إن السنن الإلهية المتعلقة بالمجتمع والحضارات مهمة جدًّا في فهم طبيعة العلاقة بين المسلمين وغيرهم ومهمة جدًّا في صناعة أصول فقه الحضارة في مقابل أصول فقه النص الديني- قرآن أو سنة- لتحقيق التوازن الكوني.

ومن تلك السنن: سنة التعارف، وسنة التكامل، وسنة التوازن وسنة التدافع وغير ذلك من السنن.

وسنة التعارف مهمة جدًّا في علاقة المسلمين بغيرهم بل في علاقة الأمم والشعوب عامة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍوَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ 13 الحجرات

وأعلم أن الأخوة الإنسانية بين أولاد سيدنا آدم قائمة لا مجال لإنكارها ولا معنى لتجاهلها، سواء جمعتهم عقيدة دينية واحدة أو تنازعتهم عقائد ومذاهب شتى.

إن مفهوم الجهاد الذي شرعه الله تعالى وجعله عملًا واسعًا وراقيًا هو شأن شريف نوراني يتحقق بصور متعددة، فيكون بالقلب والدعوة، وبالحجة، وبالبيان والرأي والتدبير، وجهاد الكلمة، وجهاد الدوام على الطاعة، وجهاد هوى النفس، وإنما الجهاد القتالي إحدى صور الجهاد بمفهومه الواسع.

وأقول: إن الله لم يشرع الجهاد القتالي لإكراه الناس على الدخول في الإسلام، وقد نص البيان الإلهي على هذا في أكثر من موضع.

من ذلك قوله تعالى:﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ 48_الشورى

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يونس_99

وقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ البقرة_256 و(لا) هنا نافية وليست ناهية فالجملة خبرية وليست إنشائية، والجملة الخبرية لا تخضع لإمكان دخول النسخ عليها.

وفي الوقت الذي نهى الله المسلمين عن موالاة الذين يعادون الإسلام والمسلمين، أوضح أن هذا لا يتنافى مع البر الذي ينبغي أن يظل ساريًا من المسلمين لغيرهم ما داموا مسالمين لهم لا يتربصون سوءًا بحياتهم أو بشيء من حقوقهم وأوطانهم فقال: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(9)﴾الممتحنة.

والفرق بين الموالاة التي ينهى الله عنها للكافرين والبر الذي يأمر به معهم أن الموالاة تعني الخضوع لنهجهم وسياستهم، وهو منهي عنه في كل من حالتي الحرب والسلم.

وأما البر معهم فهو يعني التعامل معهم بالعدل على أساس من الندية دون أن يكون للمسلمين أي تبعية لهم أو أن يكون للكافرين أي تسلط عليهم، وهو مأمور به إن لم يواجههم الكافرون بأي عدوان واقع أو عدوان يخططون له.

إنما شُرع الجهاد القتالي ردعًا لعدوان واقع أو ردًّا لعدوان مخطط له ومتوقع وما من غزوة قادها سيدنا رسول الله ﷺ أو قادها أي من الخلفاء الراشدين من بعده، إلا وكانت لواحد من هذين السببين.

فقد جعله الله تعالى مرتبطًا بمقاصد الشرع التي هي الهداية وإحياء النفوس لا إزهاقها، وجعله الله تعالى محكومًا بمنظومة قيم حاكمة تدفع أصحاب الجهاد الحق ألا يقطعوا شجرة وألا يهلكوا شاة وألا يُروعوا راهبًا في صومعته، وجعله الله تعالى مرتبطًا بتقدير شؤونه ومقداره ومآلاته، فإذا خرج عن حدوده أو جاوز مقداره أو تم إيقاعه على غير محله خرج عن كونه جهادًا وتحول إلى إساءة وظلم وعدوان.

وأعلم أن قتال الجاحدين والكافرين ليس بسبب كفرهم من حيث هو، وإنما بسبب العدوان المتلبس بسلوكهم والمتمثل في مبادءة المسلمين بالقتال أو في التخطيط لذلك والعدوان يشرع درؤه بل يجب.

فالجهاد حكم شرعي ليس حماسة أو اندافاعًا وتعتريه الأحكام التكليفية الخمسة، فقد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون محرمًا ممنوعًا إذا فقد شروطه وأغرق أصحابه في سفك الدماء، وحولوا الجهاد من باب صد للعدوان وحرص على تأمين المجتمعات ووقف الانتهاك إلى شهوة نفسية للقتل والتسلط، وقد قال الإمام القرافي في (الفروق) 1/135: كما شرع الله تعالى الأحكام شرع روافعها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد