يسير العالم نحو المزيد من الفوضى. يستطيع الراصد للظواهر الاجتماعية المعاصرة ملاحظة ذلك بسهولة، فكل شيء حولنا يفضح العشوائية ويشير إلى موطن من مواطن الاضطراب: اللباس، والموسيقى، والتقاليد، وحتى الأحاديث العابرة على المقاهي. فما هو مصدر هذه الفوضى؟

وقف العالم مخذولًا أمام مآسي الحرب العالمية الثانية، فقرر محاكمة منابع الفكر السائد الذي وصل بالناس إلى هذا الحد. نتيجة لذلك انتشرت موجة من الهجوم على المسلمات، على كل الأصعدة، اتسمت بالتشكيك والسخرية من الأوضاع القائمة. وقد اصطلح على تسمية المرحلة «ما بعد الحداثة». فهل تأثرت الأكاديميا أيضًا بالهجمة ما بعد الحداثية الشرسة؟

يصطدم أكاديميو ما بعد الحداثة مع الأكاديميا القديمة -الكلاسيكية والحداثية- من عدة جوانب، أولها أنهم يؤمنون بأن العلم لا مسلمات فيه ولا قواعد كبرى ولا خطوط عريضة. وحسب المنطق القديم -الذي لا يؤمن به ما بعد الحداثيين- فإن افتراضًا كهذا يقود إلى نتيجة واحدة، وهي «لكلٍّ علمه». أما الدراسات القديمة فتبني افتراضاتها، وتحليلاتها، وربما أسئلتها الجوهرية على فرضيات كبرى قائمة بالفعل. فالعلم من المنظورين الكلاسيكي والحداثي تراكمي، يُبنى على مدار السنين والعقود والقرون. ولا شك أن بعض العلم يحتاج إلى «تنقية» وإعادة هيكلة، أو مزيدًا من الشروح، ولكن ليس على طريقة ما بعد الحداثيين، الذين يهدمون البناءات القديمة تمامًا دون عرض نماذج بديلة. وربما يظن قارئ لهذا المقال أن الحل سهل، فالنماذج الجديدة قادمة إلينا لا محالة، ولكنها مسألة وقت فقط. في الحقيقة، المسألة هنا أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. ففلسفة ما بعد الحداثة قائمة بشكل أساسي على رفض فكرة النماذج، فإذا قدمتْ نماذج جديدة فقدت هويتها وجوهرها، وربما أصبحت -بعد مئات السنين- جزءًا من المرحلة الحداثية.

ولعل عرض بعض النماذج التي يحاكمها هذا التوجه الفكري العالمي الجديد يسعفنا في فهمه بشكل أدق. من بين النماذج العديدة التي يرفضها ما بعد الحداثيين اللغة. رأى جاك دريدا -فيلسوف التفكيكية الأشهر- أن اللغة لا تعبر عن الواقع بشكل كافٍ، ولا تخضع لأية لقوانين، فبالتالي هي ليست ثابتة، لا في مفرداتها ولا في قواعدها ولا في دلالاتها. من وجهة نظره، المعاني ليست إلا جزءًا من الواقع ظهرت لنا على حساب تنحية معانٍ أخرى، معانٍ تقبع في أحيان كثيرة في أماكن لا منتهية تتوسط المعنيين المطلقين السائدين. وعليه فاللغة غامضة، وليست حقيقية، بل مجازية، والنتيجة هي أنه لا يمكن الوثوق باللغة بشكلٍ كافٍ. واللغة هي قالب الأكاديميا -والفنون والآداب والتاريخ- فإذا كانت اللغة نموذجًا غير صادق -من وجهة النظر التفكيكية- فكيف نثق بما يُقدَم بداخلها!

هاجم دريدا النماذج اللغوية، وشكك في صدق وثبات نماذجها، واقترح هدمها، أو على الأقل عدم التعامل معها بثقة كافية. وهذه الفكرة الخطيرة نفسها التي يتبعها ما بعد الحداثيين يمكن إسقاطها على متغيرات فرعية أخرى مؤثرة في الأكاديميا، كعلوم التاريخ مثلًا. فالتاريخ كما يراه ما بعد الحداثيين ليس إلا روايات أحاديةُ وجهةِ النظر، فبالتالي متحيزة، بالإضافة طبعًا إلى قصور القالب اللغوي المقدمة فيه، كما أسلفنا. تلاقي ما بعد الحداثة هجومًا عنيفًا، إما مباشرًا على فلسفتها أو جوهرها، أو غير مباشر جاء على شكل نقد لآثارها الأدبية والفنية والاجتماعية. انتقدها فلاسفة ومفكرون كبار مثل نعوم تشومسكي، ووليام كرايغ، وآلان سوكال. اتهمت ما بعد الحداثة بأنها غير مجدية، وغامضة تتعمد استخدام مصطلحات مضللة. فما هو مصير هذا الصراع بين الأفكار المختلفة؟ هل سينتصر ما بعد الحداثيين فنرى في المستقبل أكاديميا عائمة؟ ودراسات فردية لا تقوم على نماذج؟ أم سيقلب عليهم الكلاسيكيون والحداثيون الطاولة فتستمر النماذج والمسلمات بمفاهيمها الحالية؟

برع ما بعد الحداثيين في تصدير فكرة أن النماذج العلمية القديمة ليست إلا لعبة في يد البرجوازيين يسيطرون بها على العلم والعالم، كدافع للهجوم على الكلاسيكية، وتصدير فلسفتهم التي دائمًا ما تشير إلى أنها قامت لأجل الفهم الحقيقي للإنسان على اعتباره مركزًا لهذا العالم. حتى الكلاسيكيون يعون تمامًا أهمية التجديد، ويعرفون الاستخدامات السياسية والعسكرية الجائرة للنماذج العلمية المعاصرة، ولكنهم لا يعتبرون أن الطريقة السليمة للتجديد تبدأ بالهدم الكامل، فهذه طريقة صبيانية جدًا من وجهة نظرهم، تشبه أن تكون مفلسًا، وترى تصَدُّعَ جدران بيتك، فتقوم بهدمه، ثم تجلس في الشارع! الطريقة الأنسب -كما يراها مهاجمو ما بعد الحداثة- هي التنقيح، والاستمرار في السير على النماذج المعاصرة دون التوقف عن تطويرها، أو إيجاد نماذج أكثر دقة منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد