لا أعرف حقيقة ما أشعر في هذه اللحظات التي أخط فيها تلك الكلمات، والتي لا أعلم إلى أي شيء تنتمي؟ إلى المقالات أو إلى رسائل الوداع؟ أم أنها صفحة من الحياة التي نعيشها ويحياها البشر كل يوم؟!

فكم من الصعب على الإنسان الذي يجيد الكتابة وحباه الله بنعمة البيان أن يعبر عما في قلبه من صدق تجربة ومر واقع لقريب أو ألم لعزيز، أو لإنسان قد رُزق حبه، فلا يكاد يخط القلم حروفه حتى تتسارع نبضات قلب وتتسابق أنفاسه وتتباطأ الحروف، وكأن شهيقها لا يريد زفيرًا خوفًا من فقدان الأحبة.

لقد كتبت كثيرًا من المقالات، وخطت يدي أشعارًا كثيرة، ونثرت بقلبي أصدق الكلمات التي تعبر عما في دواخلي أو بما أراه في حياة الآخرين، فكنت أكتب ما يجول بتلك الروح دون تردد، فإني أؤمن بأنّ بالتعبير عن صدق الود والمحبة لا يمكنه الانتظار لرحيل الأشخاص أو فقدانهم حتى نخرج ما في نفوسنا من حياة لا تنبض إلا بوجودهم. فما قيمة البكاء على المحب بعد موته، أو نظم الأشعار بعد رحيله، أو نثر الكلمات بعد غيابه.

أخط نبضاتي وصدق مشاعري إلى تلك الزهرة اليانعة ذات العينين الخضراوين، وصاحبة الصوت العذب، خجولة الطباع وفصيحة البيان، إلى تلك الصغيرة التي لطالما شعرت بأبوتي لها وبأنها ابنة من بُنياتي، وإنْ كانت تملك من الشرف والرفعة كمثل والديها اللذين أبهراني بنقاء سريرتهما وصفاء قلبيهما وجمال أخلاقهما وعزة دينهما، والتي ندر مثلها في ذلك الزمان.

أدركت حق اليقين منذ اللقاء الأول لي بهم أنّهم من نبتٍ صالحٍ، وما تلك الزهرة إلا نتاج بذور طيبة وأشجار تضرب بأصولها في أرض طيبة القرار، وعظيمة الثمار، ولم لا وقد وجدت مشعلًا يضيء من سراج عقيدتهم في ظلمات ذلك العالم، ونورًا يسري من ثقافتهم وعلمهم بين بحار الجهل التي تفشت في مجتمعاتنا، وطهارة تأسر القلب بآيات القرآن التي تسكن جوانبهم وقد أورثوها لأبنائهم وذرياتهم.

ريناد ووالداها ليسوا إلا لبنة طيبة من لبنات هذه الأمة التي لطالما أحببت أنْ أراها في كل مجتمعاتنا العربية والمسلمة، التي تعتز بدينها ولا تهمل تاريخها، وتسعى للعلم سعيها للحياة، وتتمسك بعقيدتها تمسكها بالروح، وتنثر الأخلاق كم تنثر السماء غيثها، وتملك من الصبر ما تملكه الإبل في برها، وتحمل من الرضا ما يحمله المحب لمن يحب مهما قسى عليه.

لكنّ القدرَ لا يأتي دوما بما نهوى، ولا تجري الرياح دائما بما تشتهي السفن، فما الحياة إلا كراكب الموج، صباحه نسيم، وظهره عليل وعصره خرير وليله مرير، نعيش بين ابتلاء واجتباء، ولا نملك إلا السعي ومحاولة النجاة وعدم الغرق، والدعوة بالثبات والوصول إلى بر الأمان.

لقد أدركت للحظة الأولى التي أصاب العالمَ فيها ذلك الوباءُ الخبيث أنه لن يتوقف على المرض، ولن يرضى بنشر الجراح على أسرة المشافي فقط، بل سيتجاوز ذلك لما هو أعظم وأشد وأخطر، فقد يصيب جل البشر إنْ لم يكن كلهم في أرزاقهم و وقوت عيالهم وأعمالهم، وربما بحملهم إلى قبورهم دون مواساة من قريب أو دعوة غريب،ولم تمر فترة طويلة من الزمن حتى رأيت ذلك بأم عيني، فهذا يعيش على التنفس الاصطناعي، وذلك قد فقد عمله، والآخر قد حُجز عن أهله في بلد آخر، ورابع تقطعت به السبل، وخامس لا يستطيع أن يجد قوت يومه، وسادس قد ساقوه إلى قبره وحيدًا في كيس بلاستيكي دون غسل ولا تشييع ولا عزاء.

انتشرت الآلام حتى بين الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال، وعلية القوم في شرق العالم وغربه، فأصبح الجميع يهرع إلى حيث لا يدري، محاولا فقط البقاء واقفًا وعدم السقوط وإن كان على حساب غيره من عامة البشر، فكانت النتيجة أن تضرر عشرات الملايين في كل ربوع الأرض ضررًا لم يمر بتاريخها منذ الحربين العالميتين في الاقتصاد والأرواح والثقافة والأخلاق والإنسانية.

رأيت ما لم أكن أتخيله يومًا، دول تتصارع على سرقة أدوات التعقيم، وأخرى تتقاتل من أجل أسطوانات الأكسجين، وثالثة تعترض سفن الأخرى في عرض البحار من أجل عشرات الآلاف من الأقنعة، وكأن القيامة قد أعلنت النفير، والحياة قد دقت جرس الرحيل، هلع بدأت دائرة انتشاره تتسع بين البشر والذي لم أر مثيلًا له في حياتي. ولم ينجُ منه إلا من رحم الله بإيمان عظيم وقلب مطمئن.

هل حقًّا كان الأمر يستحق كل ذلك الخوف؟ وهل كان قادة العالم وسياسيوه موفقين في نشر الذعر بين سكان هذا الكوكب عبر أقمارهم الاصطناعية، وطاحونتهم الإعلامية التي لم يعد لها عمل سوى نشر صور آلاف الجثث والضحايا حول العالم على شاشاتهم وإلقائها في مقابر جماعية وكأنهم جرثومة مدمرة؟! أم أنّ ذلك الفيروس كسابقه من الفيروسات والطواعين التي ضربت الأرض وأخذ دورتها الطبيعية في الحياة وانتهت بلا رجعة.

ما أصبحت أدركه بلا شك أن بعض الأنظمة العالمية الكبرى قد استغلت وباء كورونا لإسقاط أخرى، أو على الأقل كسر أنيابها،أو سعيًا للاستئثار بخيرات الأرض بطرق غير مشروعة عبر نشر الذعر والخوف بين البشر، ولكن ربما كان الدمار أكثر مما يتوقعون، أو ربما فوق ما تخيل بعضهم أو وضع من تصورات لكيفية استغلاله لصالحه، فبعد أن هاجت الأرض واصفرت من الألم، بدأوا يتراجعون مع الوقت محاولين نشر الطمأنينة وتهدئة الأوضاع، ولا سيما أنهم أصيبوا في اقتصادياتهم من حيث لا يتوقعون.

المصيبة الكبرى التي سببها ذلك الوباء لم تكن بالحجم المبالغ فيه على رؤوس هؤلاء ومن شابههم وإن تأثروا به وشعروا فيه بمرارة الخسارة، لكنها كانت أعظم على هؤلاء الكادحين الذين يسعون على أقواتهم ورزق عيالهم وحيواتهم الكريمة قدر الإمكان، وأولئك المغتربين عن أوطانهم، والذين هم عامة سكان الأرض بلا مبالغة فيما أقول بالمعنى الحرفي للكلمة، فما أصعب الحياة عندما تفاجئك بصدمات لم تكن مستعدًّا لها، أو زلازل تعصف بمستقبلك الذي تسعى إليه بدون أخذ الحيطة، ولولا بعض اليقين الذي زرعته فينا يد الله ورحمته لكنا نصيح وجعًا كغيرنا، فالحمد لله على كل حال.

رحلت ريناد وغابت عن العين، وتركت في القلب ألمًا شديدًا بفقد والدها لعمله كغيره من الذين تألموا في تلك الغربة التي يشيب لها شعر الصغير ويهرم منها الشاب ويهلك بسببها الكبير، نعم رحلت لكنها بقيت في الذاكرة بترتيلها العذب لآيات القرآن، وأخوة والديها اللذين يأسرانك بأخلاقهما الجمة، ودعواتهما التي تعيدك إلى جيل الطيبين بالحنين والسكينة، رحل الجار الذي يشعرك بحلاوة الدار، والغريب الذي يحفر في قلبك مشاعر القريب، والزهرة التي ترى فيها الأمل بأن هذه الأجيال لا تزال بخير، وأنَّ هذه الأمة لم تُصب بالعقم بعد.

لم تنته الأزمة، ولا يدرك أحدٌ سوى الله موعد انتهائها، ولا سيما في ظل ذلك الصراع المدمر على قيادة العالم بين شرقه وغربه، والذي أصبحنا فيه مجرد «حطب» للإشعال، أو على أقصى تقدير جنودًا للقتال إن حمي الوطيس على أرض المعركة، فمنذ سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية انفرط العقد، وغابت القيادة، وفقدنا القلاع، وانهدمت الحصون، ولم يعد يسترنا سوى رحمة الله بنا، بعد أن تخلينا عن ركب العلم والحضارة والإعمار الذي أُمرنا به.

في الختام أقولها لمن فقد البوصلة أو تاه عن الدرب أو ضل الطريق، أو غفل حقيقة الصراع، أو غيبته شاشات سحرة فرعون المنتشرة حول العالم بالدجل والأخبار الكاذبة، والدعايات الساقطة، عن حقيقة وجوده وجعلته سجينًا لأهوائه دون تخطيط، وحبيسًا لخيالاته دون سعي. إلى هؤلاء الموجوعين والمتعبين الذين فاجأهم الوباء بكوارثه والحياة بصدماتها، والبشر بسوء أخلاقهم.

إنني أهيب بكم بصرخة قلبٍ يحترق، وكلمة صادقة عَلَّها تصلكم وتجد في نفوسكم صدى لها. أفيقوا يرحمكم الله قبل الطامة، فإن هذا العالم لا يحترم إلا الأقوياء، والمستقبل لا يناله النائمون، والحياة أصبحت كالوحش الكاسر لا ترحم يتيمًا، ولا تشفق على جائع، ولا تشفع لغني، ولا تسامح جاهلًا، أفيقوا وانتبهوا ألف مرة، خططوا ألفين واعملوا ثلاثًا واسعوا آلاف المرات، وكما علمني ذلك الرجل العظيم الذي سماه الرحمن خالي: «لا تضع حدًّا لأحلامك فتكون نهاية سعيك، ولا سقفًا لاجتهادك فيكون بداية فشلك..» نعم مات خالي، ورحلت ريناد وغاب عنا الأحبة ورحل الكثيرون والكثيرون، ولكنهم يحيون بدواخلنا فسلامًا عليك يا صغيرتي وسلامًا عليهم، وما أطيب الأثر وما أجمل الذكرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد