أماطت الحرب الأوكرانية اللثام عن معاناة التجاور مع دولة كبرى، وكيف تتحول أراضي الجارة الصغيرة، وقضايا شعبها الداخلية، إلى موضوع لاستعراض القوة بين أطراف التنازع العالمي؛ مما يجبر الطرف الأضعف في المعادلة إلى المهادنة مع طرف قوي، إما المجاور لها كي تكسب مودته وتحمي حدودها من أي غزو محتمل في أي وقت، أو تعاند جارتها وتبحث عن حليف بعيد تستفيد منه بقيمة اقتصادية، سياسية وحتي عسكرية، وقد فطن لذلك باحثو العلوم السياسية منذ بدأ هذا العلم في تأصيل أفكاره حتى قامت الدراسات على ربط العلاقة بين التجاور والعلاقات بين البلدين من تعاون، وخلافات، وصولًا إلى الحروب، حتى أنه في دراسة استهدفت المدّة بين 1815 إلى 1976 أن 93٪ من المتجاورين دخلوا في مواجهة عسكرية وتصاعدت إلى درجة النسبة في الحرب إلى  64٪ لمرة واحدة على الأقل ذلك، وفقًا لدراسة أخرى اهتمت بالمدة منذ 1816 إلى 1980 أن نسبة تحول الخلافات بين المتجاورين إلى حرب هي 25٪ مقارنة بـ2٪ فقط لمن لا تربطهم حدود مشتركة، وقد فُسرت تلك الحالات بما تمثله إلى أفضلية الدول المتحاربة عندما تتلاصق مع قوته اللوجستية لتجد دعم عسكري متواصل، أيضًا تكثر الخلافات بين الجيران من الدول بسبب تعدد المسائل المشتركة؛ مما يهيئ لخلافات خامدة تتحول إلى حروب عندما تزداد. في حالات أخرى تؤدي المسافات المتباعدة بين الدول إلى صعوبة التحارب، خاصة قبل تطور الأسلحة، وبعد مدى الصواريخ الحديثة، وهو ما ظهر في حربي فيتنام والعراق، مع عكس ما حدث في الحرب العالمية الثانية عندما وصل لمسامع البشر خبر قصف الولايات المتحدة لمدن يابانية رغم بعد المسافة بين دولتين تقطع الطائرة ما بينهما من مسافات في 12 ساعة. لم يقتصر الأمر على حالات الحرب، لكن أيضًا اضطرت بعض الدول للدخول في معاهدات مع جيرانهم، لتطبيع العلاقات بينهم مما يجعلهم تحت إدارة غير مباشرة مع الجار القوي مع تهديدات ضمنية باستعمال القوة بشكلها المعتاد، أو استعمال الشكل الجديد من التدخلات خلال العقوبات الاقتصادية والتجارية، أو إحداث قلاقل داخل النظام الحكمي المحلي. وسأهتم في السطور التالية في عرض تلك الأفكار بتمثيلها بنماذج واقعية وتحليل تلك العينات باستعمال نظرية الجوار، التفاعل والإقليمية في محاولة فهم دوافع الدولة الكبرى، وكيف تقاوم الدول الصغرى لتستمر حية.

الصين وصراع قديم يصعد مع صعودها

في عام 1995 خرج بحث لعضو جامعة فاندربيلت في تينيسي الأمريكية جون فاسكيز يحاول إيضاح أسبابه لما تتصارع الدول المتلاصقة رغم حتى التاريخ، العرق والعادات المشتركة، وعزا ذلك إلى ثلاثة أسباب متداخلة ورئيسة، بدأها بعنصر الجوار بما يتوافق بما سبق ذكره أن التقارب بين البلدين يسهل المواجهة بين جيشيها ويضع احتياجاتهما في التصرف الفوري دون الاضطرار لبناء قواعد عسكرية خارجية، أو الاستعانة بحلفاء، أو محاربين بالوكالة، ولربط أفكار جون فاسكيز بموضوع البحث كان الشأن الصيني مثال صارخ لتوضيح الحالة فالصين قبل قرون وهي تخضع لحكم سلاسة تشينج من عام 1644 التي عانت اهتزازات اقتصادية بسبب زيادة السكان مع ثبات موارد الدولة والدخول مع بريطانيا التي مثلت قوة عالمية في حروب محلية دارت في أرضها وغاصبتها على توقيع اتفاقيات تجارية تُخسر أكثر مما تُربح وكانت القشة التي قسمت ظهورهم انتقال السيادة الإقليمية لليابان، وقتما خسروا الدولة الكورية في حرب كانت في أواخر القرن التاسع عشر فكانت الثورة توجه شعبي أسقط نظام حكم استمر لقرون، وذلك في عام 1912، وكانت الدولة الجديد خالية تنتظر من يعوض تغيرها فكان الحزب القومي الكومينتانج الأجهز. الحزب الذي أسسه يات سن احد قادة ثورة شنهاي ووصل لحكمه بعدها كاي شك في وقت كانت تنتشر أفكار الاشتراكية.

مستفيدة من الثورة البلشفية في روسيا وصعود اللينينية وتطبيقها الستاليني فلم تكن الصين في معزِل عن ذلك وبدأ الشباب في تأليب العمال والطلاب للانضمام لحزب ناشئ، لكن ذلك الحزب لم يكن رقم سهل للفئة الحاكمة أو لقمة سائغة على الرغْم من أنه كانت البداية جزءًا من الكومينتانج، لكن مع الانقلاب بين المعسكرين تطور الأمر إلى حرب أهلية داخل الصين تقسمت إلى فترتين من 1927 إلى 1950 فصلت بينهما حرب يابانية ثانية أدخلت الصين في صراع الحرب العالمية بين 1937 إلى 1945 متزامنة مع انقضاء الحرب وسقوط اليابانية متأثرة بالهجوم الأمريكي ليعود من تشاركا السلاح أمسِ إلى رفع السلاح في وجه الطرف المُعادي مع تغيير الكافة من سيطرة للحزب الحاكم إلى صعود حزب جديد لسدة الحكم وتولي قيادة دولة تعج بالمشكلات وملايين من القلوب المنتظرة للنمو، ولكن في حرب استمرت لسنوات لم تكن الدولة الكبيرة لتسع عدوين سابقين فهرب كاي شك مع فريقه إلى جزيرة تبعد عن الساحل الجنوبي للصين بـ100 ميل وأسس بها حكومته الجديدة على أمل العودة للوطن في وقت خرجت فيه القوي العالمية من حرب ضارية أرهقت قواها وبدأوا تصفية الأراضي المحتلة وإعادتها.

لشعوبها كان الاستعداد لدخول معركة جديدة في أقصي شرق العالم مهمة انتحارية لبقاء تلك الدول فاستمر الوضع على ما عليه وحاولت الدولة الجديدة في استصدار قانون في الأمم المتحدة يعلن عن تايوان دولة مستقلة لا تتبع البلاط الصيني عكس ذلك ما حدث وتبخرت الآمال عندما أعلنت الجمعية عن اعترافها بصين واحدة لا مكان بها لتايوان مستقلة لتخفف بعد سنوات الصين طلباتها وتوافق على نظام مستقل لتايوان، لكن تحت كيان صيني واحد؛ مما منح الطرفين مرونة في التفاوض، وعودة علاقات اقتصادية وسياحية.

لكن ذلك لم يمنع تايوان بالاستقلال يومًا ما وتحبط الصين تلك التطلعات باستعراض قوي في الحاجز المائي بين البلدين لتذكير سكان الجزيرة بالقوة العسكرية لها حتى أنها قامت برد فعل سلبي علب ليتوانيا عندما لمحت للتعامل السياسي مع الجزيرة المنعزلة بالإجبار، ليبقى السؤال لما تصر الصين رغم صعوبة مقارنة الإمكانات على مصادمة تايوان الدولة التي تعمر بـ23 مليون ساكن مقارنة بمليار و300 مليون تقريبًا منهم أكثر من 2 مليون يعمل في الجيش للدفاع عن مساحة تتجاوز 9 مليون كيلومتر مربع فهل تجدد الصين تحركاتها مستقبلًا بطريقة عسكرية كما فعلت في عام 1954 لمحاولة الوصول لتايوان، لكن مساعيها لم تكتمل، ويمكن أن تكون تايوان أرض أول تواجه حقيقي مع الولايات المتحدة التي تمد تايوان بالأسلحة، وهل تكون تايوان اختبار الصين الأول لإثبات قوتها العالمية رغم الخسائر والعقوبات المنتظرة التي يمكن أن تشعل حرب عالمية.

دولة سابقة يتقاتل رعاياها

في تحليله للمسبب الثاني للحروب بين المتجاورين من الدول تحدث حول التفاعلات بحكم تلاصق الدولتين فما بالك إذا كانتا تحت إدارة واحدة طوال سنوات يفصل بين شعبيهما نفس القوانين قبل الانفصال عن بعضهما في 1991 وقت انهار الاتحاد السوفيتي وتقسمت تركته على أربع مناطق رئيسة البلطيق، القوقاز، وسط القارة الآسيوية والسلافية التي اشتركت فيها وريث الجزء الأكبر من الكيان السوفيتي روسيا مع الجارة التي تفصلها عن المجتمع الغربي، وهنا كانت مبتدأ الخلافات، لكن للوصول إلى النتيجة نمر بالأحداث. البداية كانت من دولة مشتركة الأعراق تختلف المسار فبينما كانت أوكرانيا تُحكم عن طريق الدولة البولندية الليتوانية كانت روسيا تبني دولة لها تتجهز لتكون ذات كلمة في القضايا الدولية، فوضعت عينها على من يشترك معها في العرق واللغة لمّا فرغ  الحكم في أوكرانيا وخرج البولنديون تاركين أراضي ممتدة دخلتها روسيا عن طريق القرم، لكن لم تنفرد بها روسيا، لكن شاركتها الدولة المجرية النمساوية، وكان ذلك في القرن السابع عشر وامتد الوضع إلى الحرب العالمية الأولى التي بدا بها الوضع غير مألوف، فكانت الأراضي الروسية من أوكرانيا في الشرق تقف أمام الغرب المتعاون مع المجر والنمسا.

خروج الروس من الحرب بعد الثورة البلشفية وتفكك الدولة النمساوية المجرية لم يرح الجانب الأوكراني واستمسك برغبته في الانفصال وتكوين دولة مستقلة خاصة مع تغير مبادئ البلشفيين عما كانوا قبلهم لم تعجب الحكام الجدد في روسيا لتبدأ حرب بينهما انتهت بانضمام أوكرانيا إلى التجمع الوليد تسمى بالاتحاد السوفيتي في 1922.

بعد ذلك بعقود وأحداث مرت على العالم كان السوفيت حاضرين بقوة في المشاركة في حروب، تكوين حكومات موالية، وتكوين تحالفات عسكرية توجت بحلف وارسو الذراع الأمني للجانب الشيوعي اشترك معهم من تتشابك مصلحتهم وتواجه في ذلك الوقت حلف الناتو الذراع الأمني للغرب، والشوكة التي تغص العلاقات الروسية الأوكرانية مع انهيار الاتحاد السوفيتي، ومشاركة أوكرانيا في إنهاء تلك الشراكة بصورة أو بأخرى عندما صوّت الشعب على استفتاء الاستقلال عام 1991.

بعد استقلال أوكرانيا ومحاولة روسيا لم شتاتها كانت العلاقات غير مستقرة، لكن لم تصل إلى حد الحرب، إلا في عام 2014، عندما دخلت روسيا كما فعلت سابقًا جزيرة القرم بعد أن جست نبض سكانها، وأصدرت جوازات سفر روسية، ما استفز وقتها الجانب الأوكراني، لكن تلك المناوشات تحولت إلى حقيقة عندما اشتدت المظاهرات في أوكرانيا على قرار الرئيس الصديق للروس فيكتور يانوكوفيتش عندما تراجع عن توقيع شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وبعد العديد المناوشات أعلن البرلمان عزل رئيس، وتوحيد اللغة الأوكرانية كلغة رسمية؛ مما أغضب الأقليات الروسية، خاصة في جزيرة القرم، وردوا بإجراء استفتاء للاستقلال، والانضمام إلى روسيا، في وقت كان الرئيس الروسي فلادمير بوتين في غير موقف المتفرج، وتحركت قواته لتفعيل قرار الاستفتاء بالاستحواذ على الجزيرة، والسيطرة على برلمانها مع حركات سيبيرانية استهدفت مواقع حكومية، وموظفين رسميين أوكرانيين؛ لتبدأ حرب جديدة بين الطرفين تتصاعد، إلى أن جاء قرار جديد لم تتسامح معه روسيا كأنه يهدد بقاءها، وهو تلميح أوكرانيا وتفاوضها للدخول في حلف الناتو؛ لتتبع كثيرًا من الأعضاء السابقين في حلف وارسو، لكن أوكرانيا حالة فريدة عند بوتين، فكيف يسمح لدولة تشاركه أكثر من ألفي كيلومتر حدودي أن تنفصل عن صداقته، بل تتحول إلى حضن أعدائه؛ مما يشكل عليه خطر عسكري واقتصادي تجاري ، فمن لا يتعلم من تجاربه لا يلوم سوى نفسه ذلك عندما دخل هتلر بجيشه إلى الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية من المدخل الشرقي لها فما يمنع أحفاده اليوم في ألمانيا وحلف الناتو من الدخول بشكل أسهل من حدود غير جبلية مثل الوضع الآن في أوكرانيا التي تحدها جبال الكاربات، أما تجاريًا فالدولة الأوكرانية توفر لروسيا طريقين تجاريين مع خلال ربطها بالبحر المتوسط من البحر الأسود كما توفر أنابيب توصل الغاز الروسي للجانب الأوروبي، وتلقي العملة الصعبة والقوة الاقتصادية الناعمة.

خطر أدخل في بوتين في خيارين أحلاهما مر: هل يترك الجارة تتحول إلى عدو، ويشاهد صواريخ موجهة نحوه على بعد كيلومترات، أم تتحرك جيوشه محاولة الوصول إلى العاصمة كييف متسلحة ببعض الموالين في الداخل الأوكراني، وهو ما مال إليه، ودخل في حرب الخروج منها مكلف، فما بالك بدخولها، وتحمل معها عقوبات اقتصادية غربية تهدد اقتصاده، وقوبل بمواجهة شرسة مع جيش مسلح يستميت على أرضه، والولايات المتحدة، السيطرة الإقليمية بصورتها العالمية في وصفه الأخير لأسباب الصراعات بين الجيران تحدث حول مفهوم الإقليمية، فكيف تكون السيطرة الإقليمية عامل أساسي في تأجيج الصراعات ذلك ما توضحه تدخلات الولايات المتحدة ودعمها لعناصر داخلية موالية لها في دعم ثورات قامت ضد أنظمة صديقة للاتحاد السوفيتي إبان فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، هو ما لم تتقبله الولايات المتحدة كيف لدول مجاورة لها ترتبط معها حدود بحرية أن تتعاون مع العدو الرئيس، لترد على ذلك بتمويل جماعات معارضة للأنظمة الحاكمة في تلك الدول، وتشعل فتيل المعارضة المسلحة، وفي بعض الأحيان تطور الوضع إلى حروب أهلية، مثل الوضع في الهندوراس ونيكاراجوا، التي أحرجت نظام الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان حينما دخل في صفقة معقدة ضربت سمعته داخليًا، عندما قام باستعمال وساطة خارجية ببيع السلاح إلى النظام الإيراني في أحداث حرب الخليج الأولي رغم الخلافات بين البلدين المستمرة إلى اليوم مقابل أن تدخل مبالغ الصفقة في دعم حركة الكونترا المعارضة في دولة نيكاراجوا.

لكن الأشهر بين جيران الولايات المتحدة في حربها مع السوفيت كانت دولة صغيرة تتكون من جزيرتين لكن ما نالتها من شهرة يفوق كثيرًا مساحتها، كيف لا ونحن نتحادث عن دولة تبعد عن الساحل الأمريكي بتسعين ميل فقط رغم لم تمثل أو تتلقي خطر على أمريكا أو منها بل بالعكس كانت في فترة حكم حاكمها العسكري باتيستا موضع للسياحة لدى الأمريكيين، في وقت تقريبًا كانت علاقة السوفيت بها ومع الدول اللاتينية منعدمة إلا مع المكسيك والأرجنتين حتى عندما تحركت للمجتمع الكوبي كان المدخل تجاري في السكر الكوبي، الوضع لم يثبت على حاله، ومع تبدل الحاكم تبدلت شبكة العلاقات والعداوات.

في عام 1953 انطلقت ثورة محلية كوبا تستهدف الرئيس الكوبي باتيستا، لكن تحقيق تلك الغاية احتاج سنوات أخرى، ومواجهات مسلحة، كان في قيادتها أحد مشاهير السياسة عالميًا، رغم مولده في الأرجنتين، تشي جيفارا، وأخوان تشاركا اسم كاسترو، الأصغر سنًا راؤول، وهو يحكم كوبا منذ 2008 خلفًا لشقيقه موضوع النزاع فيدل، الذي تولي رئاسة الوزراء في عام 1959 بعد نزوح باتيستا إلى منفاه في البرتغال، وبعدما عادت الحركات الاشتراكية، أصدر قرارات تأميم القطاع الخاص، ومحاربة نوادي القمار؛ فاشترى عداوة المافيا.

مع تلك السياسات وانقلاب النظام الكوبي من حليف إلى وسيط للاتحاد السوفيتي في المنطقة، تلاقت في هذا المصالح مع السوفيت وقامت بدعمهم بأسلحة، صواريخ باليستية، ومقاتلين ذوي خبرة لإثقال الجيش الكوبي؛ ما اكتشفته أجهزة المراقبة الأمريكية؛ لتعاود الولايات المتحدة دعم المعارضين، وتدريبهم، تحديدًا في جواتيمالا؛ في محاولة لاحتلال الجزء الجنوبي من كوبا في منطقة خليج الخنازير، استطاع الجيش الكوبي السيطرة على الوضع وإفساد المخطط، لكن لم يحقق ذلك المخطط سوى إشعال الكره بين البلدين.

لم تتأخر ردة الفعل الكوبية بعدها بشهور تحديدًا في أكتوبر (تشرين الأول) 1962 قام السوفيت بنشر قواعد نووية في الداخل الكوبي، موجهة لضرب الساحل الأمريكي، عندها أخذ الوضع منحنى آخر، وكان لا مفر من التعاون الأمريكي مع السوفيت، والوصول إلى حلول توافقية تمنع المجزرة، لا سيما أن الولايات المتحدة ردت بنفس الطريقة عن طريق نشر صواريخ لها داخل مدينة أزمير التركية مستفيدة من تشاركها معها في تحالف الناتو، صواريخ من شأنها أن تصل إذا انطلقت إلى مدن غربية في روسيا، منها العاصمة موسكو، التفاوض بين الرئيسين كينيدي وخروتشوف أسفر عن تهدئة للوضع، وسحب الصواريخ من كوبا مقابل عدم غزو الجزيرة.

أزمة اعتبرها البعض أعتى درجات المواجهة الباردة، أثرت بعد في الداخل السوفيتي، وساهمت في رحيل ناكيتا خروتشوف الذي اتهمه أعداؤه بسوء الإدارة للقضايا العالمية، وتقديمه تنازلات للجانب الأمريكي، وأغضب منه الجانب الكوبي الذي أدخله في قضية كبرى لم تدر بصورة تناسب بدايتها، ولم تراع في مفاوضاتها الحكومة الكوبية كونها طرفًا في النزاع، لكنها بعد ذلك كانت بوابة لإصلاح العلاقات بين الدول الثلاث، وهدأت حمى البدايات عند فيدل كاسترو عندما استقر في حكمه، وتراجع في قراراته المغامرة، رحلة فيدل في الحكم استمرت إلى 2008 حينما استقال بسبب المرض، وترك أخاه لاستكمال مسيرته حتى توفي عام 2016؛ لتظهر بعدها تقارير أمنية تتحدث عن محاولات أمريكية لاغتياله.

وضع الولايات المتحدة مختلف؛ فهي كدولة كبرى، ظهرت في فترة الحروب العالمية، وعولمة الصراعات، فاستغلت ميزتها الاقتصادية، وتفرع أذرع سياستها الخارجية، فكان العالم كله إقليمًا تريد الولايات المتحدة بسط نفوذها على دوله، لكن الوضع عند جيرانها كان متفردًا؛ فهي تدرك تمامًا أن الخطر من الجار أكبر من الأخطار البعيدة، وكانت أزمة الصواريخ الكوبية دليلًا على ذلك.

عندما هممت بكتابة ذلك الموضوع اهتممت بعرض نماذج عالمية، وربطها بالبحث العلمي، فكما أن الوضع لكل الدول المتجاورة هو توفر العلاقات وبناء العداوات، كذلك الوضع نفسه عند الدول الكبرى؛ ففي علاقتها مع جيرانها تتشابك العلاقات معها لتكوين كيان، كحلف وارسو شرق أوروبا، تظهر أيضًا خلافات نرى فيها كيف يعمل الطرف الأضعف، وكيف استغل أعداء عدوه في تكوين جيش له في أزماته كما هو الوضع في أوكرانيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد