في هذا الجزء من سلسلة اللحظات الفارقة التي صنعت المشهد الأفغاني الحالي نستعرض خروج ملا برذر الذي سمع به المتابعون للشأن الأفغاني أكثر بعد توقيع الاتفاقية بين طالبان وواشنطن والمكالمة الهاتفية لنصف ساعة بين ملا برذر وترامب، ولكن أهم فصول حكاية الملا برذر بدأت عام 2010 عندما قبضت عليه باكستان في مدينة كراتشي في عملية وصفت آنذاك بأنها عملية أمنية مشتركة مع الاستخبارات المركزية الأمريكية، قبل أن تفرج عنه باكستان في عام 2018 ليسافر مباشرة إلى الدوحة ويقود المفاوضات باسم طالبان مع الجانب الأمريكي من خلال مكتب طالبان الجديد في قطر.

ولكن المتتبع لأخبار طالبان له أن يتساءل لماذا لم تسلم باكستان ملا برذر للولايات المتحدة كما فعلت بعدد من المطلوبين لصالحها تم اعتقالهم على الأراضي الباكستانية؟ والإجابة الواضحة لهذا السؤال هي أن الولايات المتحدة في ذلك الوقت لم تكن معنية بقتل أو بالاحتفاظ بملا برذر في سجونها، بل كانت مهتمة أكثر بدور له في التوصل إلى تفاهمات مع حركة طالبان وتوظيفه بالشراكة مع باكستان كورقة ضغط على طالبان.

والجدير بالذكر بأن ملا برذر اعتقل في كراتشي قلب باكستان الاقتصادي وأكثر المدن الباكستانية اكتظاظًا والتي لطالما ادعت وسائل إعلام أمريكية وهندية بأنها ممر أحيانًا ومقر أحيانًا أخرى لقادة طالبان وغيرها من التنظميات المسلحة، ولكن الرواية الباكستانية الرسمية حول اعتقال ملا برذر قالت إن عملية اعتقاله نفذتها القوات الباكستانية وحدها، ولكن بعد معلومات استخباراتية شاركتها الاستخبارات الأمريكية، وهو الاعتقال الذي وصفه البيت الأبيض حينها بأنه «نجاح كبير للتعاون بين البلدين»، بينما الرواية غير الرسمية في إسلام أباد كانت أن الأمريكان بعد أن تأكدوا من وجود برذر في كراتشي خيروا باكستان بين اعتقاله وتسهيل التواصل معه لصالح الأمريكان والحكومة الأفغانية التي كان على رأسها حامد كرزاي الراغب في فتح قنوات الحوار مع طالبان وبين أن تنفذ الولايات المتحدة عملية استخباراية من جانبها لاعتقاله داخل باكستان، وهو ما كان سيحرج باكستان كثيرًا خاصة وأن عام 2010 كان أحد اكثر أعوام توظيف الولايات المتحدة للغارات باستخدام الطائرات المسيرة داخل الأراضي الباكستانية ضد ما كانت تصفها واشنطن بالملاذات الآمنة للمسلحين الخطيرين داخل باكستان، وهو ما دفع باكستان لاعتقاله وفق الشروط الأمريكية.

من الاعتقال إلى الإفراج عن ملا برذر

ومنذ اعتقاله عام 2010 حتى الإفراج عنه عام 2018 بمباركة أمريكية تغيرت الكثير من المعطيات في الداخل الباكستاني من جهة، وفي الوضع الأفغاني من جهة ثانية، وفي السياسية الأمريكية تجاه أفغانستان من جهة ثالثة، بعد وصول ترام إلى السلطة عام 2016 وإعلانه رغبته إنهاء جميع الحروب الأمريكية الخارجية وإعادة الجنود الأمريكيين إلى أسرهم في أسرع وقت، ولكن الرابح الأكبر من وجود ملا برذر في السجون الباكستانية كان باكستان التي وظّفت ذلك في تجسير فجوة الثقة التي نشأت بين طالبان والأجهزة الأمنية الباكستانية بعد ما اعتبرته طالبان من خيانة الجار القريب عندما قدم الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف كل التعاون مع الولايات المتحدة من أجل إسقاط طالبان واحتلال أفغانستان بعد أحداث سبتمبر.

وبين سقوط طالبان عام 2001 واعتقال ملا برذر عام 2010 لا يمكن وصف العلاقة بين طالبان وباكستان إلا بأنها كانت تبادل مصالح سري محدود، قبل أن تصل العقول العسكرية في باكستان إلى قناعة بأن حامد كرزاي والولايات المتحدة بما قدماه للهند من تسهيلات في أفغانستان لتلعب دورًا كبيرًا في إنشاء وتدريب الأجهزة الأمنية الأفغانية وتدريب الجيش الأفغاني ضاعفت قدرة الهند العدو اللدود لباكستان على تهديدها بمحاصرتها من الحدود الشمالية إلى جانب الحدود الشرقية، وبتحسن العلاقات الهندية الإيرانية في تلك الفترة قررت باكستان إعادة النظر في سياسات مشرف الذي قدم التسهيلات للولايات المتحدة واعترف بعد تخليه عن السلطة والسماح للسياسيين التقليديين بالعودة من المنفى دون محاسبة والمشاركة في انتخابات عام 2008 بأن الأمريكان استخدموا باكستان، ولم يكن لديهم اللياقة الكافية لشكرها كما يجب أو احترام مصالحها في المنطقة.

إرث مشرف في التعامل مع أفغانستان كان يغيّم على التواصل بين باكستان وطالبان، ولكن الطرفين كانا يدركان بأنهما متراجعان بعد خصام بحكم حجم المشترك بينهما من المصالح إلى جانب المشتركات الأخرى.

ولذلك فإن الفترة بين اعتقال ملا برذر والإفراج عنه شهدت إعادة ترتيب العلاقة بين حليفين قديمين، هما طالبان وأصحاب القرار في باكستان.

هذه العلاقة هي الحلقة الأهم في كل ما جاء بعدها، فباكستان هي الرئة التي تتنفس من خلالها أفغانستان حيث إن ثلثي واردات وصادرات أفغانستان تمر عبر باكستان، ولذلك ترصد باكستان ما يتدفق إلى شرايين كل القطاعات في أفغانستان وإذا كنت تخطط لتقلد الحكم في أفغانستان وحصلت على تفاهم مع باكستان بشكل أو بآخر فقد قطعت ثلثي الطريق.

فباكستان قد لا تملك الدولارات التي أغدقتها واشنطن على المتعاونين الذين هرعوا للهروب إليها بعد الانسحاب العسكري الأمريكي، وقد لا تملك قدرة الهند على تقديم البعثات الدراسية والتدريب المجاني والآلة الإعلامية التحريضية داخل العواصم الغربية، إلا أن باكستان بخبرتها في الساحة الأفغانية تعرف جيدًّا خريطة القوى الأفغانية وما يحتاجه كل طرف في أفغانستان لخدمة مصالحه وتعرف كيف توظف ذلك لصالحها.

حتى إن متقاعدين عسكريين باكستانيين كانوا يشبهون حمق الولايات المتحدة بالتحالف مع الهند في أفغانستان ضد باكستان، كالذي يدخل إلى سوق الخراف ويتجاهل عميد تجارها ويتحالف مع تاجر خردوات حديث العهد بسوق الخراف جاء إليه طمعًا في ربح سريع فتسبب لنفسه ولمن استثمروا معه بخسائر مضاعفة.

لك أن تتخيل كيف أوصلت هذه العقلية الباكستانية وتلاقي المصالح مع طالبان الحوار بين المفاوضين على المستقبل من الجانب الباكستاني والملا برذر الذي عاش في الضيافة الباكستانية ثماني سنوات كان جاهزًا بعدها ليقود المكتب السياسي لطالبان في الدوحة.

كل هذا ما كان ليحصل بهذه السلاسة لولا اعتقال ملا برذر الذي حثت عليه الاستخبارات الأمريكية آملة أن يكون مفتاحًا لها للضغط على طالبان من أجل الانضمام للعملية السياسية التي طرحها حامد كرزاي كخطة مثالية لطي صفحة النزاع المسلح ضد طالبان والتوصل إلى اتفاق يسمح لطالبان بالدخول في العملية السياسية أسوة بقوى أفغانية أخرى أسست أحزابًا ودخلت العملية السياسية رغم استمرار عمل اجنحتها العسكرية، الا أن اعتقال ملا برذر كان مفتاحًا لباكستان لإعادة دورها في أفغانستان ومفتاحًا لطالبان لفتح قناة مباشرة مع الأمريكان من خلال قطر متحدية سلطة حكومة كابل ومتجاهلة لها، وذلك مع استمرار حرب الاستنزاف التي نجحت فيها طالبان ضد قوات الجيش الأفغاني والقوات الأمريكية.

في الحلقة القادمة من اللحظات الفارقة في أفغانستان.. مقتل بن لادن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد