هل تجيد العمل تحت ضغط؟

لا..

لكن بيئة العمل هنا تتطلب ذلك.. لماذا إذًا تريد الالتحاق بنا؟

لأنني أحتاج المال!

أخبرني إذًا بسبب مقنع لتوظيفك هنا؟

لابد أنك مررت بالتجربة السابقة أو على الأقل سمعت عما يجري أثناء مقابلات العمل.. لكن دعنا نفترض أنك من المحظوظين الذين اجتازوا هذه المرحلة، وأنك الآن تستعد لتخطو أولى خطواتك داخل مكتب حافل ووسط فريق عمل لا بأس به.

حسنا، إن كنت تريد الاحتفاظ بوظيفتك، فلا تعرني انتباها لما أخبرك به لاحقًا، وإلا فلا تلومنّ إلا أُذنك!

بالصدفة كنت أتصفح «يوتيوب» ووقع نظري على فيديو يتحدث عن أخلاقيات العمل داخل مكتب (Office Politics)؛ وللإنصاف فالحديث كان متزنًا للغاية ومُركّزا، لكنني كنت أتساءل في فضول ماذا سيحدث لو لم ألتزم تمامًا بالنصائح التي يحثني عليها المتحدث؟

أولها كان عن ضرورة الاستماع لمديرك المباشر في العمل، الأمر الذي قد يمتد إلى الإصغاء لما يقول حتى ولو كان كلامًا مُرسلًا لا رجاء منه.. والحذر كل الحذر أن تخالفه الرأى، إلا إن كنت لبقًا تجيد المراوغة بالحديث والتلاعب بالألفاظ إلى حد الإقناع.

والحقيقة أنك قد تجد صعوبة في نيْل الرضا إن كنت من الانطوائيين الذين لا يميلون إلى كثرة الحديث، فضلًا عن أنهم لا يطيقون معسول الكلام. أضف إلى ذلك تباين مستوى التفكير بين الأجيال المختلفة، لا سيما في مساحات العمل متعددة الأعمار أو كما يطلقون عليها (Multigenerational work place).. وبالتالي فالكبار عنك يرون أنك لا تزال بعيدًا كل البعد عن خبرتهم وفلسفتهم في الحياة، في نفس الوقت الذي تراهم أنت فيه متأخرين بسنينَ ضوئية عن الركب التكنولوجي الحديث.
هناك بالتأكيد حلقة اتصال مفقودة ليس سهلًا أن تملأها إلا بتفهم كل جيل للجيل الآخر والصبر عليه.

لم يكتفِ المتحدث بذلك؛ فقد أشار أيضًا في نفس السياق إلى أنه لا يجوز لك أن تتخطى مديرك إلى من هو أعلى منه درجة، أو حتى أقلَّ، دون سابق معرفة منه، سواء كان ذلك يتعلق بإسناد مهمة إليك أو عمل إضافي زائد على عملك الأصلي أو كان أصلًا لا يتعلق بشيء يخصه لا من قريب ولا من بعيد.. أنا أعترف أن هذا التجاوز شيء سيئ للغاية، مع تحفظي على بعض المواقف التى قد تتصرف فيها بعفوية تامة ظنًا منك أنك لن تؤاخذ عليها، لكنك للأسف تتلقى اللوم دائمًا!

ثاني النصائح كان مثيرًا للغاية: إياك أن تقول «لا أعلم».. بدلًا عن ذلك قل «أنا لست متأكدًا.. سأراجع الأمر، ثم أوافيك». أنا أعلم أن الترجمة الحرفية تثير لديك الريبة مني حتمًا، لكن حسنًا. سأنقلها إليك تمامًا كما هي مشهورة لديهم.

(I am not sure… let me check and return back to you).

وعلى الرغم من أهمية ذلك؛ لما قد يعصمك من الزلل ويرفع عنك الإحراج، خاصة إن كان الأمر يتعلق باستفسار في صميم تخصصك، إلا أنه لا يصح أن تتخذ من ذلك ذريعة للكسل والإهمال، كما أنه في كثير من الأحيان من الأفضل أن تقول أنك لا تعرف.. من يعرف كل شيء؟

ها.. أنا لا أعرف ولا ضير! لنتعلم إذًا.
ثم إن اعترافك بعدم العلم – على النقيض – قد يزيد مصداقيتك وجدارتك بالثقة بدلًا عن ادعاء العلم بالكذب، ثم الفشل.

ثالثًا أكد المتحدث ضرورة أن تكون لطيفًا دائمًا.. وهو أمر – قطعًا – جميل للغاية.. لكنه أشبه بدروس التنمية البشرية التي اعتدنا سماعها دون أي جدوى تُذكر.
من الجيد فعلًا أن أكون لطيفًا طوال الوقت، تاركًا انطباعات أولية حسنة لدى كل من ألتقي.. لكن أنا لا أخفيك سرًا أن الأمور لا تستقيم كذلك.. فعلاوة على أنك قد تغضب أحيانًا – وبالمناسبة هذا أمر طبيعي ينبغي الحذر فيه – فإن هناك مواقف لا ينبغي أن تكون لطيفًا فيها، بل من الأجدر أن تكون حازمًا وصارمًا بعض الشيء حتى تتعادل الموازين وتستقر.

ومن المناسب هنا ذكر مصطلح منتشر للغاية هو الـ(deadline) أو آخر ميعاد ممكن لتسليم عمل أو مهمة ما.. أنت قد تتفاجأ حينما أخبرك أن أول سؤال أسأله لصاحب الطلب «ما آخر ميعاد ممكن؟» فيندهش قليلًا.. نحن بالكاد بدأنا المهمة، بل لم نبدأها بعد، وأنت تسأل هذا السؤال؟ هل تنوى فعلًا التأخر والمماطلة؟ أم أنك أصلًا لا تنوى البدء؟
في الواقع أنت قد تكون حسن النية؛ إذ إنك تريد أن تضع جدولًا لنفسك بحيث لا تتأخر عن الموعد المطلوب.. أو أنك قد تكون مرتبطًا بأعمال أخرى، وتريد أن تنظم جميعها وتنجزها فى وقتها.
من يدّعي إذًا أنك متكاسل إن سألت بعد ذلك عن الـ(deadline)؟

والآن.. نحن لم ننته بعد من سرد أخلاقيات العمل في مكتب يضم زملاء عديدين.. لكن ما أود قوله هو أننا في النهاية بشر نُصيب ونخطئ، وأن لكلٍ منا طاقة وتحملًا لا يستطيع تجاوزهما، لكن من الضرورى – إن كنت وسط فريق عمل – أن تكون ملتزمًا قدر الإمكان بما يتوجب عليك الالتزام به، حافظًا لنفسك حقوقها كذلك، وملتمسًا الأعذار لمن حولك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد