«منفى هي الأرضُ الّتي تنأى بنا عن روحنا نحو الغريب»!

الإنسان في طبيعته باحث. يبحث عن مستقبل ضائع، يُفتش بالماضي عن ذكريات قديمة غير مستخدمة وينسى أنَّه في حاضره عالق بين محطتين، فتجده كُلّما تقدم به العمر حاول جاهدًا تشكيل مسودة من الذكريات تُعينه على قسوة الشتاء والوحدة في شيخوخته.

في حين أنَّ الأيام تمضي حسب مخططها الزمنيِّ بينما التسلسل النفسي متوقف، مُبعثر وتملأه الحيرة والكثير من الضياع وتشكيل الكلمات بلا جدوى، واختلاق أفعال بلا غاية، فقط لِيُقال أنّه كان هُنا.

جابريل جارسيا ماركيز، ذاكرة هذا العصر. أمضى أكثر من ثمانية عقود مُحاولًا نسج حضارة وفكَّ لغز الموت والذاكرة. فما كان من سُخرية القدر إلّا أن أفقده ما كان يُراهن عليه، الذكرى.

«لا يهم في الحياة ماذا حدث لنا، لكن ما تذكره وكيف تفعل»، في الحقيقة لم يخسر ماركيز الكثير؛ إذ إنه لم يُدرك حين فقد الذاكرة أنَّه يفقدها، ولستُ أدري ما هي آخر جملة كتبها قبل أن يُصاب بداء فقد الذات، وهل أدرك بحدسه ما سيجري له. في الأغلب تبدأ الأعراض لكن الحُجج التي نُبرر فيها فعل النسيان، أنّه ليس أمرًا ذا أهمية بالنسبة لنا، لم تعُد هذه الذكرى تتعلَّق بنا، حتَّى إذا وصل بنا الأمر لِتذكر طيف الحب القديم وقدّ تآكل بعض أجزائه وجوانبه، قُلنا: أوف الحمد لله قدّ نجونا منه وبدأنا بالتعافي.

نحمل الماضي قضية، نُسافر به ونأخذه إلى طاولة العشاء ونُعرِّف عنه في بداية السهرات، نضعه في صندوق ونعود إليه كُلَّما شعرنا بمأساة الحياة واغترابنا فيها، نعود للماضي في كُلِّ مرَّة يُسيء فيها العالم مُعاملتنا، وعندما نجد الذكرى أشدَّ علينا منه، تتخبَّط الصور في أذهاننا، نُصاب بوعكة الحنين في العام الواحد آلاف المرَّات فيُصبح فعل الذكرى باقيًا ومُمتدًا ولا ينضب، كنهر دجلة لم توقفه المآسي عن طبيعته في الجريان. في اللحظة التي تلجأ فيها لِصندوق الماضي هذا، تحمل وحدتك ويقينك بالشفاء به معك، وفي كُلِّ حنين يُصبح الحدث فعلًا حاضرًا. بالأمس هُزمت أوَّل مرَّة، وقبل سويعات هُجِّرت من وطنك، وفي الليلة الماضية فقدت والدتك، والآن افترقت مع حبيبك.

نتحمل الماضي خطيئة وجب علينا التكفير عنها، وما إن يتعلق الأمر بذاكرة القلب يُصبح الغفران فعلًا مستحيلًا وغير قابل للتفاوض. ومرة أُخرى يسأل نفسه، كيف جرى كلُّ هذا ومتى؟ ومن المستفيد منه؟ وكيف استطعت تجاوز هذا كُلَّه؟! لتمضي وأنت عالق ليس بين محطتين، بل حال يجعلك تمضي الُعمر أعزلَ

يومًا بعد آخر تتفلَّت منك الذاكرة، تلجأ لتدوين الأُمور المهمة ومن ثمَّ تلجأ لتسجيل مشاعرك وتوافه الأحداث التي جرت لك خلال اليوم. بفعلك هذا غير مدرك للمرحلة الفارقة في عُمرك، فأنت في موعد استقبال العُمر بلا ذاكرة؛ فتهيأ.

ستقول أيُّ الأمرين أمرُّ؟ ذاكرة بماضٍ حارق ووحدة قاتلة بتقلباتٌ سخيفة، أن تحيا على اللحظة التي صبَّت لك عمرًا كاملًا وانقضت، تحيا مُتأملًا عودة خفقة القلب والأيام الهانئة واهتزاز الطبيعة البديع، أن تحيا انسكاب الحياة ومضيَّها كما خُطط ورُسم لها في سُلَمها الزمني. أم قلب بلا ذاكرة، عُمر بلا ذاكرة، تخبُّط بلا وعي وإدراك أقل من جزء الثانية. ماذا ستُفضل! أيًّا كان ما اخترت فما أمر الحقيقة.

لا شيء يعود كما كان، هُنالك لحظة تقلب الموازين، فإدراك المفارقة، إدراك الذات، فالمرء لا ينتمي لجسد دون ذكرى، فما إن غادرت الذكريات ستُغادر الروح وما الجسد إلا وعاء، كوعاء لنبتة لا تنمو.

بينما لو قُلنا إن تحت هذه التربة ذكريات مدفونة غير ممسوسة، هل ستُزهر النبتة، رُبما شوقًا وبكاءً يرتد عكسيًّا للأعلى..

في المنفى؛ منفى الذات عن ذاتِها لا تفنى الذكريات؛ فالذكريات لا يمحوها أي شيء حتى الشيخوخة، حتى الذاكرة المعطوبة.

هُنالك ذكريات عزيزة حدَّ أننا لا نمسها حتَّى بالتذكُّر، ومنها يبدأ طقس البعث والتبعثر وفُقدان كُلِّ شيء، الذاكرة والروح والزمن.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد