تعيش تونس تحولات محورية كبيرة تشغل الأوساط السياسية هاته الأيام نتيجة عودة الحديث عن مبادرة الرئاسة التونسية حول مشروع قانون المصالحة، والتي تشغل الرأي العام في البلاد منذ طرحها في يوليو 2015.

تغيير شهده محتوى الخطاب السياسي وقابلته حركية وتفاعل ميداني لجزء من الأحزاب وجملة المعنيين والمتدخلين بالموضوع، فيما اكتفت أحزاب أخرى بالتجاهل أو بردود فعل دبلوماسية مقتضبة.

فما هو شكل المصالحة التي يقدمها مشروع هذا القانون؟

كيف تعاملت مختلف الأطراف السياسية مع عودة شبح هذا القانون للظهور رغم خروج التونسيين للشارع في مرتين مطالبين بإسقاطه؟

المصالحة أو المصالح(ـة)؟

اعتبرت مبادرة الرئاسة أنها ترمي من خلال «مشروع القانون المتعلق بإجراءات خاصة بالمصالحة في المجال الاقتصادي والمالي إلى تدعيم العدالة الانتقالية في مجال الانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام والعمل على إنجاح مسارها، وذلك أخذًا بعين الاعتبار خصوصية تلك الانتهاكات من ناحية، والتداعيات السلبية لطول آجال معالجتها على مناخ الاستثمار وثقة المواطن في مؤسسات الدولة من ناحية أخرى، من خلال وضع نظام فعال لمعالجة هذه الانتهاكات يفضي إلى غلق الملفات المتعلقة بها نهائيًا وطيّ صفحة الماضي تحقيقًا للمصالحة باعتبارها الغاية السامية للعدالة الانتقالية».

وأثارت العبارات والجُمل التي تضمنتها فصول القانون الذي تقدمت به الرئاسة نقاط استفهام حول كونها صكوكًا بيضاء للمفسدين.

حيث ورد في الفصل 2: «ويهدف إلى إقرار تدابير خاصة بالانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام تفضي إلى غلق الملفات نهائيًا وطيّ صفحة الماضي».

وكان الفصل السابع محل جدل قانوني كبير وورد فيه:

الفصل 7: يتم العفو عن مخالفات الصرف المرتكبة قبل تاريخ دخول هذا القانون حيّز التنفيذ والآتي ذكرها:

أ_ عدم التصريح بالمكاسب بالخارج.

ب_ عدم إعادة مداخيل ومحاصيل المكاسب المشار إليها بالفقرة «أ» أعلاه والمكاسب من العملات، إلى البلاد التونسية وعدم إحالتها كلما اقتضت التراتيب تلك الإحالة.

ج_ مسك عملات في شكل أوراق نقدية أجنبية بالبلاد التونسية وعدم إيداعها لدى وسيط مقبول وعدم إحالة هذه العملات كلما اقتضت التراتيب تلك الإحالة.

كما يتم العفو عن المخالفات الجبائية المتعلقة بعدم التصريح بالمداخيل والأرباح المتعلقة بالمكاسب والعملات المشار إليها بالفقرات «أ» و«ب» و«ج» أعلاه، من العقوبات المنصوص عليها بالتشريع الجبائي الجاري به العمل.

ردود فعل أم مواقف منتظرة

ترى هيئة الحقيقة والكرامة، وهي هيئة حكومية مستقلة تشرف على مسار العدالة الإنتقالية وتترأسها سهام بن سدرين، عدة نقائص في مشروع هذا القانون. إذ تغيب جملة المقومات الضرورية التي يمكن أن تفضي إلى المصالحة وهي كشف الحقيقة وتحقيق العدالة «وجبر الضرر وتوفير ضمانات عدم التكرار». إذ تعتبر إضافة لعدم ملائمته للأحكام الدستورية فإنّ التوجه لمسار مماثل لن يمكّن من إصلاح مؤسسات الدولة بل إنه يقدّم هدية للإفلات من العقاب لشخصيات استغلّت مناصبها لسنوات في أفعال اعتمدت على الفساد المالي.

في حين تنظُر أحزاب المعارضة كالتيار الديمقراطي والجبهة الشعبية إلى هذه المبادرة باعتبارها عملية تبييض للجرائم الاقتصادية والجبائية التي ارتكبت ببرودة دم وبتهوّر تحت غطاء سياسي من نظام بن علي.

حيث وصفت النائبة عن التيار الديمقراطي سامية حمُّودة عَبُّو هذا القانون بالكارثة والتهديد الكلي لإمكانية بناء دولة القانون في تونس. واعتبرت أن التصدّي لمشروع هذا القانون يجب أن يكون بكل الوسائل الاحتجاجية السلمية وصولًا للعصيان المدني.

وأتمّت عَبُّو بأنّ الحزب سيجوب جهات البلاد لمزيد التوعية بضرورة الوقوف ضد هذه المحاولة.

ويضيف النائب نعمان العش عن ‫التيار الديمقراطي بأن الفصل 7 من ‫‏مشروع قانون المصالحة‬ لا يحترم الدستور بل وأنّ القانون برمّته يتعارض مع دستور البلاد.

وصرّح النائب عن الجبهة الشعبية زياد لخضر أن الجبهة تعتبر قانون المصالحة في شكله الحالي مقترحًا هزيلًا ومرفوضًا وأنه بحاجة لجملة من التعديلات قبل إعادة طرحه.

أما الاتحاد العام التونسي للشغل فقد سبق أن أكّد في بيان عن هيئته الإدارية الوطنية على أنه يحمل مفهومًا واضحًا ومحدّدًا للمصالحة الوطنية يقوم على احترام الدستور والعدالة الانتقالية. ودعى إلى التخلي عن مشروع القانون بصيغته الحالية.

كما كانت المبادرة الرئاسية للمصالحة حاضرة مؤخرًا، باعتبارها عنوانًا رئيسيًّا مع سائر مظاهر المبالغة في الترحيب، عند زيارة الباجي قائد السبسي لمدينة المنستير في ذكرى وفاة الحبيب بورقيبة الرئيس الأول للبلاد.

وتكتنف حالة من الريبة والشكوك هذا الإصرار المتكرر لمدة سنتين من رئاسة الجمهورية على إحياء مقترحها من الموت بشكل يضعنا مباشرة في منطق اتهامات بالانحياز لمنظومة الفساد السابقة ومصالحها وتصل إلى شبهات حول وعود مالية ترصدها الشخصيات المستفيدة من تمرير هذا القانون لمن سيساندها.

ويمكن أن يدعم بقوة هاته الشبهات دخول أحزاب من المعارضة لنادي الداعين للتسريع بتمرير مشروع قانون المصالحة وعلى رأسها حزب مشروع تونس بقيادة محسن مرزوق الذي نظم ندوة في 18 مارس (آذار ) 2017 بقصر المؤتمرات بالعاصمة تونس تناولت المصالحة الوطنية الشاملة وأيضا إصدار كتلة الحرة التابعة للحزب مبادرة تشريعية خاصة بها في علاقة بالموضوع.

وتواصل حركة النهضة تحاشيها التصريحات وتعاملها المتهرب من الاتفاق على موقف رسمي للحركة حول قانون المصالحة، فهو من جهة قانون لم تقترحه ووُضِع أمامها بإكراه، ومن جهة أخرى فهو لا يعنيها بالقدر الذي كان يمثله قانون التعويض للمساجين السياسيين الذي كان تسبب في إنهاك ميزانية الدولة وترك تأثيرات اقتصادية كبيرة.

حيث تقول النائبة عن الحركة ‫سناء المرسني أن الصلح في العدالة الانتقالية أمر بديهي، ولكن لا بد من المحاسبة.

في المقابل تعتبر زميلتها لطيفة الحباشي نائبة رئيس لجنة التشريع العام أن ما يعنيها بدرجة أولى هو تسريع إجراءات المصالحة، ‫ وليس نجاح هيئة الحقيقة والكرامة

خبز.. لا ورود ذابلة

مع حالة الاستياء التي أصبحت تتملك جزءًا هامًا من المواطنين التونسيين نتيجة سياسات التبذير وثقافة الصورة واللغة الخشبية التي تنتهجها حكومة يوسف الشاهد وأيضًا مع تواصل ماسمي بـ«التوافق» بين حزبي نداء تونس والنهضة، يمكن أن نصنّف الوضعية الحالية للبلاد باعتبارها مناخًا من التأهّب الحذِر والتنافس بين الأحزاب السياسية حول خلق الظروف المناسبة لحشد الدعم والمساندة لمختلف المواقف.

فهل سيتم اللجوء للشارع من طرف المساندين لقانون المصالحة كما فعل نظرائهم في الضفة الأخرى لإسقاطه؟

هل يلتقي حافظ السبسي مع محسن مرزوق ورضا بالحاج حول المشترك الوحيد الذي بقي من الوعود الانتخابية لحزب نداء تونس أي المصالحة؟

هل ستحمل الأيام القادمة مقترحات صيغة جديدة مشتركة جديدة لقانون المصالحة تحترم الدستور ولا تستفز مواطنيه؟

أم ستكون هناك أحداث أخرى وتقلبات أخرى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد