أغلقت الجزائر حدودها مع الجار المغربي أغسطس (آب) الماضي، وهذا الإغلاق له تاريخ طويل من الصراع بين البلدين على منطقة الصحراء ولأنهما جاران مشتركان مع بعض في الكثير من الأشياء كالسكان والديانة والموقع، فهما الاثنان يقعان في الشمال الغربي للقارة الأفريقية، والأداء الاقتصادي أيضًا، ليس بينهم اختلاف كبير، واللغة الفرنسية حاضرة بقوة في البلدين، فكان لا بد من إلقاء نظرة تاريخية على الأوضاع بين البلدين، وكيف بدأ هذا الخلاف ومن الذي وضع بذرته.

بداية المعركة

كالعادة جذور الشر في العالم العربي ترجع إلى فترة الاستعمار؛ ففي عام 1830 احتلت فرنسا الجزائر، والتي كانت وقتها جزءًا من الدولة العثمانية، وبما أن الجزائر والمغرب جاران بينهما حدود مشتركة فطمع المستعمر الفرنسي لم ينته عند الجزائر وقام بعدها بالتحرش بالمغرب سياسيًّا والتدخل في شئون الجار المغربي، ولكن المملكة المغربية رفضت ذلك التحرش فقام المستعمر بالتدخل عسكريًّا داخل المغرب بداية من معركة إسلي عام 1844، والذي انتصرت فيها فرنسا واحتلت المغرب بالكامل عام 1912 وقبل استعمار المغرب بالكامل فرضت فرنسا سيطرتها على منطقتين حدوديتين بالمغرب، وهما تندوف وبشار، ونقلت تبعية هذة المناطق للجزائر الفرنسية عام 1905 لأن الجزائر وقتها كانت تعدها فرنسا ولاية فرنسية لأن الجزائر أتمت 120 عامًا تحت الاحتلال وكأي استعمار إجرامي كانت فرنسا وقتها حريصة على عدم ترسيم الحدود بين الجزائر والمغرب، ولكن هذه المناطق قبل الاستعمار كانت تبعيتها للسلطان المغربي لأنه لم تكن هناك حدود بين العرب وبعضهم.

مساومة فرنسية على بشار وتندوف

اكتشفت فرنسا عام 1950 ثروات معدنية مهولة بتندوف وبشار ومناطق أخرى حدودية بين الجارين. ولذلك صنعت فرنسا هذه المشكلة بعد رفض المغرب عرضها والذي ينص على إدارة مشتركة لتندوف وبشار مقابل الاستثمار الفرنسي بهذه الأراضي كأي مستعمر لص يساوم البلاد على ثرواتهم مقابل الأرض، رفضت المغرب العرض الفرنسي لأنه أصبح في حكم اليقين استقلال الجزائر بسبب نهوض حركة التحرر الجزائرية فكانت هذه الحركة تزداد نشاطًا يومًا بعد يوم، فليس له معنى بأن نساوم على أرضنا مع المستعمر الذي سيرحل بعد قريب لأنه بإمكاننا أن نأخذها من الجار بدون مساومة لأننا نساعده ونقف معه ولذلك اتفق المغرب والجزائر على المساندة وحل المشكل الحدودي بعد الاستقلال.

استقلال جزائري واندلاع حرب مع الجار المغربي

استقلت الجزائر عام 1962 بعد 132 عام من الاحتلال الفرنسي لكن ما حدث بعد ذلك كان غريبًا؛ فقد صرحت الجزائر وقالت بأن هذه الأراضي ورثتها من الاستعمار، وأنها لن تتنازل عن أرض ضحت فيها بدماء شهدائها، نتيجة لهذا التصريح الذي ولد مناخًا من التوتر وحالة عدم الثقة بين الطرفين.

عام 1963 بعد الاستقلال الجزائري بشهور قتل 10 جنود مغاربة برصاص جزائري؛ فاندلعت حرب الرمال المشهورة بين الجارين، وانتهت عام 1964 باتفاق بين الطرفين تحت رعاية منظمة الوحدة الأفريقية بمالي، لكن مع نهاية الحرب اتخذ المغرب والجزائر طريقين منفصلين تمامًا، والذي كان من أسباب عدم التلاقي بين البلدين فالمغرب بلد محافظ ملكي يتجه نحو المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أما الجزائر فبلد تحرري ثوري قريب من المعسكر الشرقي بزعامة روسيا، وكانت تتلقي وقتها دعمًا مسلحًا من كوبا، ولذلك قطع المغرب وقتها العلاقات مع كوبا، وهذا كله يعني أن الخلاف الحدودي يتعمق أكثر لخلافات أيديولوجية وسياسية، لم تنته الخلافات إلى ذلك الحد، فكانا مع خلاف جديد عام 1975، ففي هذا العام انسحبت إسبانيا من الصحراء وجاء هذا الانسحاب بعد صراعات سياسية وقبائلية ومليشيات صحراوية، وطلبت الأمم المتحدة عام 1968 من المعسكر الإسباني الانسحاب من الأراضي المغربية بعد دور سياسي كبير قامت به المملكة المغربية، وقام المغرب وقتها بحركة ذكية عندما دعا الملك الحسن الثاني المغاربة بالزحف للأراضي الصحراوية التي تقع تحت الاحتلال الإسباني، وبالفعل سيطر المغاربة علي جزء كبير من الأراضي الصحراوية.

المنطقة محل النزاع

الصحراء الغربية عبارة عن منطقة كبيرة تطل علي المحيط الاطلسي مساحتها 266 ألف كم2، ولها حدود مع الجزائر وموريتانيا، انسحبت إسبانيا منها عام 1975 لصالح المغرب، لكن ظهرت مليشيات صحراوية في ذلك الوقت دعت إلى الاستقلال، وهي جبهة البوليساريو، رأت الجزائر بأنها لو دعمت هذه الحركة وساعدتها في الحصول على الانفصال، ستعطي لها ميزة إستراتيجية كبري وهي الإطلال على المحيط الأطلسي، وفي عام 1976 أعلنت تأسيس الجمهورية العربية الصحراوية ومقر حكومتها في الجزائر وبسبب الصراعات المسلحة بين المغرب والبوليساريو نزح آلاف من سكان الصحراء واستقروا بتندوف، المنطقة التي كانت سببًا لتوتر العلاقات بين المغرب والجزائر واستمرت الصراعات المسلحة بين المغرب والبوليساريو بدعم من الجزائر حتى عام 1991 بعدها أصدرت منظمة الأمم المتحدة قرارًا ينص على عمل استفتاء لتحديد المصير، وافقت المملكة المغربية، ولكن تعطل الاستفتاء على من له الحق في التصويت، اقترحت بعدها منظمة الأمم المتحدة بعمل حكم ذاتي للصحراء، ولكن تحت رعاية المملكة المغربية التي تسيطر على 80% من الأراضي الصحراوية ورفضت جبهة البوليساريو الاقتراح بدعم من الجزائر، كان من الواضح في هذه الفتره سعيها لوقف جميع الحروب للعمل على تنمية ونهضة المملكة، وفي عام 1994 أغلقت الجزائر حدودها مع المغرب ولم تفتحها بعدها إلا بشكل نادر.

سباق تسليح يدمر اقتصاد البلدين

خلافات مريرة بين المملكة المغربية والجزائر خرجا من احتلال فرنسي وناضلا بأرواحهما لحصول أبنائهما علة الاستقلال وكانت النتيجة بعد حصولهما على الاستقلال هو الخلاف، وليس التعاون والتكامل الذي لو حدث لكان المغرب والجزائر أقوى دولتين على الصعيد الأفريقي بسبب تعدد ثرواتهما ومواردهما وغير ذلك، فقد دخلت الدولتان في سباق تسليح خرافي يستهلك جزءًا كبيرًا من ميزانية كل دولة، والمشكل في هذا السباق هو حرمان الشعبين والبلدين من إنفاق هذا المال على تحسين حياة المواطنين، لأن التطوير في السلاح يقابله تدمير ذاتي داخلي، خصوصًا إذا كان البلدان لا يصنعان السلاح، وتبين هذا بشكل واضح في أزمة كورونا التي هزت العالم بأكمله.

المغرب في الفترة الأخيرة قدم الكثير من المبادرات للحوار ولإيجاد حل حقيقي لهذه المشكلة، ولكن دائمًا ما يكون الرد الجزائري بالرفض والتعنت. مع أن ذلك يؤدي إلى خسارة كبيرة للمواطن، وتبين لنا بأن الجزائر كانت تنظر إلى هذه المبادرات بأنها ضعف مغربي، وليس محاولة لايجاد حل سلمي وسياسي، بعد ضمان الولايات المتحدة الأمريكية سيطرة المغرب على الأراضي الصحراوية بأكملها ووضع سفارة أمريكية بمنطقة الداخلة لتوقيعها على اتفاقية التطبيع المثيرة للجدل. لم تصدر الحكومة الجزائرية أي تصريح أو بيان رسمي كل تصريحاتها كانت من الإعلام الداخلي والغريب في الأمر أن المغرب عنده حتى الآن استعداد للجلوس إلى طاولة المفاوضات لحل هذا المشكل، ولكن في المقابل أغلقت الجزائر حدودها مع المغرب في أغسطس الماضي وهو ما لا نفهمه إلى الآن مع أن المتضرر الحقيقي هي الشعوب والمواطنون. محاولة كسب الجار هو مكسب للدولة والبداية كانت بذرة شر وضعها المستعمر الفرنسي الذي قتل من الجزائريين فوق المليون شهيد، وأخذ جماجم قاداتهم ليضعها في المتحف الفرنسي. ماضٍ وضعه مستعمر صنع به حاضرًا مؤسفًا.

استثمار الثروات المعدنية والبترول والغاز الموجود في هذه الأراضي سيعود على الشعب المغربي والجزائري بالخير والازدهار لذلك نتمنى أن يتعاون الجاران لأن ثمار التعاون هي النهضة والتطور والنمو وهذا ما نتمناه لشعوبنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد