من هو الأرقش؟

ذات يوم ماطر لجأ ميخائيل نعيمة، رفقة صديق له، إلى مقهى عربي بنيويورك للاحتماء فيه ريثما تحقن السماء قِربها، وفيه شكا لهما صاحبه معاناته وتعبه بعد رحيل الأرقش الذي كان يحمل عنه ثقل العمل، كما حكى لهما عن شخصيته الغريبة. فالأرقش كان دائم الصمت، يخدم الزبناء ويقضي حوائج مالك المقهى بكل بتفانٍ ونكرانِ ذات، وعندما لا يكون في المقهى أحد، كان يجلس متسمرا في كرسيه غارزا عينيه في الأرض لساعات. كما أخبرهما بأنه ترك صندوقا أخذ منه ميخائيل دفتر مذكراته. وبعد ردح من الزمن نَشرها لعل القراء يجدون فيها ما وجده نعيمة من المتعة والسلوى. فهذه المذكرات هي كل ما بقي من حياة إنسان ساكت، قضى جزءا من حياته في التأمل.

لقد اعتمد الأرقش في تدوين يومياته على أيام الأسبوع دون تأريخها، وضمَّنها تأملاته الوجودية ورؤاه ومشاعره، وتناول فيها موضوعات وقضايا متنوعة كالحب والموت والحرب والوطن والهوية… بشكل يدل على أن فكر الأرقش المتميز ورؤيته المختلفة من شأنها الارتقاء بفكر من يقرأها ودَفعه لإعادة النظر في كثيرٍ من جوانب حياته.

وسنجمل تأملات الأرقش وأفكاره في ما يأتي:

– الناس عند الأرقش قسمان: متكلمون وساكتون. وهو قسم الإنسانية الساكت لأنه أدرك حلاوة السكوت فسيَّج روحه بها، ولم يدرك الناس مرارة الكلام وما فيه من ملهاة للفكر «فالكلام مزيج من الصدق والكذب، أما السكوت فصدق لا غش فيه».

– الأسماء عند الأرقش ضرورية للناس فقط من أجل إدارة تواريخهم وممتلكاتهم السخيفة، أما هو فلا يرضى بأن يُعرف باسم واحد، فالأرقش اسم أُطلق عليه، وسكت عنه، لكنه في أعماقه يؤمن بأنه يولد ولادةً جديدة كلما وُلدت في رأسه فكرة جديدة، ما يجعله في كل لحظة إنسانًا جديدًا، لأنه بما يفكر لا بما يعمل ويظهر منه.

– يؤمن الأرقش بأهمية التأمل في خلق الله لإدراك عظمته ومجده. والناس الذين يهربون من التأمل والسكوت، ليس لهم أن يدركوا الله «ولو أن البشر عرفوا الله لما قسموه إلى عبراني ومسيحي ومسلم وبوذي ووثني. ولما أهرق إنسانٌ دم إنسان، ولا أبغض إنسان إنسانًا من أجل الله. وما انقسم البشر مللًا ونحلًا إلا لأنهم حاولوا المستحيل فحددوا الله الذي لا حد له بلغاتهم المحدودة، وقاسوا ما لا يقاس بمقاییس بشرية أرضية. وسيبقون كذلك إلى أن يدركوا قوة الفكر ، وإلى أن يسكتوا متأملين ومتفاهمين بالأفكار لا بالألسنة».

– يحمل الأرقش في دواخله سؤال الهوية الذاتية «من أنا؟» لكنه لا يبحث كثيرًا عن أجوبة، فهو يجيب في السطر الذي يليه بشكل مباشرة: «أنا إنسان» لا أقل ولا أكثر، فالأرقش يستمد هويته من كونه إنسانا.

– لا يعرف الأرقش لنفسه أمًّا ولا أبًا، لكن الأرقش أرقش، بأم أو بلا أم، بأب أو بلا أب. والناس يعظمون أمهاتهم ويمجدونها، لكن قلب الأرقش، كلما تذكر أن لا أب له ولا أم، يظل ساكنا لا ينقبض ولا يتحرك.

– الناس يقدسون المكان الذي يولدون فيه ويدعونه وطنًا، وينقسم عندهم العالم إلى وطنهم وبقية العالم، أما الأرقش فلا وطن له، ولو كان عنده وطنٌ لتبرأ منه، لأنه ابن العالم الأوسع، والوطن ليس أكثر من عادة ألفها الناس وتناحروا من أجلها.

– عاصر الأرقش الحرب العالمية الأولى، لذلك فالسبب الذي يجعل الناس يقتتلون ويموتون أشنع الميتات، بالنسبة له، هو أنهم لا يحافظوا على الأرض التي ورثوها مشتركة، واقتسموها ولا يزالون على خلاف حول القسمة.

– الأرقش يكره الحرب، لكونها تحول الإنسان عن عدو في نفسه إلى عدو خارج عنه، فأكبر عدو للإنسان هو نفسه. ولأنها تمجد من يقهر أخاه الإنسان وتدعوه بطلًا.

– يستغرب الأرقش لادعاء الناس بأنهم يختصمون على الحق، وبالنسبة له، الحق ينفر من كل خصام، والناس لم يختصموا يومًا من الأيام إلا على الباطل.

– عندما تحل مصيبة بالإنسان، فنادرًا ما يلوم نفسه لا غير، فهو يلوم إما الله أو الظروف أو الناس.. وقد يلومهم جميعًا. وهناك من يضع أساسًا جديدًا للتاريخ، فيقسمه إلى قسمين: ما جرى قبل المصيبة وما جرى بعدها. وما المصيبة عند الأرقش إلا الجهل.

– «لا حياة للموت إلا بالحياة»، ولا حياة للحياة إلا بالموت، لولاه لما كانت.

– الزواج حسب الأرقش مقبرة الحب. فالحب يسمو بالمحب إلى الأعلى أما الزواج فيشد به إلى الأسفل.«كيف يرضى الحب، وهو شعلة من نار، أن يصبح بالزواج كومة من رماد؟»

– «ليس العبد من يباع ويشترى في سوق النخاسة، وإنما العبد من في قلبه سوق النخاسة».

– الناس عند الأرقش أربعة أنواع:

الأول إنسان جُلُّه بهيمة وبعضه إنسان: وهو من لا يسعى إلى الكمال.

والثاني إنسان نصفه بهيمة ونصفه إنسان: هو من يحلم بالكمال ولا يسعى إليه.

والثالث وإنسان جُلّه إنسان وبعضه بهيمة: هو من يحلم ويفكر ويؤمن ويشتاق ويسعى بكل واسطة لديه.

أما الرابع فإنسان كله إنسان: وهو من وصل إلى ما وراء الحلم والفكر والإيمان والشوق والسعي فلا يغريه تصفيق ولا يؤذيه تصفير.

– كما يكون الإنسان تكون الطبيعة، فمن صفت أفكاره وجملت حياته رأى الطبيعة جميلة وصافية، وأما من قبحت حياته فيرى الطبيعة قبيحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد