مدخل تمهيدي

لا أتعامل مع قوات الاحتلال الفرنسي إلا كونهم مجموعة إرهابيين أوروبيين اجتاحوا أرض المُلثمين فأذاقهم أبطال المقاومة الموريتانية العذاب والألم، ثم قاموا بطيِّ صفحاتهم في سجل التاريخ الموريتاني.

كما أن ذكرى اليوم الوطني الموريتاني في حقيقتها ما هي إلا إحياء للمعارك وتاريخ الشهداء، لذا يجب أن نضع هذا اليوم المجيد في سياق «القوة والانتصار» وليس في سياق الضعف «والاستقلال».

مرت موريتانيا بمراحل صعبة في فترة الاحتلال الفرنسي، وبعزيمة المقاومة ونضالاتهم خرج الأعداء من التراب الموريتاني يائسين بعد أن عرفوا قيمة ذلك الشعب ودرسوا طباعه فهموا بأنه شعب لا يمكن استعماره ثقافيًّا، ولا يخضع عسكريًّا، ليتحطم الحلم الإمبريالي الفرنسي على أيدي رجال شنقيط الثائرين.

انتهت مقاومة الاحتلال الفرنسي، لتواجه موريتانيا مصيرها السياسي القادم، كانت مرحلة التأسيس مع الرئيس الراحل المختار ولد داداه، وما بعده من الانقلابات والنزاعات على السلطة في رأينا هو المشكلة الكبرى التي يدفع ثمنها الشعب الموريتاني حتى هذه اللحظة.

الاحتلال الفرنسي لموريتانيا

لقد فرغتُ الآن من قراءة مقتطفات من التاريخ السياسي الموريتاني، ولاحظتُ بأن هناك سببا رئيسيا أنتج أعظم مشكلة لموريتانيا، مما دفعها إلى التأخر في العصر الحديث كما أن المشاريع التنموية لم تُطرح في الماضي بشكل كاف، لتُحدِث الاصلاحات الاجتماعية اللازمة، التي تستدعي التطوّرات الصناعية والتقدّم السياسي؛ والأسباب تعود إلى: الاحتلال الفرنسي، وعملاء الاحتلال، والانقلابات المتتالية في ظل الحكم العسكري، المانع لتطبيق الديمقراطية.

توافدت القِوى الاستعمارية الأوروبية على أفريقيا في القرون الماضية؛ وكانت هناك أطماع، توسعية أوروبية في موريتانيا قبل القرن الماضي؛ بينما في القرن العشرين بدأت فرنسا تسعى، لتطبيق سياستها الاستعمارية على الأراضي الموريتانية، بقيادة الفرنسي «كزافيه كبولاني» الذي عرض برنامجه الإمبريالي على وزارة المستعمرات الفرنسية، واقترح حماية فرنسا لموريتانيا، بهدف تأمين المستعمرات في أفريقيا الشمالية والغربية، ويتضح من السياق التاريخي بأن الاحتلال الفرنسي لموريتانيا بدأ من: (1903م) وانتهى في: (1960م).

انقسم الموريتانيون على إثر الاستعمار إلى تيارين: التيار الوطني الثائر على الفرنسيين، والتيار الداعم للوجود الفرنسي في موريتانيا؛ مبررين ذلك بغياب مفهوم الدولة المركزية ومعتقدين بأن حكومة الاحتلال ستقدم للموريتانيين مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، يأتي معه الاستقرار لموريتانيا.

بينما رفض رجال المقاومة الموريتانية هذا الطرح واتخذوا موقفا عِدائيًا ضد الجيش الفرنسي، وانتهجوا سياسة الدّفاع عن أرضهم وشعبهم بكل ما أوتوا من قوة وعتاد، فأعلنوا الثورة على الفرنسيين والحرب على بعض القبائل الموريتانية المساندين لهم والمؤيدين لتواجدهم.

الانقلابات العسكرية في موريتانيا

بعد الحرب العالمية الثانية تغيّرت السياسة الدولية في ما يخص المستعمرات، وأصبح التواجد العسكري في دولة أخرى يتناقض كليا مع الرؤية الفلسفية للسياسة الدولية الجديدة، كما أن الخسائر المادية والبشرية التي حلت بالفرنسيين في مواجهتهم مع الجيش الألماني النازي في الحرب العالمية الثانية فرضت عليهم التنازل كليا عن مستعمراتهم في أفريقيا، تماشيا مع السياسة الدولية الحديثة؛ لذا قرروا أن تستقل الدول القابعة تحت حكمهم العسكري، كما أن هيمنة الاتحاد السوفيتي جعلت الاحتلال مرفوضًا دوليًّا.

فكان استقلال الجمهورية الإسلامية الموريتانية في 28 نوفمبر 1960م وكان أول رئيس مدني لموريتانيا هو الرئيس  (المختار ولد داداه) وفي حكومته تأسست الدولة الموريتانية، وأصبح هناك مفهوم لمعنى الدولة الحديثة، وتم الاعتراف بموريتانيا دوليا وإقليميا أثناء رئاسته.

استمر (المختار ولد داداه) في الرئاسة 18 عامًا، وبسبب ملف الصحراء الغربية انقلب عليه المقدم المصطفى ولد السالك في عام 1978م ويعتبر هذا أول انقلاب في تاريخ الجمهورية الإسلامية الموريتانية، إلا أن المصطفى ولد السالك لم يستمر في الحكم أكثر من عام ليتم الانقلاب عليه في عام 1979م بقيادة المقدم أحمد بوسيف، ثم تولى الحكم المقدم محمــد ولد أحمد الولي: في 3 يونيو 1979م.

وبعد عام على رئاسة محمــد محمود ولد أحمد الولي، انقلب عليه محمــد خونا ولد هيدالة عام 1980م واستمر في الحكم لأربع سنوات، وقد تعرض لمحاولة انقلاب فاشلة في عام 1981م بقيادة المقدم محمد ولد عبد القادر.

تتابعت الانقلابات العسكرية بهذا النهج، ليأتي انقلاب آخر على نظام ولد الهيدالة بقيادة العقيد معاوية ولد سيدي أحمد الطايع بعام 1984م وضمن لنظامه فترة في الحكم استمرت 20 عاما.

وقد حاول صالح ولد حننا قيادة انقلاب في عام 2003م ولكنه فشل؛ ثم أتي أعلي ولد محمد فال وقام بانقلاب ضد نظام معاوية في عام 2005م

وترأس أعلي ولد محمد فال الفترة الانتقالية ثم سلم السلطة للرئيس المنتخب سيدي محمـد الشيخ عبد الله في أبريل 2007م، الذي انقلب عليه قائد أركان الحرس الرئاسي سابقا: محمد ولد عبد العزيز، وقائد أركان الجيش السابق: محمد ولد الغزواني في عام: 2008م.

شكل الدولة والنظام في موريتانيا

يصعب تطبيق الديمقراطية في موريتانيا؛ وفي ظل المؤسسة العسكرية تتراجع الديمقراطية نفسها لتكون صورة معلقة على رأس الشعب وفيها الاستبداد في أقبح صوره، والظلم في أبأس حالاته، وقد تتحول السلطة في الجمهورية من حكومة ديمقراطية تستمد صلاحيتها من الشعب، إلى حكومة عسكرية استبدادية تفرض وجودها على الشعب؛ ويتوارث العسكر رئاسة الدولة، دون تقديم أي خدمة للشعب أو حتى الارتقاء بالوطن!

عندما انتقلت الديمقراطية إلى موريتانيا بعد إنتهاء فترة الاحتلال الفرنسي؛ فإننا نفهم الانتقال على أن المستعمر قد انتهى من مشروعه الاستعماري وسحب قوّاته من الأراضي المحتلة بينما ترك خلفه عملاءه الذين انتقل بواسطتهم من الاحتلال المادي لثروات الشعب إلى احتلال أوسع وهو: خلق الفوضى السياسية داخل مؤسسات الدولة!

فكأن المستعمر قد نهب الأرض والثروات الطبيعية قديما وزرع الفوضى فنتج من ذلك: تكريس الظلم والطبقية، واختلاس المال العام بواسطة العسكر أنفسهم، مع تصدير الديمقراطية للشعب ووضعها في سياق غير السياق الذي جاءت منه؛ ليولد من ذلك كله هذه «المؤسسة العسكرية» التي أكتبُ عن فساد نظامها الآن!

فما هي إنجازات العسكر في 60 عامًا الماضية من تاريخ الجمهورية الموريتانية؟

لقد مضى 60 عاما على استقلال موريتانيا ولم يشهد البلد أي نهضة حضارية؛ ولكي تتقدم الدولة وتلتحق بالركب الحضاري، علينا التخلص من النظام الذي تفشى في مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية؛ فقد استحدثت المؤسسة فلسفة جديدة، ونظاما هشّا تعقدت فيه السياسة مما أضعف الاقتصاد، لتتحول هشاشة السياسة وضعف الاقتصاد إلى هشاشة في البنية الاجتماعية وضعف في تركيبة المجتمع؛ فنشأ مجتمع طبقي بنظام سلطوي عسكري.

والمبادئ التي ينطلق منها أفراد المؤسسة العسكرية في موريتانيا هي مجرد مبادئ مزدوجة مركبة من عدة مفاهيم سياسية؛ ومنها تستمد المؤسسة طبيعتها، فكون الحكومة جمهورية لا يعني ذلك قيامها على المبادئ الديمقراطية أو حتى إلتزامها أخلاقيا بتطبيق المبادئ الأساسية للديمقراطية: كالحرية والمساواة، والعدل، واحترام المواطن، فرجال المؤسسة العسكرية يسعون دائما إلى الاستمرار في السلطة ولا يرغبون في التنحي سلميا عن الرئاسة.

إذ صورة الدولة في عقيدة المؤسسة العسكرية لا تتخطى كونها سوق دولي مفتوح لعقد الصفقات التجارية المشبوهة مع الشركات الرأسمالية العابرة للقارات بحكم النفوذ السياسي، مما يفرض نظاما اقتصاديا شرسا داخل موريتانيا لا تتكافئ فيه الفرص بين المواطنين بحكم الطبقة المهيمنة وهي العسكرية وبحكم الطبقة البرجوازية المتحالفة معها فإنهما يسيطران على السوق ويتحكمان في قواه الداخلية ويصنعان نفوذهما المستمد من السلطة العسكرية مع إقصاء بقية المواطنين.

والانقلابات المتكررة في تاريخ هذه المؤسسة هي بسبب التنافسات القائمة بين أفراد المؤسسة العسكرية وصراعهم على السلطة، وكل ذلك من أجل النفوذ وتحقيق المصلحة الشخصية لا من أجل الإصلاح أو تحسين أوضاع البلد مطلقا فمصلحتهم فوق كل اعتبار.

وأي برنامج وطني إصلاحي لن يتم النظر فيه، لأن الإصلاح يعني توقف الفساد والفساد فيه مصلحة العسكر وإذا توقف فإن ذلك يعني محاسبتهم وعرضهم على القضاء، فكأن التاريخ يعيد نفسه ويصبح البديل هو الاستمرار في صنع الفساد بدلا من الإصلاح والتنمية؛ والمواطنون الداعون إلى الإصلاح هم مبعدون عن تشكيل الحكومة المقتصرة على رجال العسكر وذويهم.

وكيف يأتي الإصلاح من داخل أفراد نفس المؤسسة التي قامت بالفساد؟ يحيلنا هذا السؤال إلى الدعاية التي ينطلق منها النظام الجديد في موريتانيا الذي يترأسه «محمد ولد الغزواني» وبرنامجه الإصلاحي الذي تم طرحه مؤخرا، فتطبيقه غير ممكن فقبل الإصلاح يجب أن يتم فصل السلطات حتى تقوم كل سلطة بوظيفتها مستقلة عن الأخرى، وبعد ذلك يكون للإصلاح معنى.

لم يتغير أي شيء في موريتانيا، فالنظام متجذرٌ بأفكاره داخل بنية مؤسسات الدولة، والانقلابات التي حصلت في الماضي نتج عنها وجوه جديدة بينما قضايا الفساد والمال العام ومشاكل التعليم والصحة والبطالة، لم يوجد لهما أي حلول؛ لأن الحلول لا يمكن أن تأتي من نفس بِنية المؤسسة العسكرية أبدا ولو كانت بلباس ديمقراطي عسكري.

وإجابتي على السؤال المطروح ستكون هي نفسها بعد 60 سنة قادمة، فمع استمرار المؤسسة العسكرية لن يكون هناك أي إنجاز من قبل أفراد المؤسسة العسكرية التي تدير الدولة بهذه السياسة، التي انقلبت وباءً على الشعب الموريتاني ودمارا على الوطن ومؤسساته، وهي سياسة قاتلة لروح الديمقراطية، ولم يكن هناك أي إنجاز خلال 60 عامًا الماضية في موريتانيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد