في شهر يناير (كانون الثاني) 2021، قام معهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية بالمغرب باستطلاع رأي حول توجهات الفئة الناخبة التي ستحكم نتائج الانتخابات العامة لنفس السنة، وقاس الاستطلاع مدى استعداد المغاربة للتصويت على الحزب السياسي الذي يتبنى الخطاب الديني من خلال السؤال، هل يعتبر التدين معيارًا لاختيار الحزب السياسي؟ نتائج الاستطلاع في هذا الشق جاءت غير معتادة مقارنة بتوجهات الناخبين في الاستحقاقات الماضية لسنتي 2011 و2016، حيث أكد 84.2% من المستجوبين أن التدين لن يكون معيارًا لاختيار الحزب السياسي، واعتبر 11% فقط من المستجوبين أن التدين سيكون معيارًا لاختياراته، بينما لم تحدد 5% من الفئة المستجوبة أي موقف بخصوص هذا المعيار. بعد سبعة أشهر من الاستطلاع، تم إجراء الانتخابات العامة يوم 8 سبتمبر (أيلول) 2021، حيث أكدت النتائج المحققة على أرض الواقع ما تم قياسه من خلال استطلاع رأي المعهد، وذلك بسقوط مدوي لحزب العدالة والتنمية المغربي، والذي يتبنى الإسلام السياسي كمرجعية أيديولوجية واستعمل الخطاب الديني من أجل استمالة الفئة الناخبة. السؤال الذي تطرح نفسه الآن هو كيف تحولت توجهات الفئة الناخبة بالمغرب من اعتبار التدين معيارًا أساسيًا لاختيار الحزب السياسي، إلى تبني نظامٍ عَلَمْ يفصل الدين والتدين عن السياسة في اختيار المُنتخِب لمن سيدبر شؤونه السياسية والاقتصادية.

في أول خروج لقادة حزب العدالة والتنمية بعد ظهور النتائج، أعربوا عن صدمتهم من نتائج الانتخابات ولم يجدوا لها تفسيرًا، فقد صرح إدريس الأزمي القيادي بالحزب لوسائل الإعلام قبيل الدخول للاجتماع الاستثنائي للأمانة العامة الذي عقد يوم 9 سبتمبر 2021 بأن نتائج الحزب غير مفهومة وغير متوقعة، مضيفا أن هذه النتائج تحتاج فعلًا لمن يشرحها ويفسرها، من جهته كتب عزيز الرباح على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» أنه «لا يجد أي تفسير لنتائج الحزب الكارثية، معتبرًا أنه «لو احتسبنا فقط الأعضاء والمتعاطفين، وأسرهم، والأقرباء، والأصدقاء، والجيران، وبعض الموظفين الذين جربونا، وبعض المقتنعين بالعمل والجهد والنزاهة… لو احتسبنا هذا فقط لكان الحزب في الرتب الأولى وبامتياز». القيادية والبرلمانية عن حزب العدالة والتنمية أمينة ماء العينين في تدوينة لها هي الأخرى على حسابها بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» عبرت: «لقد ظللنا نهرب من النقاش الحقيقي، بل اخترنا الالتفاف على النقاش بإبداع آليات تنظيمية يسيرها مهندسو التنظيم، بدل قرار الصراحة والوضوح والقدرة على التقاط الإشارات الشعبية قبل الرسمية التي تم إطلاقها منذ مدة، وروجنا لوهم كبير مفاده أن كل شيء بخير، وأن شعبيتنا لم تتأثر، وأن أزمتنا داخلية، وأن المنتقدين يعيشون حالة نفسية تحتاج إلى علاج، في وقت كان فيه جزء من قيادتنا مصاب بمرض «إنكار الواقع»، وإلا فكيف نفسر ارتفاع أصوات عدد كبير من المنتقدين من أبناء الحزب لواقع الحزب ومساره بغيرة وحرقة استمرت لسنوات؟ تدوينات عكست جزءًا كبيرًا من الواقع الذي عاشه الحزب، خصوصًا في السنوات الأخيرة، حيث ترسخ في اعتقاده أنه يملك قاعدة من المريدين المتجردين عن إرادتهم، يجددون العهد والوفاء للزاوية عند كل عملية انتخابية، عن طريق طقس وضع العلامة على صورة المصباح ووضع الورقة بالصندوق الشفاف كل خمس سنوات.

ظهر في أوائل تسعينات القرن الماضي مصطلح ما بعد الإسلام السياسي أو ما بعد الإسلاموية POST ISLAMISM في كتابات الباحث الفرنسي «أوليفييه روا»، وخصوصًا في كتابه فشل الإسلام السياسي الذي تحدث فيه عن إخفاق الحركات الإسلامية في تحقيق أهدافها بإقامة الدولة الإسلامية في العديد من الدول كمصر، والجزائر، والسودان، والصومال، وغيرها. في النصف الثاني من التسعينات سيكتب الباحث السوسيولوجي الإيراني آصف بيات مقالًا بعنوان وصول مجتمع الما بعد الإسلاموية، وعرف بيات ما بعد الإسلاموية على أنها المرحلة التي تلي الاستنزاف الفكري والأيديولوجي والسياسي التي وصلت إليها الإسلاموية التقليدية، التي ستفقد الجاذبية بين قواعدها ومؤيديها، مبينا أن الإسلاموية هي مجموع الأفكار والحركات التي تسعى الى إقامة نظام حكم إسلامي عن طريق «الدولة» التي تستمد مشروعيتها من الدين وتحكم به عن طريق تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال القوانين التي تمس الأخلاق، وتضم المجتمع العقدي الذي يسعى إلى «إقامة الخير» و«محو الشر»، هذان الأخيران يعتبران هدفين إستراتيجيين يؤمنان الرفاه والخدمات الاجتماعية. ووفق بيات فإن ما بعد الإسلاموية تتبنى خطابًا انقطاعي عن النموذج الإسلاموي، ويؤكد أن الخطاب ليس انقطاعًا عن الدين كليًا وسعيًا نحو العلمنة الشاملة، بل يبقى للدين حضور في المجال العام، ويبقى مكون تأثير. من خلال ما سبق هل يمكن القول أن المجتمع المغربي الذي ساند وزكى الإسلاموية طيلة عقد من الزمن دخل في مرحلة ما بعد الإسلاموية؟ هل أصبح الخطاب الذي يتبناه حزب العدالة والتنمية الإسلامي غير منتج لأي تأثير حتى بين قواعده ومؤيديه؟ ما أسباب فقدان ثقة الناخب هذا الحزب؟

اعتمد حزب العدالة والتنمية على الخطاب الأخلاقي، وسوق لمشروع «إقامة الخير» و«محو الشر» بالمجتمع، واتخذ من محاربة الفساد شعارًا في أول ولاية له. خطاب اصطدم بأفعال وسلوكيات وزرائه، ونوابه، وقادته الأخلاقية، والتي جعلت صورته تتأكل في ذهنية المواطن، وجعلت منسوب الثقة فيه يتدنى إلى مستويات قياسية، خصوصًا في ولايته التشريعية الثانية، التي عرفت اندلاع مجموعة من الحراكات الاجتماعية التي تم إطفاءها بالمقاربة الأمنية، كذلك عرفت شوارع المملكة تدفق الآلاف من الشباب المحتج، منهم الأساتذة المتعاقدون، والأطباء، والأطر الصحية، والمعطلون وغيرهم. لقد وجد الملايين من شباب المغرب أنفسهم في دوامة انتظار دامت 10 سنوات سرقت للعديد منهم وقت عمره بعد أن وجد نفسه خارج فئة الشباب، وداخل فئة الكهول، دون أن يحقق ولو النزر اليسير من حقوقه المشروعة في الشغل والتعليم والصحة.

إن المغرب سيدخل اليوم مرحلة ما بعد حكم الإسلام السياسي، مرحلة زكى فيها الناخبون حزبين ليبراليين، وآخر محافظ في المراتب الثلاث الأولى، ومهما كانت تركيبة الحكومة الجديدة، فإنها ستعمل خارج ضغط بعض القوى الخارجية التي كانت تعارض تواجد حكومة الإسلام السياسي بالمغرب، وكانت تعتبرها امتدادًا لحركة الإخوان المسلمين، رغم تنصل حزب العدالة والتنمية من التبعية للإخوان. كما أن المغاربة وإن زكو بعض الأحزاب، فإنهم يعتبرونها بديلًا مؤقتًا في انتظار انبعاث كيان سياسي يلبي طلباتهم، ويحدث انفراجًا سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، وحقوقيًا، ويوافق بين جميع مكونات الدولة المغربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد