انطلقت شرارات الربيع العربي في موجته الأولى في مطلع عام 2011، وشهد مخاضًا عسيرًا، وكأي جهد بشري فقد عرف نجاحات وإخفاقات، ثم جاءت الموجة الثانية عام 2019 في السودان، والجزائر، ولبنان، وشهدت هي الأخرى الكثير من النقاشات والأسئلة، وكان أحد الأسئلة الأكثر إلحاحًا هو تقديم الحراك الشعبي في البلدان العربية لقيادات تمثل طموحاته وآماله، وهذا الذي لم يحدث لا في الموجة الأولى، ولا في الثانية، وجرت الإجابة عن هذا السؤال في إطار جدلية تخلف الشعوب العربية، وأنها شعوب لا تصلح للتغيير، ولا للسياسة، وتم الانتقال من جلد استبداد الحكام إلى جلد الشعوب المغلوبة على أمرها.

ومن هذا فسنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على جانب آخر من خلال وضع الربيع العربي والحركات الاحتجاجية في سياق القرن الحالي، وسنرى إذا كانت الشعوب العربية متخلفة، أم يمكن النظر للأمر في إطار آخر؟ «رُوِجَ أنه من شأن انتهاء الحرب الباردة أن يبشر بانتصار الديمقراطية المصحوبة بالاستقرار، وأن العولمة ستمكن الجميع من الانطلاق نحو الصعود والازدهار، وأطلق فوكو ياما على هذه العملية بنهاية التاريخ، بيد أن التاريخ سارع بدلًا عن ذلك إلى تدشين فصل آخر عصي على التنبؤ».

كانت هذه فقرة من الصفحة العشرين من كتاب الدبلوماسي البريطاني السابق كارن روس من كتابه الثورة بلا قيادات، الذي يطرح فيه فكرة لخصها في العنوان الفرعي للكتاب وهي كيف سيبادر الناس العاديون إلى تولي السلطة في القرن الحادي والعشرين، فيعطي أمثلة كثيرة عن فشل الدول والمؤسسات القائمة في تحقيق وعودها للمواطنين التي التزمت بها في العقد الاجتماعي ويعطي أمثلة كثيرة كذلك عن مدى فاعلية المواطنين إذا ما تم اشراكهم في العملية السياسية وعملية البناء فيما قد يسمى بالديمقراطية التشاركية، ومن هذه الأمثلة:

أنه بعد إعصار كاترينا بات جزءًا كبيرًا من البنية التحتية في نيو أورلينز مدمرًا وكان ما يزيد عن 70٪ من المساكن هالكة والأحياء والمرافق شبه مدمرة، وفي أعقاب الكارثة انتصب في وجه إعادة البناء خسائر ملية هائلة، وإدارة محلية مشوشة، ومواطنون فاقدون للثقة بالإدارة والحكومة، إلى أن تم اشراك المواطنين في مناقشة شاملة وعميقة وجهًا لوجه، فالتقوا فيما يسمى المؤتمرات الأسرية وناقشوا أولويات استعادة مدينتهم فكان صناع القرار يستمعون فيما يتناقش المواطنون حول تأمين الوقاية من الطوفانات وتمكين المقيمين من إعادة الاستقرار، وفي نهاية المداولات وافق 92٪ من المشاركين على الخطة لموحدة للمدينة، وعلى نحو حاسم كان هذا المستوى من القبول يمثل النظرة الجماعية لجموع المواطنين.

وهناك أيضًا تجربة البرازيل في بورتو ألغري التي كانت تعاني أبشع أشكال الفقر واللا مساواة في القارة إلى أن تم عام 1989 إشراك المواطنين على نحو مباشر فيما يتعلق باتخاذ القرارات المتعلقة بهم ويمكن الرجوع إلى ذات الكتاب إلى الصفحة 127 لمعرفة ما تم إنجازه بعد هذه العملية.

ثم يقول الكاتب بعد سرد الأمثلة التي تنتقد الشكل التنظيمي على شكل فوق/تحت أن أزمة الديمقراطية التمثيلية في العالم قد تجد حلها في نماذج نيو أورلينز، وبورتو ألغري.

وتكرر الأمر أيضًا في الحركات الاحتجاجية على مستوى العالم فنجد أن هذه الحركات تجاوزت إلى حد ما النمط الكلاسيكي القيادي المباشر التي تنقاد فيه الجماهير خلف الزعماء والقادة، ومن هذه الحركات نسجت حركة احتلت وول ستريت الأمريكية والسترات الصفراء في فرنسا.

وبعد هذه الأمثلة من دول العالم يمكن أن نقول إن الشعوب العربية لم تكن بدعًا من الشعوب، ولم تخرج من السياق العالمي، فكما نلاحظ من الأمثلة السابقة أن الأمر قد لا يكون متعلقًا بعجز الشعوب، وإنما بالسياق التاريخي الذي قد يقدم لنا نموذجًا ونمطًا ثوريًا جديدًا مختلفًا عما شهدته الثورات في قرون مضت والتي كانت تأخذ شكلًا تراتبيًا فتنقسم فيها الشعوب إلى زعماء يفكرون وينفذون وجماهير تنقاد خلف ما يفعله هؤلاء الزعماء.

ومع الربيع العربي ظهرت موجة عارمة من الحركات الشعبية التي أخذ بعضها شكل الثورة العنيفة، فلم يكن للحراك الشعبي في الموجة الأولى قيادة تنظم حركته، ولم يأت نتيجة لعمل منظم، بالرغم من وجود العديد من الدعوات للإصلاح والتغيير، وتكرر نفس الأمر ونفس النمط الثوري في السودان والجزائر في الموجة الثانية من الربيع العربي، وقد نجح بعضها في الإطاحة بالأنظمة والدفع نحو إصلاحات جزئية على الأقل، وطفى إلى السطح نقاش حول التمثيل القيادي للربيع العربي، واعتبرت العديد من النخب أن عجز هذه الشعوب العربية عن توليد قيادات، إنما يعود لقصور في عقلية الشعوب العربية، ولكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما تم ذكره سابقًا من أمثلة في الولايات المتحدة، والبرازيل، وفرنسا من توجه الشعوب إلى صيغة التنظيم الذاتي وتجاوز النخب السياسية، فسنجد أن هذا يعود بالدرجة الأولى إلى عجز النظام الحالي بشكله التمثيلي عن معالجة مشاكل الناس مما جعله هو ذاته محل عدم ثقة عالميًا وليس عربيًا فقط.

والقصد من هذا الكلام ليس طرح بديل عملي عن شكل النظام الحالي، وإنما محاولة طرح للسؤال الصحيح عن جدوى النظام من أصله وفتح نقاش حول إن كانت الثورة بلا قيادات ملمحًا للظرف الراهن من التاريخ؛ مما يعني أننا بصدد موجة للثورة بلاد قيادات أو هي مجرد ظاهرة عابرة لن تؤدي إلى تغيير حقيقي؟

يبدو للوهلة الأولى أن تكرار ظاهرة الحراك الشعبي العام يبدو وكأنه يمهد فعلًا لنوع جديد من التحركات الشعبية التي لا ينظمها ولا يقودها كيان سياسي بعينه، وهذا لا يعني عدم مشاركة الجماعات والكيانات السياسية فيها كجزء منها.

ويبدو أيضًا وكأن اللحظة التاريخية الراهنة سوف تشهد مرحلة الثورات بلا قيادات، فهي بهذا تعبر مرحلة جديدة لعملية التغيير التاريخية التي عادة ما كانت تشهد ثورات لها قيادات على مر التاريخ، فمن المتوقع جدًا أن يراكم هذا النوع من الحركات تجربة ثرية وخبرة شعبية تعيد للشعوب وعيها بدورها في عملية التغيير السياسي.

وكما قلنا فإن هذا النموذج من الحركات لا يطرح نفسه بديلًا عمليًا للنموذج الكلاسيكي؛ لأن النموذج الكلاسيكي للثورات والحركات التي تقودها قيادات واضحة فيكون لها خطاب سياسي محدد المعالم وبرنامج سياسي واقتصادي تريد أن تحققه من خلال قيادة الجماهير إلى إسقاط النظام السياسي لكي تحل هي مكانه إذا حصلت على تأييد الناس، وهو ما يغيب في الثورات بلا قيادات، فهي لا تستهدف تطبيق برنامج سياسي أو اقتصادي، بالرغم من أنه يستهدف التغيير بالضرورة، وهو ما قد يكون نقطة ضعف إذا ما تم إسقاط النظام دون تقديم بديل واضح عنه.

وبعكس الثورات الكلاسيكية التي تكون من تيار سياسي معين ضد النظام القائم فإن الثورات بلا قيادات تحتوي فئة واسعة من المجتمع بكل أطيافه وتوجهاته والتي يمكن أن يكون مختلف الرؤى السياسية، ولكنه يجتمع ويتفق على الاحتجاج ضد السلطة القائمة.

وكما سلف الذكر فإن الثورات بلا قيادات في العالم العربي كما في بقية العالم تكون رافضة للسلطة السياسية القائمة ورافضة للخيارات السياسية المتاحة، طامحة لتغيير قواعد العملية السياسية كاملة، واستعادة الوكالة للشعوب في إدارة شؤونها، وقد يكون المشكل هنا في الأسس ذاتها التي تقوم عليها العملية السياسية أو يكون بسبب ما تفعله الأنظمة عادة من مساومة القيادة أو ترهيبها بالسجن والتشويه بما يجعل الثورة التي تملك قيادة مهددة بالفناء وقد حاولت الأنظمة العربية تحويل هذه الثورات إلى ثورات بقيادات حتى يمكنها خوض معركة ضدها من خلال مواجهة قياداتها، ولكنها فشلت في ذلك، وبالتالي فإن الانتفاضات العفوية الغير منظمة تأتي استجابة لسياق عالمي وداخلي فشلت فيه الأنظمة القائمة والنخب السياسية والقيادات على التعبير عن شعوبها ومجتمعاته، وبالتالي فهي تحاول وتطمح لفتح الباب أمام عملية سياسية واسعة تشمل مختلف خيارات المجتمع وتياراته ومكوناته وأفكاره بما ينتج نظامًا سياسيًا جديدًا أكثر تعبيرًا عن روح المجتمع.

وقد أثبتت الشعوب في العالم الغربي والعربي إلى حد ما قدرتها على تنظيم ذاتها كما شهدنا في مثال الولايات المتحدة والبرازيل، وقد تم إنتاج الكثير من الصيغ في بعض دول العالم مثل اجتماعات المدينة في الولايات المتحدة أو المواطنين الحكام في ألمانيا، أو مؤتمرات الدول في الدنمارك، أو ما شهده الحراك الجزائري، والمصري، والسوداني، من دوائر وحلقات النقاش المجتمعية التي كانت تشق طريقها بهدوء نحو صناعة التغيير وإشراك المواطنين في صناعتها لولا مكر الأنظمة السياسية ومكائد الثورات المضادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثوري, نمط

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد