لا جرم أن الحوار هو تلك الوسيلة الفعالة بين أصحاب العقول التي لم يعتريها الخَبل أو التعصب، إذ إن هؤلاء قُرناء الرجل الحزين لا تستطيع أن تقيم معه حوار، اللهم إلا الثرثرة، فإنهم على النقيض من ذلك، أما ذلك الكئيب الحزين فإنه منغلقٌ على نفسه كالمحار.. وقد يعرض الحوار على الجماعة المسلمة وغيرها في شيء من التعجب يختلط معه ذلك الجدل العريض الذي لا طائل منه، وهو أحيانا يشبه ذلك الجدل واللجاج لهذا الملك الذي حاجَّ أبراهيم في ربه، وأحيانا أُخرى نتطلع إلى صورةٍ أُخرى من صور الحوار الذي أوحى به الله عز وجل إلى رسولهِ صلى الله عليه وآله وسلم لمواجهة أهل الكتاب مواجهة فاصلة كي يقر الحقيقة في أذهانهم وعقولهم لتستقر الصوررة كاملة واضحةً في يقين تام، والحوار في طبيعته يكشفُ عن طبيعة القوم، فنحن نرى إن أهل الكتب من اليهود والنصارى قد طلبوا من أنبيائهم الخوارق والمعجزات، ومع كل ذلك لم تطمئن قلوبهم.

على النقيض من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يطلبوا من نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم أي خارقة بل أنهم لما أمنت واطمئنت قلوبهم شهدوا له بالرسالة، وصدّقوا به واتبعوه، وبذلوا من أجل ذلك الغالي والنفيس، دون أن يطلبوا على صدقه برهان، فشهدوا له بلا معجزة، إلا القرآن، وهنا وفي معرض تفحصنا للحوار الذي أقامه موريس بوكاي بينه وبيه قومه في شأن القران نجد إن الحوار قد انقطع إلى القطيعة مع أنه لا دليل على تحوّل الرجل عن دين قومه، كما أنه لا دليل يثُبت العكس، فالرجل يشهد للقرآن بأنه كلمة الله، وبأن محمد نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، إن نفس ونواميس الحوار ذو سنة واحدة قائمة على قدم وساق منذا أن قامت البشرية. إن أغلب سبل الحوار والتي بوافقها السداد والتقارب والتي تبغي إلى استئناف الحياة من جديد، وتحسين وجه الطبيعة وتحسين العلاقة بين عامة الناس، إن كل ذلك هو بالحقيقة شكل من أشكال الدعوة إلى الحق في وقت يخال فيه الإنسان انقطاع فيوضات الرحمة، حاشا لله عن ذلك، والواقع أن القلب الحي لا يفتئ أن ينجلي عن دعوة الحق ثم يعود إليها ولو بعد حين، فيستعين بكل وسيلة استجابة لتلك المضغة الصالحة التي تحركة وهكذا هو موريس بوكاي.

موريس بوكاي طبيب فرنسي 1920 – 1998 ميلادي، وهو مسيحي كاثوليكي، وكان عضوًا في الجمعية الفرنسية لدراسة الحضارة المصرية علميا، مارس الطب سنة 1945 إلى سنة 1982 وكان مختصًا في أمراض الجهاز الهضمي، وكان الطبيب الشخصي للملك فيصل بن عبد العزيز، كان منذ أيام شبابه يلهج ويدعو للحوار، فكان كثيرًا ما يرى هنالك تناقضًا صارخًا بين الدين والحقائق التأريخية والعلم في المجتمع الغربي، فلا يلبث إلا ويتوجه بالسؤال إلى أساتذتهِ ورجال الدين أنفسهم للتعرف على الحقيقة. فلا يجد إلا الصدى… يقول موريس بوكاي: [ في عام 1935 كنُت في الخامسة عشرة من عمري، وكنت ما أزال طالبا في مدرسة مسيحية. في تلك الفترة أعلن الأب بيرونيه، وكان أحد علماء الأحافير الجيولوجية، عن اكتشاف رسوم بشرية في كهف في جنوب إسبانيا، أرجع تأريخها إلى 15000 عام، هذا في الوقت الذي كنا نقرأ فيه في كتاب الدين بالمدرسة أن تاريخ ظهور الإنسان الأول على الأرض يرجع إلى 4000 عام قبل المسيح، أصابتني حيرة فسألت الأب مدرّس الدين: أيّ التاريخين أصدق؟ أجابني قائلا: من فضلك، لا تخلط بين شيئين مختلفين: هناك العلم في جانب، والدين في جانب آخر، وعندما يقع تعارض بينهما، فإن ما يقوله الدين هو الحقيقة! قلت له: لا يمكن! هذا مستحيل، هذه حقيقة علمية تمت البرهنة عليها، كيف يمكن إرجاع تأريخ ظهور الإنسان على الأرض إلى ما يقوله كتاب الدين؟] [1]،

ولاحظ بوكاي أنه في الغرب، أنه عند الحديث عن العلم والدين يتم إغفال ضَم الإسلام والقرآن إلى اليهودية والنصرانية لأن الغرب المسيحي ينظر إلى القرآن الكريم على أنه كتاب نقلهُ محمد صلى الله عليه وآله وسلم من آيات التوراة والإنجيل.

وفي الأربعين من عُمره، وبحثًا عن العلم أيا كان مصدره، وعن الحقيقة الضائعة، قدر الله له وبحكم مهنته في الطب أن يلتقي بمجموعة من المسلمين يتعالجون عنده، أخذ يسألهم عن دينهم وعن القرآن، وعن نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن مدى إيمانهم بكل ذلك، فكانوا يجيبونه بأنهم على الإيمان الجازم بكل ذلك، وأرهفوا به لأن يتناول كتاب المسلمين بالبحث والدراسة، ولكن لأنه قد وجد كثيرًا من الترجمات لهذا الكتاب فيها أخطاء كبيرة وكثيرة، وبقصدٍ وغير قصد، فكان يلزمهُ لأن يصل إلى الحقيقة كاملةً أن يتعلم العربية، لغة القرآن، فالتحق بالمدرسة الوطنية للغات الشرقية في باريس 1970 كطالب منتظم، وكان ذلك في الخمسين من عمره، وكانت تلك بالنسبة له فترة صراع مريرة، ولكنه تغلب عليها بموضوعيتهِ النادرة، وبعد قراءتهِ توصل إلى النتائج التالية:

موافقة القرآن للعلم، وعدم معارضتهِ له في ذلك ولو بكلمة واحدة:

إن الحقيقة في صورتها القاطعة لا يقابلها إلا الحقيقة، وعلى نقيضها الغَبش والظن، ولطالما عرفنا أُناسًا قد عرفوا الحق ونقيضة وعملوا بهما، فتراهم يعرفون الله عز وجل ولكن أنفسهم أبت إلا أن تتخذ من دونه شريكا وندًا، وهذا ما قرره الله عز وجل في كتابه العزيز، وأثبتهُ الواقع المشاهد منذ أن وطئت الأرض قَدَمْ سيدنا نوح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وإلى يومنا هذا. وبوكاي قد عاني كثيرًا من ذلك التناقض الصارخ بين العلم وما ورد في التوراة والإنجيل، فلم يستسلم لهذا الأمر بالرغم إن عالمهُ وجنسهُ لم يكن يسمح بأكثر من تلك الرؤية، فالغرب مطبق على التوراة والإنجيل وليس هنالك ثمة شيء آخر غيرهما بالرغم من تردد القرآن من بين تلك الكتب، إلا أن الغرب أجمع على أن كتاب القران إنما هو كتابٌ من تأليف الإنسان وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه قناعة راسخة عند أغلب الغربيين وبشكل قاطع.

والحقيقة أنه منذ أن فتح الصفحات الأول من كتاب الله عزوجل – القرآن – حتى بدأت البشائر تتهلل بين يديه، فمن كلماته التي تدل على تلك البشائر والتي تدل على فرحة وسرور بوكاي في إيجاد كتاب سماوي يتوافق توافقًا تامًا مع العلم والحقيقة: [لم أجدِ التوافقَ بين الدِّين والعلم إلا يومَ شرعتُ في دراسة القرآن الكريم؛ فالعلم والدين في الإسلام شقيقانِ توءمان؛ لأن القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف يدعوانِ كلَّ مسلمٍ إلى طلب العلم، طبعًا إنما نجمت إنجازات الحضارة الإسلامية العظيمة عن امتثال الأوامر المفروضة على المسلمين منذ فجر الإسلام] [2] ومع فرحة موريس بوكاي في هذا الفتح الذي فتحه الله عليه ؛لا يفتأ إلا ويسجل اندهاشهُ الطويل من هذا التوافق بين القرآن والعلم وهو أمر يدل على روحٍ عطشى لماء الحق، فتراه يقول: [مثل هذا اللقاء بين القرآن والعلم مدهش حقًا، وبخاصة عندما سيكون إلى التوافق أقرب منه إلى الاختلاف].

[3] ويقول في موضع آخر: [لقد أدهشتني في البداية هذه الصورة العلمية الخاصة بالقرآن إلى حد بعيد، لأني لم أكن أظن أبدًا أنه يمكن حتى هذا الزمن أن نكتشف في نص مكتوب منذ أكثر من ثلاثةَ عشرَ قرنا عددًا من اليقينيات المتصلة بموضوعات شديدة التنوع، ومتفقة تمامًا مع المعارف العلمية الحديثة، ولم يكن لدي في البدء أي إيمان بالإسلام، وقد بدأت هذا الاختبار للنصوص يموضوعية كاملة وبفكر متحرر من كل حكم مسبق].

[4] ونراهُ وهو يتكلم عن الآيات التي تتكلم عن مراحل نمو الجنين في بطن أمه بشيء من الاندهاش والعجب فيقول: [أما بخصوص عوامل الملاحظة كتطور الجنين الإنساني فإنه يمكننا أن نواجه تمامًا مختلف المراحل الموصوفة في القرآن بمعطيات علم الجنين الحديث واكتشاف اتفاق العلم المطلق مع الآيات القرآنية المتعلقة به]. [5]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد