يرى الصهاينة التطبيع معهم ضمانَ استمرار لوجودهم فوق أرضنا الفلسطينية المغتصبة، ويعتقدون أنّ قبولهم من طرف عدوّهم المسلم الأكثرِ منهم عددًا، والذي يحيط بهم من كل جانب ويختلف عنهم في اللغة والعادات والدين والمصير، ويحمل في صدره عليهم كل الكره والغيظ والرغبة في الانتقام اللامحدود، يعتبر قبولهم – كما أسلفت – طوق النجاة لهم وتأشيرة الحياة.

ومنذ عقود ثلاثة تقريبًا لاحظت الإدارة الإستراتيجية الصهيونية أن مستوى الثقة والقبول بين الأنظمة العربية وشعوبها في مستوى متدنّ، وأصبحت ترى أن قبولها من طرف الحكومات والأنظمة فقط لا يشكل راحة لها على وجودها فوجّهت خطتها لغرس عدد من القيادات الشعبية لا صلة لهم بأنظمتهم يروّجون لقبول هذا الكيان الغريب في جسد الأمة الإسلامية، ويتعاملون معه على أنه كيان مقبول كغيره، ومن بين أهم هذه القيادات الشعبية طبقة الرياضيين، وهذا لعدة أسباب.

فالمجال الرياضي من أول المجالات الذي اهتمت العصابة الصهيونية منذ ما يزيد عن قرن من الزمن على التواجد بها على الساحة الدولية، ففي 1921 أقيمت حركت «مكابي» وهي منظمة يهودية عالمية لرعاية الشؤون الرياضية، أعلن عن تأسيسها في المؤتمر الصهيوني الثاني عشر

وفي سنة 1911 تأسس أول نادي رياضي لـ«مكابي» في القدس، ومع بداية الحرب العالمية الأولى كان عدد الفرق اليهودية في فلسطين حوالي 20.

وكذلك مما يعرف الصهاينة به أنهم مولَعون بالرمزيات ويعتبرون تحقيقها إنجازًا ونصرًا ناعمًا، ففي أولمبياد طوكيو وقف المشاركون دقيقة صمت تخليدًا لذكرى مقتل 11 لاعبًا إسرائيليًا في العملية الشهيرة التي قاتها مجموعة الفدائيين الفلسطينية التي سمت نفسها مجموعة «أيلول الأسود» في ميونيخ عاصمة ألماني الغربية سنة 1972.

والسبب الثالث إدراك عصابة الصهاينة أن الرياضة من بين أهم مجالات القوة الناعمة المؤثرة في العالم العربي بل العالم أجمع فالمشهور في المجال الرياضي له من الأهمية المعنوية والحظوة في المجتمع ما يفوق مكانة العالم الشرعي، والرجل السياسي، والدكتور الاقتصادي، والمصلح الاجتماعي، وهذا ربما ما يتوافق مع الكلمة الخالدة التي أطلقها حكيم الأدباء «توفيق الحكيم منذ عقود حين قال: لقد انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم.

من هذه الأسباب مجتمعة ندرك أن الذي حدث مؤخرًا في أولمبياد طوكيو يعتبر هزيمة إستراتيجية للصهاينة وأذنابها، هزيمة للصورة التي يراد لها أن تترسخ، هزيمة للأموال الطائلة المهدرة على تلميع صورة الصهاينة في أذهان الشباب والأطفال عبر كل الوسائط الممكنة.

كما يعتبر حصارًا نفسيًا وإشعارًا لهم أنهم منبوذون، وأن القضية متوارثة كابرًا عن كابر، وأن فكرتهم القائمة على أن «الجيل الكبير سيموت والجيل الصغير سينسى» فكرة أثبت الواقع استحالتها.

فالذي يتساءل عن قيمة ما فعله فتحي نورين وصاحباه إثر انسحابهم من مواجهة اللاعب الصهيوني نجيبه أن هذا يعتبر رباطًا، وقد يستغرب مني القارئ هذا الحكم، ويعتقد أن الرباط لا يمكن إطلاقه إلا على من رابط على أبواب المسجد الأقصى المبارك وعطّل سير اقتحامات الصهاينة وأزعج المستوطنين، ولكن هذا فهم مصغر جدًا عن الرباط، فلو كان ذلك كذلك فإن مرابطي أمة محمد صلى الله عليه وسلم قليل لا يتجاوزون العشرات، وهذا لا أساس له من الصحة، فالذي فعله هؤلاء الرياضيون هو الدفاع عن القضية والرباط على ثغر من أخطر ثغورها المستباحة الآن ألا وهو ثغر شرعنة الاحتلال وتلميعه وقبوله بين ظهرانينا، إن ما فعله فتحي وزميلاه في طوكيو من عدم اعتراف بالصهاينة وعدم سيادتهم على أرضنا وعدم أحقيتهم في التواجد فيها وعدم شرعيتهم في ادعاءاتهم، وقدموا من أجل ذلك التضحيات هو عينُه ما تنادي به هنادي حلواني من أبواب المسجد الأقصى، وما يعاقَب عليه الشيخ رائد صلاح وهو أسير في محبسه.

إن هدف الصهاينة الإستراتيجي ومن وراءهم من القوى الغربية هو ضمان اعتراف الدول والشعوب بالكيان الغاصب، وهذا كان هدف كل حملات التطبيع بداية من «كامب ديفيد»، مرورًا بـ«وادي عربة و«أوسلو»، وصولًا إلى الهرولة التطبيعية المقيتة الأخيرة التي تلطخت في حمأتها دول الإمارات، البحرين، سلطنة عمان، والمغرب.

ففي مذكرات الرئيس جيمي كارتر – مهندس اتفاقية كامب ديفيد – يقول بالحرف «كانت اتفاقية كامب ديفيد خطوة تاريخية أولى باتجاه الاعتراف بمصالح إسرائيل في المنطقة… السادات رجل صعب وشجاع، ولعل البداية التي انتظرناها جميعًا لكسر الحواجز، وهذا أول اعتراف للعرب بأن إسرائيل دولة ذات وجود رسمي».

وقد يتساءل مُتذاكٍ عن سبب حثنا على المقاطعة الرياضية، وهل هي مسبَّبة عن قمع إسرائيل للفسطينيين فقط؟ وقبل الإجابة يمكننا طرح السؤال بصيغة مغايرة، هل لو كان تصرف الصهاينة مع الفلسطينيين جيدًا كان التطبيع معهم أمرًا عاديًا؟

فنجيبه إن التطبيع مع الصهاينة لا علاقة له من الناحية المبدئية بمستوى تعاملهم مع الفلسطينيين، فهذا التعامل هو عامل تقوية للموقف لا غير، بينما الموقف المبدئي الذي لا يقبل مواربة ولا أخذًا وردًا أن الصهاينة كيان إرهابي سرق الأرض، وقتل الشعب، وزوّر التاريخ، وانتهك الحرمات، ويهدد المسلم في أرضه ومقدساته ودينه ومستقبله.

كما نؤكد أن الرياضي الصهيوني ما جاء إلا لتمثيل قومه وبلده الغاصب بكل ما يحمله هذا البلد من تاريخ وعادات ومعتقدات، وإن معنى قبول إقامة مقابلة بين لاعب مسلم ولاعب إسرائيلي يعني أن اللاعب المسلم يعترف بذاك اللاعب الصهيوني وبدولته وبوجودها وبطبيعيّتها وأن لها حقًا في العيش والتعامل كسائر الدول الباقية، وهذا عين الخيانة لقضية فلسطين التي تعتبر من أبجديات النضال ألا نعترف بشرعية وجود هذا الكيان المسخ ولا أحقيته في العيش.

هذي مساهمة بسيطة لتأصيل مسألة المقاطعة الرياضية ولتبيين بعض الجوانب الخفية التي قد لا تصل لكل متلق للأخبار والأحداث، ذلك أننا نعتقد أن حسن الفهم يؤدي إلى حسن التصور وهذا الأخير هو السبيل الوحيد لحسن التصرف والعمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد