سخرت الولايات المتحدة الأمريكية جميع وسائلها الدعائية والإعلامية الضخمة لترسيخ انطباع تغلبها في المواجهة السياسية والعقائدية، وأنها حسمت معركة البقاء مع الاتحاد السوفيتي لصالحها، الذي عدت هزيمته انتصارًا لها وللفكر الليبرالي، القائم على فكرة أن الولايات المتحدة هي القوة الاقتصادية الأولى.

طبيعة النظام السياسي الأمريكي:

تقوم الولايات المتحدة على النظام الرئاسي Presidential System بدستور صادر منذ عام 1787، الذي يشارك النظم الفرنسية الليبرالية المعاصرة في كونه تنظيمًا نيابيًا، ولأخذه بمبدأ الفصل بين السلطات Separation of Power في جانبيه التنظيمي والقانوني.

وتشكل أهم خصائص ومقومات هذا النظام:

  • امتلاكه للبرلمان «الهيئة تشريعية»، الذي يتم اختيار أعضائه عن طريق الانتخابات الشعبية المباشرة، ولا يتم تعيينهم في الإدارة الحكومية.
  • قيامه على عدم تجزؤ أو انقسام السلطة التنفيذية، فرئيس الدولة المنتخب من قبل الشعب والحكومة هو المسؤول أمام الدستور، إلا أن للبرلمان أو الكونجرس حق مساءلته وكبار الموظفين في حالة المخالفة.

ويصعب من خلال قراءتنا لطبيعة هذا النظام تصوره دون أحزاب أو جماعات ضغط، حيث يقوم على نظام الثنائية الحزبية Tow-Party System، الذي يشكله في الحاضر الحزبين الرئيسين (الجمهوري والديموقراطي)، المتسمين بالديمومة، بسبب شعبيتهما التي نالاها من خلال فتح باب عضوية الانضمام للحزبين أمام كل فئات المجتمع. يجمع كلٌّ من الحزبين قواه كل أربعة أعوام من أجل الانتخابات الرئاسية، التي تتم عبر مرحلتين؛ الفوز بالترشيح داخل الحزب، والنجاح في الانتخابات العامة. ويتزاحم الحزبان أيضًا حول المناصب العامة الأخرى، مثل: عضوية الكونجرس، ورئاسة البلدية.

وبالإضافة إلى الثنائية الحزبية التي يتميز بها النظام الحزبي، والسياسة المرنة للاشتراك به، يختلف تنظيم الحزب الواحد من ولاية إلى أخرى، فيؤدي جميع ذلك إلى التركيز على المرشح نفسه وقضاياه، وليس على الحزب فقط. ولا يظهر الصراع بشكل كبير في الانتخابات العامة؛ لأن الحزب الديموقراطي هو من يسيطر على معظم الولايات الجنوبية، في حين يبسط الحزب الجمهوري نفوذه على بعض الولايات الشمالية، وبالتالي فإن مرشح الحزب المسيطر هو المرشح للفوز. فتعد الأصوات الممنوحة للأحزاب الصغيرة أصواتًا مهدرة، فعلى الصعيد السياسي الوطني العام، لم يتمكن أيًا منهما من إيصال مرشحه إلى سدة الحكم إلا مرة واحدة، وذلك عام 1860، عندما رشح الحزب الجمهوري (إبراهام لينكولن) لمنصب الرئاسة، وكان في ذلك الحين الحزبي المسيطرين (الديموقراطي، والويغ).

وقبل أن ننتقل للحديث عن المعارضة السياسية تجدر بنا الإشارة إلى أن قيام هذه الحكومة الحزبية كانت خارجه عن إرادة المؤسسين الأوائل، إلا أن أغلبيتهم وجدوا أنفسهم منتسبين إلى حزب سياسي خلال توليهم للمناصب الحكومية، حتى أن الكونجرس كان في الأصل غير حزبي، إلا أن أيديولوجيتين متنافستين سادتا في أوساطهم. بالإضافة إلى أن الدستور لم يتضمن أية مادة، أو فقرة تشير إلى وضع الأحزاب السياسية، ولم يحدد مواقف محددة من المشاكل السياسة العامة التي قد تنتج عنها، وذلك لعدم وجود أي تنافس حزبي على منصب الرئاسة أثناء وضعه.

المعارضة السياسية الأمريكية

يتميز النظام الأمريكي بدقة توزيعه للمسؤوليات بين الحكومة والمعارضة، وتوافقه بين حزب الأغلبية وحزب الأقلية، فبينما يسعى الأخير جاهدًا لتحقيق الفوز في الانتخابات القادمة، يتحمل كذلك مهمة مراقبة الحكومة ومحاسبتها عن أعمالها. ويتميز النظام بوجود قنوات غير رسمية، إلى جانب الرسمية (للاتصال ما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية)، التي تبرز أهميتها عندما يسيطر حزب المعارضة على الهيئة التشريعية، في الوقت الذي يسيطر حزب الرئيس على السلطة التنفيذية، وفي مثل هذه الظروف فإنها توفر إطارًا مهمًا يساعد على صنع السياسة العامة، من خلال المساومة السياسية.

وتمتلك المعارضة في هذا النظام الوسائل والإمكانات التي تمكنها من حد سلطة رئيس الدولة، وتحديدًا في الأمور المالية، كما تملك الحق في تعديل أو رفض أو إلغاء «الاتفاقيات» التي يعقدها، إلا أنها لم ترتق بوظيفتها لا من حيث الإجراءات، ولا من حيث التطبيق والآليات، إلى المستوى الذي وصلت إليه المعارضة البرلمانية، ففي النظام الرئاسي الأمريكي عطلت حقوق المعارضة في (حق السؤال والاستجواب)، وطرح الثقة في رأس السلطة التنفيذية ووزرائه، علي خلفية المساواة الدستورية لأعضاء «السلطة التشريعية» ورئاسة «السلطة التنفيذية»، وبمحدودية وظيفة المعارضة، فإن حجم تأثيرها مرهون بما إذا كانت الأغلبية التشريعية من حزب الرئيس أم لا، وبقوة شخصية الرئيس وحنكته السياسية، إلى جانب ذلك يفتقد النظام الدستوري إلى عنصر مهم وهو الانضباط الحزبي؛ فمن المألوف تأييد نواب جمهوريين لمرشح ديموقراطي، أو العكس؛ الأمر الذي يؤدي إلى غياب المُعارضة الدائمة.

المعارضة خلال ثلاث دورات رئاسية

الأولى جورج دبليو بوش:

حُسمت الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة لعام 2000 لصالح جورج دبليو بوش، ممثل (الحزب الجمهوري)، على منافسه من (الحزب الديموقراطي) ألبرت جور، بعد أن قضت المحكمة العليا الأمريكية بوقف إعادة فرز الأصوات، ومنحه أصوات مندوبي فلوريدا الخمسة وعشرين، ليكون الرئيس الثالث والأربعين، متخطية عدم كفاية اكتسابه للأصوات في المجمع الانتخابي، حيث حصل على صوتين من ثلاثة أصوات يمثلها منتخبين من الحزب الجمهوري، لامتناع أحد المنتخبين بسبب سخطه من قضية محلية. فاعتبر البعض أن اعتلاء بوش للحكم كان خرقًا للدستور، نظرًا لأنه خسر في التصويت الشعبي الحاسم، فضلًا عن تلقيه الدعم من عدة أطراف تدخلت في عملية فرز الأصوات.

وبعد فوز بوش في انتخابات رئاسية ثانية لعام 2004، تلقى العديد من الانتقادات – من جميع الأطراف السياسية – لخوضه حرب العراق، ولكيفية تعامله مع إعصار كاترينا، وغيرها من التحديات، التي استعاد منها الحزب الديموقراطي المعارض سيطرته على الكونرس في انتخابات مجلس الشيوخ عام 2006، ومن ثم دخلت الولايات المتحد فترة الركود في ديسمبر (كانون الأول) 2007، والتي تعد الأطول بعد ركود الحرب العالمية الثانية Great Depression، وللخروج منها سعت إدارة بوش للحصول على موافقة الكونغرس لإقرار برامج اقتصادية متعددة، تهدف إلى الحفاظ على النظام المالي للبلاد، إلا أنها حصلت على أدنى درجات الموافقة الشعبية، وأعلى المعدلات في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول).

تمحورت الأحزاب الصغيرة في عهد بوش حول الديموقراطيين، والذي كان من المتوقع أن يكون الحزب المعارض لسياساته، إلا أنه خلال عقد مر فاز ممثلوه في الانتخابات عبر دعمهم لقضايا مركزية أو مركزية يمينية، لطالما دعمها الجمهوريون تاريخيًا، لذلك عرف العديد منهم وعلى سبيل السخرية باسم «الجهوريين الناقصين»، أو «المعارضة الوفية»، أو «ديموقراطيو بوش». ولم يقتصر ذلك إلى هذا الحد، بل إنه في تاريخ 15 يونيو (حزيران) لعام 2008، فشل مشروع إقالة بوش بأصوات الديموقراطيين وبتأييد جمهوري. وقد يكون التفسير الأقرب لذلك هو توظيف إدارة بوش للمبادئ الأساسية للحزب الديموقراطي، والتي تضمنتها السياسة الخارجية للرئيسين ترومان وكنيدي، وخاصة فيما يتعلق بنشر مبدأ الديموقراطية في العالم، الذي كان سائدًا بين صفوف قاعدة الحزب. ومن هذا السياق دعا مارشال «الديموقراطيين» إلى البدء باسترجاع أرضية الحزب عبر طريقتين أساسيتين؛ الأولى: فضح الجرائم التي ارتكبتها إدارة بوش، لكي تستعيد أمريكا سمعتها كراعية لحقوق الإنسان في العالم. والثانية: التخلي عن ممارسة الازدواجية في تطبيق الديموقراطية، ففي حين فرضتها أمريكا على بعض الأنظمة مثل: سوريا وإيران، تغاضت عنها في أخرى. وعلى الرغم من موقف الديموقراطيين تجاه سياسات بوش، توسعت المعارضة بشكل كبير في عهده بسبب سياساته، والتي اعتبرت حتى ذلك الوقت «غير أمريكية»، إلا أنها اكتسبت شرعية واسعة بعد أن أظهرت الخروج المتكرر لإدارته عن المثل التي قامت عليها الولايات المتحدة.

الثانية. باراك أوباما:

أحرز الديموقراطي باراك أوباما الفوز الساحق على منافسيه من الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية لمرتين؛ الأولى في عام 2008 على «جون ماكين»، والثانية في عام 2012، على «ميت رومني»، وذلك بالرغم من الصعوبات التي واجهت الولايات الأمريكية بسبب الركود الاقتصادي، والسياسة الخارجية لها. وشكل فوز أوباما في كل الولايات – باستثناء ولاية كارولينا الشمالية وإنديانا – إلى جانب تفوق الديموقراطيون في التصويت الشعبي لمجلسي النواب والشيوخ، انتصارًا حقيقيًا للديموقراطية.

توعد أوباما بتخفيف الانقسامات السياسية الحادة في البلاد، والعمل لصالح الناخبين الذين لم يعطوه أصواتهم، وكانت مهمته الملحة هي التعامل مع الأزمة الاقتصادية، وإنهاء الحربين العالقتين في العراق وأفغانستان، ومحاولة الإصلاح الشاملة لنظام الرعاية الصحية الأمريكي، وأما المدهش فكان موقف المعارضة الجمهورية معه؛ حيث تواصل ممثلها في الانتخابات بأوباما وهنأه على الفوز وامتدح حملته «الملهمة الكاسحة التي حطمت كل المقاييس السابقة.»، وحث الأمريكيين على التكاتف خلف أوباما قائلًا: «أنه يعتزم مساعدة أوباما في التغلب على التحديات الكثيرة التي تواجه الأمريكيين». ومن ثم أعلنت شخصيتان من الحزب الجمهوري انضمامهم إلى المرشح الديموقراطي، وهما وليام ويلد، حاكم ولاية (ماساتشوستس السابق)، وتشارلز فرايد ممثل الحكومة السابق لدى المحكمة العليا في عهد رونالد ريغان.

وبالرغم من تعرض أوباما للعديد من الانتقادات الأساسية التي لم تجد إجابة حقيقة، إلا أن المعارضة الداخلية تعرضت إلى التهميش.

الثالثة. دونالد ترامب:

أعلن الحزب الجمهوري الأمريكي في عام 2016 أن «دونالد ترامب» هو مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بعد انسحاب منافسه «تيد كروز» بعد هزيمته في انتخابات إنديانا. بالإضافة إلى انسحاب كل من حاكم ولاية أوهايو، وعضو مجلس الشيوخ عن ولاية فلوريدا، والمرشحون الآخرون في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري. وأصبحت (هيلاري كلينتون) وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، المرشحة الرئاسية للحزب الديموقراطي، بالإضافة إلى العديد من المرشحين من أحزاب أخرى.

أعرض المؤتمر الوطني الجمهوري في كليفلاند الخوف والكراهية بعد ترشيح ترامب رسميًا، وأعرب الحزب الجمهوري معارضته له، على الرغم من أنه تلقى الدعم من بعض مستشاريه، لاطمئنانهم إلى التزامه بوجهات نظرهم. وخضعت عملية الاختيار بين المرشحين «كلينتون وترامب» لمعايير مختلفة، كان الأصعب منها المتعلق بمدى تناول كل منهم لموضوع تأثير السياسة الخارجية على الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. والتي أظهر فيها ترامب الكثير من الانحرافات، حيث شكلت قفزات سياسية غير مدروسة وسابقة، أهمها إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، ومن ثم دعم حروب الشرق الأوسط التي شهدها بعد ثورات الربيع العربي، مثل ما تقوم به من صفقات السلاح مع السعودية في حربها عل اليمن، وعلى الرغم من استهجان الرأي العام والمعارضة في الولايات المتحدة، إلا أنها لم تتخذ أية خطوات حاسمة إزاء الحد منها، وخاصة أنه بمقدورها منع الدعم المالي. وعن شعبية ترامب، بالرغم من هذه الانحرافات نستطيع تفسيرها بتعليل تشومسكي: «إن الخوف الذي يتملك الأمريكيين من المستقبل ومن المجهول، وجهلهم بالسياسة الخارجية وتداعياتها على الداخل، إضافة إلى الانهيار المجتمعي والخوف من مرحلة ما بعد الليبرالية Liberalism، فالناس يشعرون بأنهم معزولون وعاجزون، وأنهم ضحية القوى المسيطرة التي لا يفهمونها، ولا يستطيعون التأثير فيها».

فندرك أن التجربة الأمريكية بالرغم من أنها تعد النظام الأبرز في تطبيق النموذج الليبرالي، إلا أنه يظهر فيها العديد من الأخطاء المناقضة لمقولاتها، وذلك لا يعود كما أوردنا من قبل إلى مرونة النظام الحزبي، وإنما لعدم التفعيل الحقيقي لحقوق المعارضة، بالرغم من امتلاكها وتمكنها ظاهريًا للعديد من الوسائل والإمكانات التي تمكنها من حد سلطة رئيس الدولة المخلة بالدستور، أو بمبادئ القانون الدولية؛ مثل تلك الوسائل، وكما تمت الإشارة إليه سابقًا، ضبط جانب الصرف المالي، وامتلاك حق تعديل أو رفض أو إلغاء «الاتفاقيات» التي يعقدها. فيشير ذلك إلى انحياز الأحزاب المعارضة إلى إدارة بوش، ومن ثم تهميشها في عهد الرئيس أوباما، وأخيرًا عدم ارتفاع أصواتها واستنكارها لسياسات الرئيس ترامب الداخلية بوجه خاص، والخارجية بوجه عام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد