تعرف تونس في الخامس عشر من سبتمبر (أيلول) الجاري انتخابات رئاسية سابقة لأوانها، وقد تقدم لهذه الانتخابات 26 مترشحًا من أحزاب وتيارات وتوجهات مختلفة.

ينقسم المترشحون عمومًا إلى ثلاث مجموعات وهي مجموعة أنصار الثورة ومجموعة أعدائها ومجموعة التيار الشعبوي.

كان من المفترض أن يكون التنافس خلال هذه الانتخابات على أساس البرامج والتوجهات استنادًا إلى أرضية واضحة الانطلاق فيها من مقولات ثورة الحرية والكرامة ومبادئ دستور 2014، إلا أن ما سبق هذه المحطة من أزمة اجتماعية واقتصادية إلى جانب الأزمة السياسية المتواصلة منذ أكثر من سنتين تسبب في ظهور أرضيات جديدة للتنافس، لعل أبرزها أرضية الانتصار للثورة أو معاداتها، حيث يستمد بعض المترشحين قوتهم من خطابهم المعادي للثورة في حين أن البعض الآخر يرتكز خطابه على اعتبار نفسه نصيرا للثورة ومبادئها، وبين هذا وذاك يبرز تيارًا شعبويًا من خارجة منظومة الانتقال الديمقراطي برمته فالتنافس اليوم قائم في أحد وجوهه على مشروعية وشرعية الثورة الذي يضع مسألة تواصل مرحلة الانتقال الديمقراطي محل تساؤل.

تعتبر تونس من الأقطار التي تجاوزت مخاطر الردة على الثورة ولم يبق الكثير لاستكمال المسار الانتقالي الديمقراطي والاطمئنان على صعوبة العودة إلى الوراء، وتعد المحطات الانتخابية القادمة أحد ضمانات ذلك.

التشتت في خدمة أعداء الثورة

الملاحظ في محطة الانتخابات الرئاسية هو كثرة المترشحين، ولكن أيضًا تعدد المترشحين الممثلين لتيار الثورة، وكذلك الممثلين للتيار المضاد لها، إلا أن الفرق بين الفريقين هو ما يتميز به الفريق الثاني من إمكانيات مالية وإعلامية، ودعم من جهات فاعلة بما مكن المختلفين داخله من المنافسة على المراتب الأولى في حين يضعف التشتت الفريق الأول ويقطع الطريق على أبرز المرشحين بينهم، وهو الأستاذ عبد الفتاح مورو مرشح حركة النهضة.

يعد الأستاذ مورو اليوم، وحسب ما تبرزه الأرقام المتداولة وتفاعل الشعب في الميدان، أبرز المرشحين عن تيار الثورة ويعود ذلك أساسًا إلى اعتباره مرشح حركة النهضة التي تعتبر  أحد القوى الأساسية في البلاد، بالإضافة الى ما تتميز به شخصيته من طرافة وحكمة وما يحمله من إرث نضالي.

مثل تواجد حركة النهضة في السلطة أحد تجليات تواصل مرحلة الانتقال الديمقراطي فيها وتعبيرة من تعبيرات نجاح الاستثناء التونسي في منطقة الربيع العربي، الا أن هذا المنجز لا يحظى بإجماع وتقدير أبنائها ومناصريها الذين تستميلهم أحيانًا بعض الخطابات الشعبوية التي لا تتماشى ورهانات الواقع.

أنصار النهضة ومدى الوعي باللحظة

قدر مجلس شورى حركة النهضة ضرورة دخول الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها بمرشح من قياداتها وهو الأستاذ عبد الفتاح مورو و قد انبنى هذا التقدير على جملة من المعطيات الداخلية والخارجية التي رجحت هذا الخيار.

مثل تقديم النهضة لمرشح منها للانتخابات الرئاسية، لأول مرة في تاريخها، حدثًا بارزًا في الساحة السياسية وتفاعل مع هذا الحدث عدد من الأطراف الداخلية والخارجية إلا أن المميز هنا هو غياب اعتراض علني لأي طرف على هذا الترشيح وربما يعود هذا الغياب لما تحظى به شخصية الأستاذ مورو من قبول واسع في الساحة السياسية الداخلية وحتى الخارجية.

يطرح الأستاذ مورو برنامجًا انتخابيًا منسجما مع روح الثورة ومبادئها من حرية وكرامة قوامه الانتصار إلى قيم الشعب التونسي وثوابته والعزم على محاربة الفساد بقوة، بالإضافة إلى الانتصار إلى الفئات والجهات المهمشة والضعيفة.

وضعت حركة النهضة نفسها ورمز من رموزها  بهذا الترشيح على ميزان جديد وهو ميزان الانتخابات الرئاسية كما وضعت الثورة واستمراريتها على المحك أيضًا نظرًا لما يمثله موقع رئيس الجمهورية من أهمية في صون الدستور وقيمه وضمان وحدة الشعب وثوابته، وأيضًا نظرًا تمثله الانتخابات الرئاسية من رهان مهم، ولكن أيضًا نظرًا لما لها من تأثير مباشر على الانتخابات التشريعية.

سيكون للانتخابات الرئاسية انعكاسات واضحة على التشريعية؛ إذ إن حملتها ستكون المحرك الذي سيظهر مدى استعداد الأحزاب للانتخابات الرئاسية كما ستكون نتائجها عامل تحفيز من عدمه لأنصارها في الانخراط في الحملة التشريعية وسيكون لها وقع يوجه الناخب العادي في التصويت خلال التشريعية.

إن المتتبع للمسار السياسي في تونس منذ 2011 يلحظ ان النهضة هي أكثر أحزاب فسطاط الثورة تنظيمًا وجماهيرية بما تبوئها لقيادة هذا الفسطاط وتمثيله في مواجهة الثورة المضادة.

يعرف فسطاط الثورة منذ مدة انقسامات عديدة كما هو الشأن في الفسطاط المقابل إلا أن الفرق بين المجموعتين هو في قدرات المجموعة الثانية المالية واللوجستية والإعلامية، بالإضافة إلى ما تحظى به من دعم خارجي وهو ما جعلها تحسن التمركز في الساحة وما جعل ممثليها يتقدمون في نوايا التصويت.

إن الملاحظ اليوم يقف على ضعف جلي في إدارة حملة الأستاذ عبد الفتاح مورو، وقد يعود ذلك إلى تأخر النهضة في الإعلان عن مرشحها بما انجر عنه من تأخر في الاستعدادات، وأيضًا إلى ضعف في الفريق الذي يقوم على إدارة الحملة لنقص في خبرة بعضهم في هذا المجال وحداثة تكون هذا الفريق، ولكن كذلك يعود هذا الضعف إلى عدم انخراط جزء هام من النهضويين في الحملة الرئاسية لمرشحهم إلى اليوم وتلويح البعض الآخر بدعم مرشحين آخرين.

وإن كان العامل الأول أمر واقع تم تجاوزه والعامل الثاني بشيء من الجهد يمكن تداركه فإن العامل الثالث هو العبث بعينه بالثورة ومكتسباتها وهو العامل الذي قد تجني به براقش على نفسها وأهلها، حيث لن يعود هذا الخيار سوى بالوبال على مسار الانتقال الديمقراطي ولن يستفيد منه سوى مرشح الشعبوية نبيل القروي ومرشح الثورة المضادة يوسف الشاهد الذي يتضح أن الدور الثاني سيكون بينهما في حال تواصل هذا التشتت و سيجني حزبيهما ثمار صعودهما للدور الثاني بالتمكن من نتائج الانتخابات التشريعية أيضًا وهو ما يعني نهاية حلم شعب وضياع أمانة الشهداء.

ما العمل

في ظل هذا الوضع الدقيق الذي يهدد مسار شيدته دماء الشهداء وبذلت من أجله جحافل من المناضلين يطرح سؤال ما العمل.

والحل هنا واضح جلي وهو الاصطفاف وراء مرشح وحيد يضمن للثورة موقعًا في الدور الثاني من الرئاسيات، ومن ثم في قصر قرطاج، ويحفز أبناء الثورة على المشاركة بقوة في الحملة التشريعية، والحصول على نتائج تؤمن عدم النكوص على مسار سلكته البلاد وارتأت فيه الخير لشعبها.

إن المرشح الأبرز الذي يجب على قوى الثورة الاصطفاف حوله دون مغامرة هو الأستاذ عبد الفتاح مورو لما يتوفر للرجل من إمكانات ودعم يؤهله للوصول إلى قصر قرطاج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد