ويعبد المسلمون الأصنام عامًا آخر، ولا تتداخل الأديان معًا بزعم وحدة البشرية. بل الدين الحق هو ما أنزله الله سبحانه ولا تبديل لوحي الله سبحانه. وأما السؤال لم لا يترك الآخرون لتشريعهم؟ فهو سؤال محمل بالمزاج الليبرالي الغربي الذي يعلي من قيمة الحرية البشرية في كل اختياراتها ولا يجعل للمرجعية الدينية قيمة، كما أنه سؤال محمل كذلك بالتصورات الغربية حول نسبية الحقيقة، وأنه ليس هناك حقيقة مطلقة، وأن كل إنسان يرى الحق عنده، ولا يجب أن يلزم غيره به، في حين أن المنهج القرآني يؤكد أن الحق هو ما نزل من عند الله لا غيره {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 2]، وأنه الكتاب المهيمن على غيره {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ} [المائدة: 48]، وأن المتمسكين بهذا الدين هم الأعلون {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35] وبالتالي فالواجب على حملة هذ الشعلة المقدسة توصيلها إلى العالم أجمع بكافة السبل المتاحة في طوق المسلمين في كل زمان ومكان- وكلها صور من الجهاد. فيمكن توصيل هذا النور بالدعوة بالتجارة ونشر العلم والتعاملات مع غير المسلمين، كما يمكن نشره ببيان هذا النور في الوسائل الإعلامية المتاحة – كما في عصرنا- وما الفتوحات الإسلامية إلا مرحلة تاريخية كانت الغلبة فيها للغزاة المحاربين والقوة العسكرية، وكان من لم يغز يُغزى، وبالتالي كانت قوة المسلمين وعقيدتهم الراسخة وبسالتهم الدافعة واشتياقهم لتحقيق أجر الشهادة في سبيل الله كلها محركًا كبيرًا لتحقيق هذه الفتوحات.

وإذن فالجهاد في الإسلام لا يكون إلا في سبيل الله[7]، لا للتشفي والتقتيل، ولا للإجبار على الدخول في الدين، ولا للحمية والاعتزاز والفخر، ولا لغير ذلك- بل لتكون كلمة الله هي العليا {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40]، والأفراد -والحاكمون- في البلاد المفتوحة ليسوا أسارى ولا عبيدًًا، بل هم أهل بلادهم وسادتها وقوادها وهم مخيرون بين أن يتحولوا إلى الدين الجديد إن شاءوا أو أن يبقوا على دينهم، ويدفعوا ضريبة بدلًا عن المشاركة في الدفاع عن الأرض. وكثير من البلاد المفتوحة كان ولاتها منها، ووزراؤها من أهلها. بل إن أخبارًا عجيبة تروى عن عدل المسلمين، منها أن أهل سمرقند عرفوا بعد ثماني سنوات من فتح بلادهم أن جيش المسلمين كان يجب أن يمهلهم ثلاثة أيام ويخيرهم بين الإسلام أو الحرب أو الجزية، وهو ما لم يحدث في حالتهم لأمر ما، فشكوا إلى خليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز، فأرسل إليهم قاض حكم بأن يخرج الولاة المسلمون وأولادهم ويتركوا كافة متاعهم، ويمهلوا أهل البلد ثلاثة أيام ويخيروهم كما كان يجب أن يتم، وهذا ما لم تر الدنيا ولا التاريخ مثله أبدًا[8]. وكل ذلك لأن الداعي للخروج إلى هذه البلاد لم يكن التمتع بخيراتها ولا استغلال ثرواتها ولا الانغماس في لبنها وعسلها، وإنما كان كما قال الصحابي الجليل ربعي بن عامر «جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد»[9].

فأي عنف في ذلك وأي إجبار وأي إكراه… فهل مازلت ترى الإسلام دين عنف؟


[1] في صحيح مسلم، وفي رواية لو تابها صاحب مكس لغفر له.

[2] في صحيح الترمذي: لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ.

[3] في صحيح مسلم «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ».

[4] في البخاري ومسلم: جعل اللهُ الرحمةَ مائةَ جُزءٍ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرضِ جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزءِ تتراحمُ الخلقُ حتى ترفعَ الفرُس حافرَها عن ولدِها خشيةَ أن تُصيبَه.

[5] وعند النسائي، رحمه الله، من حديث: عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَأَصْحَابًا لَهُ أَتَوْا النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِمَكَّةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً فَقَالَ: إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ فَلَا تُقَاتِلُوا فَلَمَّا حَوَّلَنَا اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ فَكَفُّوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}.

[6] منهم الشافعي في أحكام القرآن، والجصاص في أحكام القرآن، وابن العربي في أحكام القران، والسرخسي في المبسوط، وابن تيمية في الجواب الصحيح، وابن القيم في زاد المعاد، وابن الهمام في شرح فتح القدير، وابن المناصف في الإنجاد في أبواب الجهاد، وابن كثير والطبري في التفسير، والبغوي في معالم التنزيل، والسمعاني في التفسير وغيرهم.

وفي المقابل يتبنى بعض العلماء المعاصرون المراحل الثلاثة الأولى فقط، ويرون أن تمام الشريعة توقف عند آية (ولا تعتدوا) وهي آية محكمة، فيكون الجهاد حينئذ للدفاع فقط وليس للبدء، وهو ما يخالفه وقائع كثيرة في تاريخ المسلمين. وممن قال بهذا القرضاوي في «فقه الجهاد»، والعلواني في «لا إكراه في الدين»، وظافر القاسمي في «الجهاد والحقوق الدولية في الإسلام». وقد تناول آراء الفريقين بالشرح والنقد والتفصيل سلطان العمري في كتابه «فضاءات الحرية»، عند تناوله للحرية الدينية والاعتراضات عليها.

[7] وبسبب هذه المراحل الأربعة يقع التفاوت أيضًا في حكم الجهاد فإنه قد يكون محرمًا في حق بعض المكلفين، كجهاد التطوع بلا إذن الأبوين، وقد يكون مستحبًا باعتبار الأفراد واجبًا كفائيًّا باعتبار الجماعة، في أزمنة القوة والتمكين، وقد يكون واجبًا عينيًّا، كجهاد الدفع إذا دهم العدو المحلة، كما تقدم، وكتعيين الإمام، إن كان للمسلمين إمام، مكلفًا بعينه، فإنه يصير حينئذ واجبًا في حقه، فلا يسعه التخلف وإن لم يجب على غيره، فالأحكام تتفاوت تبعًا لتفاوت أحوال المكلفين، وكحضور القتال فيحرم التولي إلا انحيازًا إلى فئة.

[8] القصة كاملة في كتاب «قصص من التاريخ» للشيخ الأديب علي الطنطاوي، والأصل في كتاب «فتوح البلدان» للبلاذري.

[9] في «البداية والنهاية» لابن كثير، في معركة القادسية أرسل رستم قائد الفرس إلى سعد بن أبي وقاص يطلب رسولًا، وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضة على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له. فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم ؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. (ص. 622).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد