سؤال عجيب، وغريب، ومستهجن، ومضحك أليس كذلك؟! ولكن حينما نتحرى الحقيقة، ونكشفها، وتظهر أمامنا مثل الشمس الساطعة في رابعة النهار، فإن هذا العجب سيزول، ويتلاشى، حينما يظهر يقينًا، أن مسلمي اليوم لا يقولون «لا إله إلا الله» حسب المراد الرباني إلا قليل منهم،ولا يفهمونها على أنها تعني؛ لا معبود بحق، في الطقوس العبادية، والتشريعات، والقوانين، وأنظمة الحكم، والأخلاق، والعادات، والمعاملات التجارية، والضمير، والوجدان، والحلال، والحرام، ولباس المرأة، والاختلاط بين الجنسين، إلا الله وحده لاشريك له، وهو الذي يجب أن يكون المتفرد، والقيوم، والقائم، والمدبر لشئون الكون والعباد معًا، لوحده فقط دون أي منازع، ولا مشارك من العباد بتاتًا.

{قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ [الأنعام: 162-163].

فهذا أمر إلهي صارم وحازم؛ بأن تكون أعمال حياة العبد كلها صغيرها وكبيرها، للفرد، وللمجتمع، وللدولة، خالصة لله تعالى، لا يشاركه فيها أي إله آخر، وبذلك يكون مسلمًا.

فالله يريد من المؤمنين التجرد الكامل له وحده، والدينونة التامة، والرضوخ الكامل له، في كل شئون الحياة، وفي وضع الدستور، والقانون للدولة، بحيث لا يكون ثمة معبود آخر سواه، فالذين لا يؤمنون بهذا، ولا يقرون به، ولا يعترفون به، لا يقولون «لا إله إلا الله»، وإنما يقولونها تفكهًا، وتسليةً، وللتنفيس عن مصاب، حينما يلمُ بهم، وأثناء الأذكار الجامدة والروتينية والباردة والخالية من التفاعل معها، وتمنيًا، ورجاءً لدخول الجنة –كما يظنون-.

إنهم يقولونها قولًا، ولكنهم يخالفونها عملًا؛ يطيعون الله في الطقوس التعبدية، ويطيعون آلهة أخرى في المعاملات اليومية، مقرين، ومعترفين لهم بصلاحية وضع القوانين، والدستور، والتشريعات من دون الله!

وحينما نبحث ونستقصي عن أصل الدعوة، التي دعا بها جميع الرسل، وخاتمهم محمد -عليهم السلام- نجد بشكل واضح، وجلي، وساطع أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقي 13 عامًا في مكة، وهو يدعو قومه قريش إلى شيء واحد، لا ثاني له، قائلًا: (قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا).

يقول «الطبري» في تاريخه:«حدثنا أسباط، عن السدي: أن أناسًا من قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب بن عبد يغوث، في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فنكلمه فيه (يعني محمد صلى الله عليه وسلم)، فلينصفنا منه، فيأمره، فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه الذي يعبد، فإننا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكون منا شيء، فتعيرنا العرب، يقولون: تركوه، حتى إذا مات عمه تناولوه.

قال: فبعثوا رجلًا منهم يُدعى المطلب، فاستأذن لهم على أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك، وسرواتهم، يستأذنون عليك، قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه، قالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا، وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمرهُ فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه.

قال: فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: يا ابن أخي، هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم، وقد سألوك النِصف، أن تكف عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك، قال: أي عم،أولًا: أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟

قال: وإلام تدعوهم؟

قال: أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة واحدة، تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم.

فقال أبو جهل من بين القوم: وما هي وأبيك؟ لنعطينكها وعشرًا معها.

قال: تقولوا: لا إله إلا الله، قال: فنفروا وتفرقوا، وقالوا: سلنا غير هذه.

فقال: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي، ما سألتكم غيرها.

قال: فغضبوا وقاموا من عنده غضَابى، وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا».

{وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ ﴿٦﴾ مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ﴿٧﴾} [ص: 6-7].

نستنتج من هذا المشهد الواحد، ذي الحركة المنسابة، والإيقاعات المتتالية، والصور المتتابعة، والحوار الجدي، والنقاش القوي بين الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وبين عمه، وبين سادات قريش، الذين صُدموا بالنتيجة؛ أن المشركين ما كان يزعجهم، ويغيظهم، ويقلق راحتهم، وينغص عيشهم، لو أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أغلق على نفسه الباب، وتعبّد ربه كما يشاء، وإلى متى ما يشاء، وتركهم وآلهتهم يعبدونها كما يشاؤون، وكيفما يشاؤون، فهذا لن يسبب لهم أي ضرر، ولا أي أذى، ولا أي خسارة، وسيبقون على عروشهم، يتحكمون في مصير الناس، ويحكمونهم بشريعتهم، وأنظمتهم، ولن يخسروا مصالحهم، ولا الامتيازات التي كسبوها عبر السنين.

وهذا هو نفس الخطاب، الذي يوجهه طغاة المسلمين اليوم، حيث يقولون لعامة المسلمين:«تريدون مساجد، سنبنيها، أو نسمح لكم ببنائها، وزخرفتها، وتزيينها بما تشتهون من أحسن الزخارف، ونسمح لكم، أن تقيموا حلقات الذكر، والأناشيد الدينية، وأن تحتفلوا بكل المناسبات الدينية المتنوعة، لا جُناح عليكم في ذلك، ولا حرج، بل وتريدون مدارس تحفيظ القرآن، فسنبني لكم ما تشاؤون، وتخرجون أجيالًا من حفظة القرآن، وتريدون مطابع لطبع القرآن، وإذاعات، وقنوات تلفازية، تذيع وترتل القرآن طوال الليل والنهار، وتريدون أن تتكلموا بالأخلاق، والمواعظ الحسنة، وترقيق القلوب، وأن تتحدثوا عن الجنة والنار، وعذاب القبر، والموت، والحساب، وتضجون بالبكاء، والعويل، والنحيب، وتتمايلون ذات اليمين، وذات الشمال، هيامًا بحب الله، بل وتريدون مدارس شرعية، تعلم الفقه، والحديث، وأخواتهما فلكم ذلك، وتريدون عقد ندوات اجتماعية، إصلاحية تتحدث عن بر الوالدين، والإحسان إلى الجيران، واليهود، والنصارى، والمجوس.. وسواهم، كل هذا مسموح لكم.

أما أن تسبوا آلهتنا، وتشتموا قوانيننا، وأنظمتنا، وتشريعاتنا، ودستورنا العلماني، وتعترضوا عليها، وتتدخلوا في سياسة الحكم، وإدارة البلد، وتنتقدوها، أو تسفهوا أحلام الولاة، والسلاطين، وتحرضوا الناس على الخروج عليهم، ونزع طاعتهم، فهذا خط أحمر، ممنوع منعًا باتًا، «مِن دونه خَرْطُ القتَاد»، وقطع الرقاب، والسجن في الزنزانات، وراء القضبان، وتلقي العذاب، والهوان حتى الموت.

ومن خلال ملامسة واقع مسلمي اليوم، نجدهم –إلا قليلا منهم– يؤمنون بأن الشعائر التعبدية، يجب أن تكون منفصلة لوحدها، ولا علاقة لها بالقضايا القانونية، والتنظيمية، والإدارية، والسياسية، ويظنون أنهم يمكن أن يكونوا مسلمين، وهم يدينون لله في الصلاة، ويدينون للحاكم في الدستور، والقانون، ويقبلون بأن تكون وظيفة الله تعالى محصورة فقط، أن يَخلق، ويرزق، وغيره يحكم، وتلك قسمة ضيزى!وعليه؛ هم، لا يقولون لا إله إلا الله، كما يريد الله، وإنما كما يريد الشيطان!

{وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَهُۥ قَرِينٗا فَسَآءَ قَرِينٗا}[النساء: 38].

{وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا } [النساء: 119].

ولذلك؛ أصبحوا أذلة صاغرين، مهانين، يتكادمون تكادم الحُمُر، وتطأ رؤوسَهم كلابُ بني الأصفر، وفئران الرافضة، وثعالب المجوس.

وحينما يقولون «لا إله إلا الله» بالمفهوم الرباني الشامل، حينئذ فقط؛ تدين لهم كل الأمم، ويملكون العجم، والفرس، والروم، ويسيطرون على البيت الأسود، فيما وراء المحيطات، ويفتحون روما، وكل العالم يركض وراءهم، يبغون رضاهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد