يؤسس العمل بنية المجتمع السطحية، مسرح النشاط السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، ومع مأسسة تلك الجوانب من خلال هيمنة بنية العمل، ما تلبث ذهنية الفرد والمجتمع أن تستبطن دون وعي منها سُلطة تلك البنية، والتي إن عرّفنها – أي الذهنية – سنقول إنها فعل تلك الجوانب سالفة الذكر في الإنسان. تطبع تلك السلطة سماتها على كافة جوانب الحياة، بما يجعلها تمارس «سُلطة إرغامية» على الفرد والمجتمع، تنتج أسلوب حياة ينتهجه أعضاء المجتمع، بما يؤثر على سلوكهم وطرائق عيشهم ولغتهم، وهذه الأخيرة ستكون محور حديثنا في هذا المقال.

يرى الباحث علي عبد الواحد وافي في مؤلفه «المجتمع واللغة» أن اللغة – شأنها في ذلك شأن النظم الاجتماعية الأخرى – ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما عداها من ظاهرات العمران والجغرافيا والبيئة، وأن أهم العوامل التي تؤثر فيها ترجع إلى هذه الظاهرات، وأخرى لها صلة ببنية اللغة وقواعدها وطبيعة أصواتها وتفاعلها بعضها مع بعض، انتهى كلمه.

إن كان هناك من شيء يمكنه التأثير والتأثر بشكل جلي في حياة الفرد على ما سواه، من خلال تفاعل الإنسان في الواقع والحياة اليومية، فلن يكون ذلك الشيء سوى اللغة، باعتبارها أولًا: وسيلة الاتصال الأولى بين أفراد المجتمع، ثم هي بمثابة (الذاكرة الجمعية) تخزن وتراكم فيها المجتمعات خبراتها وتجاربها والمسميات التي تبتكرها، بلغة التكنولوجيا اليوم هي بمثابة (سيرفر البيانات) يستقي منها الفرد المسميات والخبرات وبها يشكل واقعه ويفهمه، وهكذا يراكم ذلك المجتمع ويوسع في ذلك السيرفر وتلك الذاكرة الجمعية عبر تاريخ حياة اللغة.

تحدث الطفرات في طرائق تفكير الأمم وأسلوب عيشها وتنوع ثقافتها، ونظرتها وتعريفها للعالم والآخر، حينما تحدث الطفرات المعرفية في لغاتها، انتقالها من مستوى أدنى إلى مستوى أعلى، حينما يحصل تطور كبير في بنية اللغة، ينعكس ذلك على ذهنية الفرد والمجتمع.

لا تندثر لغة ما أو تتخلف، إلا لأنها تخلت عن ذلك الدور، وما تلبث أن تحل مكانها أخرى. وما تندثر حضارة ما، إلا لأن لغتها لم تعد تفعل فعلها في ذهنية المجتمع، بما يغير في أسلوب حياتهم ومنهجيتهم وطرائق تفكيرهم، وغياب ذلك الدور يؤدي حتما نحو انحطاطها.

في مقالات سابقة ذكرنا أن المجتمع اليمني قديمًا ووسيطًا وحديثًا، مجتمعًا زراعيًا بامتياز، شكلت عوامل من بينها حياة الريف والعمل في الزراعة ونقل البضائع والصيد حضارته الأولى بشتى جوانبها، السياسية، والدينية، والثقافية، والاجتماعية، ولاحقًا أفنت تلك العوامل حضارته، ودينه، ولغته، ونظامه السياسي حينما أهملها.

للناظر في اللغات العربية الجنوبية (اللغات الصهيدية)، واللهجات اليمنية المعاصرة، أن يجد ملامح حياة الإنسان اليمني بارزة فيها، وله أن يعرف من خلال النقوش واللهجات الدارجة والثقافة الشفهية (الأدب، والشعر الشعبي، والغناء، والأمثال) ماهية الذهنية التي تمارس سلطتها في المجتمع اليمني، بما يجعلها تشكل (ذهنية جمعية).

بالعودة إلى كلام «عبد الواحد وافي»، ذكرنا أن المجتمعات اليمنية القديمة والحديثة عمرانية وزراعية بامتياز عوامل البيئة والجغرافيا أوجدت حياة الزراعة، والتجارة، والصيد، والحرب، وتلك بدورها شكلت معها اللغة وشبعتها بكل ما يتعلق بتلك الحيوات، فأصبحت اللغة بمثابة عامل استمرار وديمومة لسلطة ذهنية العمل، انعكس ذلك على لغة الأدب، والشعر، والاقتصاد، والقانون، والدين، والسياسة، والثقافة بشكل عام.

يغلب على اللغة في المجتمع اليمني مسميات الزمان، والمكان، والزراعة، والعمران، والحرب، فالحقول ومواسم الحصاد، وأنواع الزرع، وأسماء الثمار، والرعي، والحيوانات، وأسماء الأرض، والجبال، والمطر وآلات الزراعة بكل أنواعها، والأيام وأشهر السنة، وأيام الوقائع وآلات الحرب، كل ذلك يغلب على المخزون اللغوي للغة العربية الجنوبية، وحاليًا لم تزل تمارس فعلها في اللهجات اليمنية الدارجة بنفس الوتيرة، بل استجدت عوامل جديدة كرست تلك الذهنية ربما نتناولها في مقالات أخرى.

أعطتنا النقوش اليمنية صورة عن الذهنية التي كانت تحكم المجتمعات اليمنية القديمة، وإن كانت البيئة والجغرافيا قد قالت كلمتها، إلا أن ظاهرة الشعر الشعبي في المجتمع اليمني المعاصر، تمثل صورة جلية عن ديمومة تلك الذهنية وتطور هيمنتها.

ففي الشعر الشعبي مثلًا، وهو السائد في المجتمع اليمني، والمساجلات والمرثيات على الموتى، والأمثال، والألغاز، والأهازيج، نجد أن الفكرة، والإشارة، والصورة الجمالية، والاستعارة، والمخيلة، تدور حول كل ما هو مادي ومعروف لدى المجتمع، لا يجد العقل صعوبة في استعاراته واستخدامه في متن القصيدة، ذلك أنه ملموس وموجود ويستخدمه الفرد بشكل يومي.

طبعة مظاهر النشاط الزراعي والاقتصادي اللغة بطابع خاص في مفرداتها ومعانيها وتركيبتها وأساليبها، وحسب وصف «وافي» اختلفت مظاهر اللغة في الأمم تبعًا لاختلاف وسائل الإنتاج وشؤون الحياة المادية والمهن السائدة (الزراعة، الصناعة، التجارة، الصيد، رعي الأنعام ) وقد تؤثر هذه المظاهر في أصوات اللغة نفسها، بل إنها قد تؤثر في تشكل أعضاء نطقهم كالمخارج، والنبرات، والألفاظ.

وإذا كانت اللغة تصنع ذلك في أعضاء الإنسان، فمن باب أولى أن تفعل ذلك في تشكل ذهنيته وطرائق تفكيره، باعتبار تلك الذهنية نتاج اللغة، واللغة نتاج الفعل الإنساني في الزمكان، وما هي ماهية الإنسان إذا لم تكن لغته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد