منذ أن لفظ بنا القدر إلى هذا المكان الذي نسكنه ملايين السنين، قد حققنا تطورات عديدة بتراكم التجارب الإنسانية، سواء كانت تطورات فكرية، أو أخلاقية، أو علمية…، في البداية كان ذكاء بدائي من الإنسان العاقل أن يخمد نيران التساؤلات التي تسبح في مخيلته بوضع نظام عقائدي، يكبت المشاعر السلبية – الرهبة والخوف والإضطراب… – ،وينظم حياة الإنسانية، وقوانين عقلية يحتكم إليها الجميع، ولعل هذه البداية في التطور الفكر العقلاني، كما أنها عديدة هي الاجوبة عن سؤال: متى كان فجر العقل البشري؟ والذي تم تطرق إليه في العديد من المقالات والكتب، إذ كان محطة فلسفية، وسيكولوجية وتاريخية وأنثروبولوجية. «أريد معرفة ما هي المراحل التي مر بها الإنسان من حالة الوحشية الى حالة التحضر؟» هكذا تساءل فولتير في (مقالات عن العادات).

المثير للجدل هو أننا ما زلنا نفكر فوق أسس متخاذلة على حافة الانهيار، قد تربينا تحت ظل ثقافتنا البالية، وبرمجنا كآلات الميكانيكية، ونمطية الأهداف، ومحدودة الإبداعات، استهلاكية وضعيفة الإنتاج، هذه هي النسخ البشرية، دغمائية إن ارتبط الأمر بالاختلاف، ونرجسية إن ارتبط الأمر بالمصلحة، إنها تحت تأثير الجمود الفكري، فهي التي ستقبل الوهم وترفض الحقيقة لأجل خلق الاستقرار والطمأنينة وهذا ما يطابق المشاعر وليس العقل، كما وصفها مارك توين في كتابه (ما الإنسان؟) «الأمم لا تفكر، وإنما  تشعر فقط». نخلص إلى أنها لا تقبل أية منطق غير منطقها الاجتماعي الذي أساسه في الأحكام المنطقية هو المجتمع، ما نعده غير منطقي ولا مستساغ عقلًا لمجرد مخالفته لقوانيننا الاجتماعية، هكذا يصبح لدينا ضمير جمعي والذي فسره إميل دوركايم أنه ينبغي ألا يفهم على أنه حصيلة جمع مكدس لضمائر الأفراد، بل هو بوتقة ينصهر فيها كل فرد، لذا فالأعراف والتقاليد والمعتقدات هي إرث تاريخي هيّئ من قبل، أي وجدت قبل وجودنا فهي أشياء خارجية تلقيناها وتحلينا بها، حاملة في باطنها طابع الإكراه والإلزام، حيث لا نشعر بهذا الإكراه ونحن نتحلى بهذا الإرث ونلبسه، ولكننا نشعر به حينما نحاول أن نتحلل منه ونخرج عنه، عندئذ يقتص منا المجتمع إما في صورة عقاب أو سخرية أو استهزاء أو عزل يؤثر في مصلحتنا.

إن هذا النوع من البرمجة الاجتماعية، والخضوع الثقافي، وتقديس الموروث، والعاصفة العاطفية التي تقطن بداخل الفرد، كلها تابعة وذات ارتباط وثيق بينها وبين المصالح النرجسية والبراغماتية، وهي اليد العظمى المصافحة لليد السياسة والاقتصاد.

الحمولة الفكرية التي نتبجح بها لم تعد صالحة لزمننا، بل هي عائق أمام تطورنا الفكري والأخلاقي والعلمي…، إنها الوحل العالق بأحذيتنا الذي يعيق حركتنا، وجعل تقدمنا متأخرًا وأحيانا مستقرًا وثابتًا، إن أسلوبنا وآليات التفكير الرجعي في معالجة مشاكلنا هو فاشل وسيظل فاشلا، تماما هذا مقصد ألبير أينشتاين في قوله : «المشاكل الموجودة في عالم اليوم، لا يمكن أن تحلها عقول قد خلقتها»، فهذه دعوى للتغيير والارتقاء الى الأفضل. إن ثقافاتنا ومعتقداتنا شوهت رؤيتنا للواقع، جعلتنا نعتقد أن هناك صراعًا أزليّا بين الشر والخير، الظلام والنور، الحب والكراهية…، وفي يوم من الأيام سينتصر الخير عن الشر، ولعل هذه أحد المخّلفات التي تلقيناها منذ الطفولة، فلم ندرك على سبيل المثال أن الخير والشر واحد لا يمكن تفرقتهما، هذا الفهم يجعلنا نفهم أن الحياة ليس سباق على من سينتصر بالنهاية، من هنا تصبح لنا صورة واضحة عن الحياة، فيها نقبل الآخر ونحتضن التغيير، بدلا من المعارك التي لا معنى لها التي أقمناها في محاولة القضاء على ضعفنا، فيجب أن نتوازن على سبيل الحياة، في النهاية لن نستطيع الحد من الحقد والغيرة والكره الذي بداخلنا ومن الصعب فعل ذلك، لكن من المنطقي أ ن نزرع بذرة الحب والعطف والكرم والسعادة حينما نرى أن بذور الكره قد استولت علينا. فهذا هو سعي إلى التوازن إنه لواجب الحصول على الطاقة الإيجابية لموازنتها مع الطاقة السلبية. بذل التحسر عن الذنب، افعل شيئًا جيدًا لموازنته مع الشيء السيء الذي فعلته. وفي العكس إن تفوق الحب والعطف والكرم على نقيضه فلست مطلوبًا أو مضطرًا للغضب والكره لتوازنها مع الأشياء الجيدة، لأن الحقد والكره والطمع مثل الأعشاب تنمو في كل مكان وهي تنمو بطريقة أسرع من الأشياء الإيجابية، إذا لم نواجه برودة الشتاء المعتم، فلن نعرف ما هو دفء الصيف المشرق، ليس هناك شيء يحفز شهيتنا للفرح أكثر من الجوع الناجم عن الحزن واليأس. من أجل إكمال رحلة حياتنا بنجاح، من المهم أن نحول كل دمعة إلى حكمة، وأن نجد البركة في كل شقاء.

لا أعتقد نه يمكن فهم طبيعة الواقع إلا من مفهوم روحي واضح وخاص، فلا يمكن معرفة الواقع وفهمه من خلال قسيس أو معلم، لأنه ليس بإمكاننا معرفة شكل القمر إلا من خلال أعيننا، مهما كانت محاولة أي إنسان أو مثقف أو قديس.. يشرح لنا شكل القمر، لكن لن نقترب للمقصد إلا بعد رؤية شكل القمر مباشرة. ولا يمكن معرفة الهوية من خلال اليوغا أو التأمل أو الفلسفة أو الطقوس الدينية ولا طرق التعليم، فالشخص المريض لا يستطيع أن يشفى بذكر كلمة «دواء»، لكن عن طريق تناول الدواء، والخلاص لا يأتي بتكرار كلمة «الله أو المسيح أو بوذا أو المطلق…»،لكن بالتجربة المباشرة، التجربة التي تعطينا الحكمة، لفهم جوهر الإله، وجوهر الوعي الصافي، يستحيل بلوغ هذا النوع من التحرر إلا بالإدراك الذاتي والفردي للعالم. إن الجهل هو الذي جعلنا نتعرف عن أنفسنا من خلال الجسد والإيكو (ego) والحواس الخمس، وهذه الأخيرة ليس لها علاقة بجوهر من أنت، وهنا يبدأ الالتباس عندما يبدأ الإنسان باتباع سبيل العالم أو سبيل الجسد أو سبيل التقاليد والطقوس الدينية، فمعرفة الواقع لن تظهر ولن تتجلى في داخلك بهذه الطريقة، لأن هذه الطريق الثلاثية (العالم والجسد والتقاليد ) هي سلسلة حديدية تربط أقدام كل من يطمح الى الهروب من سجن هذا العالم، ومن تحرر من هذه السلسلة هو الذي سيحقق الخلاص، وأي شخص خضع لهذه السلسة فهو ضائع في غابة المعرفة النسبية، يركض هنا وهناك لتبرير وجهة نظره حولة مادة الأنا (ego) فقط. وهذا عائد الى الطفولة التي لم يعلمك فيها أحد ما هو الأسود والأبيض؟ والحياة ليس صراع بين الأسود والأبيض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد