عندما قررت قراءة كتاب السيرة النبوية والاعتكاف على غير كتاب آخر كان اهتمامي مُنصبًا على أهداف غير التي طرأت الآن.

كنت أقرأ بداية من عهد الرسول فقط من باب المعرفة بالتاريخ الإسلامي بدون أي هدف آخر، ولم أدرِك أني سأتأثر لهذا الحد وأقوم بإيقاف القراءة وسأنثر كلماتي في ملف الوورد.

أعلم ما سيجول في خاطر البعض أن التاريخ الإسلامي مليء باللحظات الحرجة، فهل قرأت التاريخ الإسلامي كله حتى تُعدِد لحظاته الحرجة في مقال لا يتجاوز الألف حرف؟

نعم عزيزي القارئ لن أستطيع سرد كل اللحظات الحرجة في التاريخ الإسلامي بمقال واحد، مهما قرأت واختصرت، ولكن حديثي هنا خصيصًا عن «فترة الدعوة في العهد المكي وفترة حروب الردة».

أول فترة وهي فترة الدعوة في العهد المكي أسميها بفترة «فتح الفتوح».

القصة بدأت بعد مُضي 10 سنوات في الدعوة إلى الله بجهدٍ مُضن بدايةً من الدعوة السرية، والجهر بالدعوة، وتعذبيهم للصحابة، وضربهم لأبي بكر، وطعنهم لسمية بنت الخياط في موضع عفتها، ومحاولة إسقاط حصن الرسول وهو عمه أبي طالب وضربهم للرسول، والحصار الاقتصادي والاجتماعي الذي فرضه المشركون على بني عبد المطلب وحصارهم في شعب بني هاشم في العام السابع من البعثة، والهجرة إلى الحبشة، ومحنة الطائف، ومنحة الإسراء والمعراج، ومرورًا على أحداث صعبة وقاسية وهو عام الحزن بسقوط حصن الدفاع الأول والخارجي للرسول وهو وفاة عمه أبي طالب وحصن الدفاع الداخلي للرسول وهي وفاة أم المؤمنين السيدة خديجة وبعد كل هذه المشقة ولا زالت الأمور تتحرك بغاية البطء الشديد، والمشركين كانوا في غاية الصلابة والجمود أمام رقة ولين النبي في الدعوة للإسلام، فلقد نالوا من الرسول والمسلمين في كل المواضع، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يقنت ولم يكل أو يملّ من الدعوة إلى الحق وطريق الهدى وساعده على ذلك أصحابه رضوان الله عليهم.

وعلى غير موعد كانت البداية المثمرة بعد كل هذه المِحن مع ستة من النفر في موسم الحج كلهم من قبيلة الخزرج القائمة بيثرب وهم «أبو أمامة أسعد بن زرارة،وعوف بن الحارس من بني النجار، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبدالله».

فدعاهم الرسول إلى الحق وتلا عليهم القرآن فصدقوه وآمنوا به.

فلما رجعوا إلى يثرب ذكروا لقومهم عن النبي ودعوهم إلى الإسلام وسريعًا وباجتهادهم وتفانيهم في الدعوة وصدق إيمانهم أصبح كل بيت بيثرب لا يخلو ذكره من الإسلام ورسول الإسلام.

ومن هنا كانت اللحظة الفارقة في تاريخ الدعوة كلها وفتح الفتوح، فأيد الله رسوله بهؤلاء الستة فبإسلامهم توالت الفتوح تِباعًا تِباعًا ببيعة العقبة الأولى، وكانت مكونة من اثني عشر رجلًا من أهل يثرب عشرة من الخزرج واثنين من قبيلة الأوس، ومن قرأ التاريخ قبل الهجرة سيجد أن الأوس والخزرج كانوا من ألد الأعداء لبعضهم ومن القبائل المتناحرة في الجزيرة العربية وبينهم الكثير من الدماء المسفوكة وآخرها أشرس معاركهم كانت قبل الهجرة بثلاث سنوات «معركة بُعاث» ولكن لأول مرة يتوحدوا تحت راية الإسلام.

وتوالت بعدها بيعة العقبة الثانية، وأرسل الرسول بعدها مُصعب بن عمير إلى يثرب ليُعلِم أهلها الدين ويؤمهم في الصلاة وكان خير سفير للإسلام وبتربيته التي رباها له الرسول مع جيل الصحابة غيّر مُصعب بن عُمير المُعادلة في يثرب وأسلم على يديه الكثير والكثير، وبعدها خرجت طلائع المسلمين المهاجرين من مكة إلى يثرب «المدينة» وتوحدهم مع الأنصار تحت راية الإسلام وتحولت «المدينة» لقاعدة مركزية ونواة للدولة الإسلامية الجديدة.

فأصبح للإسلام وقتئذ درعٍ وجيش يزودُ عنه بعد هذه الأحداث المتتالية.

فمن هناك بنى الرسول دولته ووضع دعائمها وأركانها، ومن هناك انطلقت الجيوش للغزوات، ومن هناك فتح الله على رسوله مكة ومن هناك وحد الرسول جزيرة العرب لأول مرة في التاريخ تحت راية الإسلام، ومن هناك حارب الرسول أعتى الإمبراطوريات في التاريخ.

ولو نظرت على كل هذه الفتوح بعد المحنة الشديدة ماذا سترى؟

بفضل الله أن أيدَ رسوله بستة من النفر!

فتح الله بهم عليه الدنيا وتغير فيهم التاريخ وبالنسبة لي بعد فضل الله على رسوله وعلينا ما كان سيصلنا الإسلام لولا هؤلاء الستة… فبإسلامهم واجتهادهم في الدعوة إلى الله وتأليف قلوب أهل يثرب على الإسلام ترتب عليه كل هذه الأحداث العظيمة التي تلت وسبق ذكرها.

الفترة الثانية «حروب الردة»

كانت من أصعب اللحظات التي مرت في التاريخ الإسلامي،

تخيل معي عزيزي القارئ دولة وليدة لم تقو شوكتها بعد؛ قليلة العدد والعتاد والعدة تُناچِز الإمبراطورية الفارسية على جبهة، والإمبراطورية الرومانية على جبهة أخرى، وفوق كل ذلك يرتد من جماعتها خلق ليس بقليل وتفتح مع الخلافة الراشدة جبهة حرب ثالثة معها؟

تخيلت عزيزي القارئ؟

إنها الهزيمة المُحققة لا محالة!

فكان هذا دافع بعض الصحابة وموقفهم الرافض لحروب الردة أول الأمر ومنهم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان يشير على أول خليفة للمسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا أبي بكر الصديق بأن يترك مانعي الزكاة ويتألفهم حتَّى يتمكَّن الإِيمان من قلوبهم، ثم هم بعد ذلك يؤدون حق الله في مالهم، فامتنع أبو بكر عن ذلك وأبى فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: لمَّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر الخليفة… وكفر من كفر من العرب، فقال عمر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إِله إِلا الله، فمن قالها؛ فقد عصم منِّي ماله، ونفسه إِلا بحقِّه، وحسابُه على الله» فقال (أي أبي بكر): والله لأقاتلنَّ مَنْ فرَّق بين الصَّلاة والزَّكاة، فإِنَّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عَناقًا (الأنثى من ولد الماعز) كانوا يؤدُّونها إِلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؛ لقاتلتهم على منعها وفي روايةٍ: والله لو منعوني عِقالاً (هو الحبل الذي يعقل به البعير) كانوا يؤدُّونه إِلى رسول الله؛ لقاتلتهم على منعه.

فبعد أن وضح سيدنا أبي بكر الصديق موقفه من المرتدين مانعي الزكاة لسيدنا عمر، فكان رد سيدنا عمر على هذا الكلام فقال: والله لقد رجح إِيمان أبي بكر بإِيمان هذه الأمَّة جميعًا في قتال أهل الردَّة.

الآن موقف المسلمين في المدينة صعب، فقد أنفذ أبو بكر جيش أسامة إلى البلقاء وفلسطين لمُناجزِة الروم وأبو بكر والصحابة بالمدينة في عدد قليل من الجُند وبعضٍ من القادرين على حمل السلاح، والمرتدون بالخارج يقومون بتجييش المقاتلين لإسقاط العاصمة الإسلامية الأولى وبها الصحابة والقضاء على الدين… المسلمون في وضع حرج والأعداء بالخارج يستعدون لغزو المدينة على حين غرة من أهلها، والجميع يحبس أنفاسه ومترقب مآلات الأمور وما هي إلا أيام حتى حشدت قبائل أسد وغطفان وذبيان وبكر جيوشها وحاولت اقتحام المدينة عنوة، لكن الصديق كان مستعدًا ودحرهم، وفي أعقاب ذلك عاد أسامة من قتال الروم منتصرًا فخلف أبو بكر على المدينة حتى يخرج الخليفة بنفسه على رأس الصحابة والجيش لمحاربة المرتدين قبل محاولة ولوجهم إلى المدينة مرة أخرى.

فخطة الصديق الآن هي هجوم شامل وقاس على المرتدين، فقسم الخليفة جيشه إلى أكثر من 11 لواء كان هو على أحد هذه الألوية. وكل لواء أقام عليه قائد اختاره وأرسلهم إلى مناطق متفرقة وأشهر هذه الألوية جيش خالد بن الوليد (وهو القائد العام للجيوش) إلى بني أسد ثم إلى تميم ثم إلى اليمامة، جيش عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة الكذاب في بني حنيفة ثم إلى سلطنة عمان والمهرة فحضرموت فاليمن، جيش شرحبيل بن حسنة إلى اليمامة في إثر عكرمة ثم حضرموت، جيش عمرو بن العاص إلى قضاعة، وغير ذلك حارب طليحة الأسدي وسجاح التغلبية التي ادعت النبوة، فكانت الجزيرة العربية في ذلك الوقت على صفيحٍ ساخن.

ولإنصاف التاريخ ينبغي أن نفهم أن فتنة الردة هي أصدق امتحان للدعوة المحمدية خرجت منه دعوة من الدعوات، وأخيرًا حيث المسلمين في فترة الدعوة بالعهد المكي كانوا في قلة وذل ولا يملكون من أمرهم شيئًا.

وفترة حروب الردة من أصعب الفترات في التاريخ الإسلامي كله لارتداد نفر ليس بقليل من جماعة المسلمين عن دينهم، منهم من ارتد بشكل كلي وعاد إلى الوثنية، ومنهم من منع الزكاة وفي خضم هذا كله متاخمة دولة الخلافة الراشدة الوليدة في شبه جزيرة العرب لأعظم إمبراطوريتين في ذلك الوقت وهي الإمبراطورية الفارسية والرومانية.

فكان المسلمون يحاربون على ثلاث جبهات في آن واحد، الجبهة الرومانية والفارسية والمرتدين وجميعهم مُتاخمون لحدود الدولة الإسلامية الوليدة قليلة العدد والعتاد في ذلك الوقت، فكانت الأخطار تحدق بالمسلمين من كل جانب وهم في ضعف وقلة، وكان من الممكن تفكير شيطاني في وقت من هذه الأوقات بأن يجتمع المشركون كافة على المسلمين وهم في نفر قليل بمكة ويقوموا بإبادتهم عن بكرة أبيهم.

أو في فترة حروب الردة بأن تتحد الإمبراطورية الفارسية والرومانية في آن واحد على المسلمين ويطوقوا حدود جزيرة العرب ويقضوا على المسلمين جملة واحدة، لكن ضعف الرؤية حال دون ذلك بأن الدولة الإسلامية الجديدة لن تشكل خطرًا على النفوذ الفارسي والروماني، لدرجة دفعهم لرأب الصدع بينهم وتجنيب الخلافات والتنازع وتوحيد جيوشهم وتجييشها ضد حفنة من الحفاة العُراة رُعاة الشاة.

كل الذي سبق ذكره كان سبب اختياري لهذه الفترات أنها من أكثر اللحظات الحرِجة في التاريخ الإسلامي، أقسم أنها كانت تتراءى أمامي أثناء القراءة لدرجة حبس الأنفاس، برغم علمي إلى ما آلت إليه هذه الأحداث ولكن تَخيُل الأحداث في ذلك الوقت وأنه في غمضة عين فقط كان من الممكن أن يُهدم كل شيء ولكن يأبى الله إلا أن يُتِم نوره ولو كره الكافرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد