تمهيد

يميل الفيزيائيون لكتابة مُعادلة موجزة للتعبير عن الدراسة التي يقوم بها أحدهم في موضوع ما. أينشتاين Einstein فعل ذلك؛ كتب الصيغة المشهورة باسم «مُعادلة المجال Field Equation»، وهي صيغة «كبسولية»، كل رمز فيها يُعبر عن تلال من الرياضيات التي استخدمها في صياغة النسبية العامة، ويفصل بين شِقَّيها علامة «=»، كأنها بيت شِعْر له شطران.

حمل الشق الأيسر في معادلة المجال دلالات عن الفضاء «الزمكان»، وتمدده. كما حمل الشق الأيمن دلالات عن ما في الكون من مادة وطاقة، علمتنا النسبية أن لو لم يُوجَدا ما وُجِدَ الفضاء ذاته.

ما الذي نعرفه عن «الطاقة»؟

لست معنيا هنا بالكلام عن أمور غير علمية، مُتداولة بين الناس، كالطاقة «الروحية»، أو تلك «الإيجابية والسلبية»، ولا ما شابه. نحن هنا مدعوون لفهم الطاقة في إطار علم الفيزياء، الذي يُعرِّفُها ببساطة على أنها القدرة على إنجاز عمل ما. من ثم، كلما احتوى جسم ما على قدر أكبر من الطاقة، كلما زادت قُدرته على العمل، أيًا كان العمل؛ إذ قد يتمثل في إزاحة كُتلة عن موضِعها، أو إنتاج حرارة لأغراض التسخين، أو حتى تخزين الطاقة لاستخدامها لاحقًا، كما هو الحال في البطاريات الجافة على سبيل المثال.

يُساعدنا التعريف الفيزيائي للطاقة على إدراك أنها «قوة»، يُمكن استخدامها للتحريك أو الإزاحة، أو رفع ثُقْل ضد الجاذبية الأرضية، أو لدفع تيار كهربائي عبر مُوَّصِّل ضد مقاومته لمرور التيار فيه، أو عند تحرير طاقة لكمية مُخزَّنَة من البخار تحت ضغط لتحريك زعانف تعمل على انشاء حركة دورانية لإدارة مولدات الكهرباء، لانتاج إضاءة أو حرارة… إلخ.

للطاقة صور عديدة إذًا؛ منها طاقة الحركة، وطاقة الوضع، والطاقة الحرارية…إلخ، بالإضافة بالطبع لإمكانية تحوُّل صورة من صور الطاقة إلى أخرى، كما هو الحال في المصباح الكهربائي مثلًا، حيث تتحول الطاقة الكهربائية إلى طاقة ضوئية وحرارية. مع ذلك كل تلك التعريفات الكلاسيكية لم تنفذ إلى «حقيقة» الطاقة. ما هي تلك الحقيقة بالضبط؟

يُنبؤنا قانون «بقاء الطاقة» أن المُحتَوَى الإجمالي للطاقة في الكون ثابت، كما أنه من منظور عَالِمَة الرياضيات الألمانية نِوتَر Noether، المُتعلق بالتماثُل Symmetry عبر الزمن، يمكن القول بأن الطاقة الكلية للعمليات الفيزيائية محفوظة، لا تتغير بمُضي الوقت. سيقودنا هذا لنتيجة مُهمة؛ إذ لا يُمكن بناء آلة دائمة الحركة، ببساطة لأن الطاقة لا تأتي من لا شيء، وإنما تعمل الآلات المُختلفة على تحويل إحدى صورها إلى صورةٍ أخرى، وتظل الطاقة الكلية للكون، بكل ما فيه، ثابتة.

بصورة عامة، يمكن النظر للطاقة على أنها نوعان؛ مُفيد، نستخدمه في كل مناحي حياتنا، وغير مُفيد، يتبدد دون أن تكون لدينا القدرة على الاستفادة منه. ولعله من المشهور عدم وجود آلة كفاءتها 100%؛ إذ يتبدد جزء من الطاقة دائما، وهذا الجزء من شأنه مع مُضي الزمن، وبالنظر إلى الكون ككُل، أن يخْرِق قانون بقاء الطاقة؛ بمعنى أن ما يُمكننا إعادة تدويره من الطاقة يقل بمُضي الزمن، ومن ثم فإن الزمن نفسه له اتجاه واحد، يسري من الماضي للحاضر للمستقبل. على أية حال سوف نُعيد دراسة هذه الفكرة عند حديثنا عن العمود الثالث للفيزياء، الديناميكا الحرارية.

المادة والكُتلة

ببساطة، تُعتبر «كتلة» أي جسم هي ما فيه من «مادة» ونحن عادة نستخدم «الوزن» كمُرادِف للكتلة في لغتنا العادية؛ وهذا صحيح هنا على الأرض، لكن هناك في الفضاء، حيث ينعدم الوزن – عندما يقل تأثير الجاذبية الأرضية على الأجسام – تبقى كُتلته كما هي. مع ذلك، تُخبرنا النسبية الخاصة، أن الكتلة ذاتها تزداد بزيادة سرعة الجسم؛ وهذه الخاصية العجيبة تم إثباتها معمليا، وإن كُنا لا نلاحظها في الحياة اليومية؛ لأن السرعات التي نعرفها للطائرة أو الصاروخ مثلًا أدنى بكثير من سرعة الضوء، والظاهرة لا تتبدَّى إلا عند اقتراب الجسم من سرعة الضوء.

جدير بالذكر أن الذي يزداد مع السرعة، وِفق نيوتن Newton، هو قيمة فيزيائية تُسمى «كمية التحرك Momentum»، وهي حاصل ضرب سرعة الجسم في كتلته؛ إذن تزداد تلك القيمة مع زيادة السرعة (بمعنى ازدياد صعوبة إيقاف الجسم). ولا يُسمع لميكانيكا نيوتن صوتًا عن تَأثُّر الكتلة ذاتها مع ازدياد السرعة. ثم جاءت النسبية بصيغة جديدة لكمية التحرك لجسم ما، حيث ستُصبح لا نهائية (بسبب ازدياد كتلته)، عندما تبلغ سرعته سرعة الضوء. أي أنه ببساطة سيستحيل تحريكه ساعتها، بسبب كتلته اللانهائية. ومن هنا يُمكننا فهم فرضية أينشتاين عن أن سرعة الضوء هي سقف السرعات في الكون؛ لا شيء يصل لتلك السرعة أو يتجاوزها.

أفضت تلك الملاحظة عن السرعة والكتلة في ضوء معادلات النسبية الخاصة إلى المُعادلة الشهيرة:

E = mc2

التي تقترح أن الكتلة (mass: m) مُكافئة للطاقة (Energy: E). لاحظ أنه بزيادة سرعة جسم ما، تزداد كُتلته، فسنحتاج لإمداده بمزيد من الطاقة كي نُحركه وقد ازدادت كُتلته، وهكذا. وتلك العلاقة تقترح أن ننظر لكُتلة الأجسام على أنها طاقة مُتجمدة، مُقيَّدَة بوجودها المادي، فإذا ما تحررت، انطلقت طاقة هائلة، ذلك لأنه وِفق معادلة تكافؤ الكتلة والطاقة، تُصبح قيمة الكتلة مساوية للطاقة، إذا تم ضربها حسابيًا في مُربع سرعة الضوء c2، وهو رقم ضخم. إذًا أقل كتلة يُمكن أن تُعطي كم خرافي من الطاقة. وقد ظلت المُعادلة تُخايل العلماء، حتى مضت 400 سنة، وعرفت الدنيا الطاقة النووية، عندما ألقت أمريكا قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناجازاكي، مُعلنةً نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. إنها إذًا هناك في القلب من المادة، تكمُن الطاقة في ما داخل النواة من مادة.

الآن يُمكننا تعميم قانون بقاء حفظ الطاقة، ليُصبح: «قانون حفظ الطاقة والكتلة». ولسوف نرى في القسم المُتبقي من موضوع النسبية كيف أن مُعَجِّلات الجُسيمات، التي تم بناء أولها بعد أكثر من نصف قرن على كتابة مُعادلة أينشتاين الشهيرة، لها القدرة على صدم الجسيمات الذرية بعضها ببعض عند سرعات عالية تقترب من سرعة الضوء، فتَنْتُج جسيمات «جديدة»، لم نكن نعرف عنها شيئا من قبل، وتدخل – بالضرورة – ضمن بناء هذا الكون عند مستوى وحداته البنائية الأولى. والأكثر طرافةً، أن مُعَجِّلات الجُسيمات أنتجت أحيانا جُسيمات من طاقة محضة!

الوِحْدات البنائية الأولية للمادة:

منذ نحو 100 عام، سَلَّطَ إيرنيست رَذّرفورد Ernest Rutherford، بمساعدة هانز جايجَر Hans Geiger وإيرنيست مارسدِن Ernest Marsden، جسيمات ألفا على شريحة رقيقة من الذهب، ليدرس ما الكمية التي ستعبر الشريحة، وتلك التي سترتد من عليها. كان ذلك إيذانًا ببدء طريق طويل سلكه العلماء التجريبيون لسبر أغوار التركيب الذري. فعرفنا أن الذرة تتألف من سحابة من الإلكترونات، تتواجد حول نواة بها جسيمات موجبة (البروتونات Protons)، وأحيانًا جسيمات مُتعادلة الشحنة (نيوترونات Neutrons)، اللذان يُسمونهما معا النيوكليونات Nucleons، وأن النواة ضئيلة الحجم قياسًا على الذرة ككل. كما عرفنا – لاحقًا – أن البروتونات والنيوترونات تتألف من كواركات Quarks.

في علم الكيمياء تتعلق الدراسة بالتفاعلات التي ينتج عنها إعادة ترتيب الإلكترونات حول النواة في العناصر، أو حول الأنوية المختلفة في المركبات. وفي جميع الأحوال، تتحكم القوة الكهرومغناطيسية في إعادة الترتيب تلك، لتنتج لنا المركبات الكيميائية، التي نجدها في الطبيعة أو ننتجها في معاملنا أو مصانعنا.

ماذا عن النواة إذًا؟ يجيبنا العلم بأن داخلها عالمٌ يموج بتفاعلات غاية في التعقيد، وجسيمات مسؤولة عن الكتلة، وأخرى مسؤولة عن الطاقة. إنها مُسْتَوْدَع الطاقة النووية الهائلة، إنها «الجِنِّي في مِصباح علاء الدين»، لكن لذلك قصة أخرى على أية حال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد