يقال إن الشاعر الألماني جوته [1749-1832] والذي عُرف عنه كثرة الأصدقاء انفجر في نهاية حياته قائلاً:

لم يفهمني أحد أبدًا على نحو صحيح، وأنا لم أفهم أي أحد بشكلٍ كامل، لا أحد يفهم أحد كما ينبغي. إنها لحظة نادرة اجتمعت فيها الصراحة مع الخبرة الإنسانية مع العقل المتقد.

إن الاعتقاد الشائع بأن أي شخص يعاني العزلة فهو حتمًا غير سوي، فهل ذلك صحيح؟ أم أن ما هو حتمي بالفعل هو الشعور بالعزلة؟ ومن هم أكثر المعرضين لذلك الشعور؟ ولماذا؟
نحن معزولون بالفطرة وذلك لسببين؛ أولاً: صعوبة إيصال كل ما يعتري الإنسان بداخله وترجمته لعبارات مفهومة، فاللغة وإن كانت أداة جيدة للتواصل فإنها لا تؤدي أبدًا إلى تطابق المعاني فهناك مسافة بين الدال والمدلول، وهي مسافة تضيق وتتسع، بحسب تركيبية المدلول الذي نحاول وصفه سواء كان ظاهرة طبيعية أو إنسانية أو غيبية. ومن نافلة القول إنه كلما انتقلنا من عالم المحسوس إلى اللامحسوس ازداد الأمر تركيبًا واتسعت المسافة.

أما الأمر الآخر فحتى إذا تمكن الإنسان من صياغة كل ما يجول في خاطره فإنه حتمًا لن يكون قادرًا على مشاركة كل شيء، حيث إن بداخلنا أمورًا لا يمكن مشاركتها مع الآخرين. لأن الإنسان يجد نفسه واقعًا بين أن يكون حقيقيًا ووجوده أصيل؛ مما يتطلب منه الصراحة والصدق التام، وبين حاجته إلى القبول المجتمعي؛ مما يتطلب منه أن يكبت ما لا يمكن أن يتقبله الآخرون مما يجعل وجوده زائفًا وغير أصيل.

والغالبية تختار أن تضحي بحريتها وصدقها مع ذواتها أملاً في الحصول على قبول الآخرين، من هنا تتحول الحياة إلى مسرح يؤدي فيه الغالبية أدوارًا مرسومة بدقة ويمارسون حياتهم ليس بعفوية وبإنسانية فيها من الضعف ما فيها، إنما كنص مكتوب مسبقًا ودرب يسيرون عليه لا يحيدون عنه قيد أنملة، وهو نص مكتوب سلفًا من عادات وتقاليد مجتمعية وأعراف لم يساهم في كتابتها الجميع ولكنها تُصبح مُلزمة للجميع!

وعلى الرغم من أن الإنسان يتخلى عن حريته أملاً في القبول المجتمعي، فإنه يجد صعوبة في التعاطف والتعارف الجاد الحقيقي، لأن وجوده أصبح غير أصيل فهو يهتم بالمظهر لا الجوهر، والاختزال لا التركيب، والعام عوضًا عن الخاص. فيصبح سوء الفهم أكثر شيوعًا لأن التعارف الجاد يحتاج اهتمامًا بالجوهر والمُركب والخاص.

كلما كان العقل قويًا، كلما كان أكثر ميلاً إلى العزلة وكلما زادت حساسية الانسان وذكاؤه ازداد معه إحساسه بالعزلة. ألدوس هكسلي

إن حتمية العزلة مرتبطة بشكل ما أو بآخر بحتمية الموت، فالإنسان يموت وحيدا مما يعني أنه سيلقى مصيره وحده ولا يسع الآخرين أن يشاركوه ذلك. إن عزاءنا الوحيد هو أن نجد توأم روحنا soul mate هؤلاء الأشخاص الذين نتكشف أمامهم دون خزي ودون خوف من سوء الفهم، لكن إيجاد تلك الروح أمر يعتمد على الصدفة وحدها وعلى الظروف الموضوعية المحيطة بنا، فقد نجده ونفقده، وقد يولد في زمان غير زماننا، وقد لا نقابله أبدا مهما بحثنا ومهما فعلنا، وقد يأتينا في وقت فاقدين فيه أنفسنا فلا يتمكن هو من التعرف علينا وعندما نستعيد أنفسنا يكون قد ولى ورحل ولن نتمكن من إيجاده مجددًا وهكذا.

وكلما كان الإنسان ذا وجود أصيل قل عدد الأشخاص الذين يشبهونه ويمكنه التعامل معهم. إنها ضريبة لا بد من دفعها إذا تمسكنا بحريتنا وإنسانيتنا.  إن الإنسان الزائف سجين علاقات زائفة، علاقات مادية تدور في إطار اللذة والمنفعة فحسب، فرغبة التبادل النفعي ملحة أكثر عن رغبة التواصل الحقيقي. إن التسليم بوجود تلك المسافة التي لا يمكن اختزالها بيننا وبين الناس، هو ضروري من أجل تحسين عملية التواصل، وتقبل حتمية العزلة وعدم التخلي عن حريتنا للحصول على قبول مشروط هربًا من شبح العزلة، مما يؤدي بنا إلى أن نحيا بكامل قلوبنا وكامل إنسانيتنا بكل ما فيها من عيوب وضعف وإخفاقات، ولكن وجودنا حينها سيصبح وجودًا حقيقيًا ليس زائفًا، وحده وجودنا الأصيل هو ما يفتح لنا آفاقًا من الإبداع اللامتناهي وهو ما يشكل فارقًا في هذا العالم النمطي المقولب.

ذلك الإبداع الذي نطلقه في فضاء العالم لعله يصل إلى من يفهمنا في أقاصي الأرض أو لمن سيأتون من بعدنا ممن لن نتمكن يوما من مقابلتهم. إنه رسالتنا الأولى التي خُلقنا من أجلها «عمارة الأرض» إننا عندما نصادف قصة قصيرة أو رواية أو مقالا أو مقطوعة موسيقية أو لوحة فنية أو كتابًا… إلخ. لعلها كتبت في سنوات قد خلت، ورغم ذلك تلامس قلوبنا وتعبر عن مكنون صدورنا نكتشف حينها ذلك المعنى.

العزلة تتولد منها الأصالة الكامنة في أعماقنا. توماس مان

تلك العزلة هي ما تشكل ذواتنا الحقيقية. لعلها لن تنعم بتواصل هنا والآن، لكنها حتما ستجد وصالا بشكل آخر أكثر أصالة وحقيقة وإشباعًا مع من نختاره بحرية ونبقى معه حتى النهاية.
فلا يشعر بالعزلة ويقبل عليها إلا أصحاب النفوس الحرة والشخصيات المركبة وهم كُثر لكنهم يخشون وصفهم بالغرور، وبالفعل فإنه ما إن نصادف شخصًا أصيلًا حتى يصفه الزائفون بالغرور! لذلك فهم يظنون في أنفسهم الظنون وكأن العيب فيهم، ثم سرعان ما يحاولون التخلي عن حريتهم طلبًا للقبول المجتمعي وتحاشيًا لوصفهم بأوصاف لا تعكس حقيقة نفوسهم.

ولكنهم ورغم كل المحاولات يفشلون، لأن النفس الحرة الأصيلة يصعب عليها أن تتخلى عن فرادتها وتميزها طمعًا في الانتماء للجموع. تحمُل الوحدة النابع من شعور العزلة ليس بالأمر الهين على النفس التي تضيق ذرعا بنفسها وتبحث عن تجمع تنتمي له قد يكون مجرد رغبة في الانتماء لكنه سرعان ما يتحول إلى نوع من الاتباع حيث تنسحق حرية الفرد تماما في الجموع فيستريح من عبء الحرية الثقيل وألم العزلة المريع.

لكن ألم العزلة أفضل من معاناة عواقب العلاقات الخاطئة، إنه ثمن بسيط ندفعه مقابل تمسكنا بحريتنا في إبداع رؤية صادقة تعبر عن ذواتنا الأصيلة لا مجرد رؤية مكررة تعبر عن ذوات زائفة يقبلها الآخرون ولكن لا تقبلها أرواحنا «فابتعادنا عن البشر لا يعني كرهًا فيهم إنما العزلة وطن للأرواح المتعبة» كما يقول إرنست همنغواي  وكأي شيء في هذا العالم فإن العزلة منها ما هو سلبي وما هو إيجابي. فالعزلة السلبية هي تلك التي تكون بعيدة عن الناس، ولا يقوم بها إلا الضعفاء أصحاب النفوس الهشة، فيهجرون الناس مثلما يبتعد الغزال الجريح عن سربه ويتوارى في كهفه حتى يبرأ أو يموت! فأسلم ما للجبان هو تلك العزلة، أما الأقوياء فإنهم ينعزلون بين الناس! فالحرية هي امتلاك العزلة، أن تستطيع التعامل مع الناس دون أن تُجبر على اللجوء إليهم أو الرضوخ لمحاولتهم لجعلك نسخة منهم فمن لا يجيد فن العزلة لا يقوى على تحمل عبء الحرية.
والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد