يعد الكاتب قاسم أمين واحدًا من بين الذين دافعوا وبشدة عن قضية تحرير المرأة، وكان ضمن الذين يؤمنون على أن للمرأة حقوقًا مسلوبة يجب أن تعود إليها، وهذا الذي جعله يكون من بين الكتاب الأوائل المدافعين عن اضطهاد المرأة داخل المجتمع المصري.

ولد قاسم أمين في بلدة طرّة بمصر في  بداية شهر ديسمبر (كانون الأول) سنة 1863م، والده تركي ووالدته مصرية، تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة طارق بن زياد، وانتقل فيما بعد مع أسرته إلى مصر، حيث استوطنا القاهرة، حصل على الثانوية العامة، والتحق بعد ذلك بمدرسة الحقوق والإدارة، ومنها حصل على الإجازة عام 1881، عمل بعد تخرجه بفترة قصيرة بمهنة المحاماة، ثم سافر في بعثة دراسية إلى فرنسا، وانضم إلى جامعة مونبلييه. بعد دراسة دامت أربع سنوات، أنهى دراسته القانونية بتفوق.

جمع قاسم أمين فيما بعد بين مهنة القضاء والكتابة، اشتهر بكونه زعيمًا للحركة النسائية في مصر، بالإضافة إلى دفاعه عن الحرية الاجتماعية، وبدعوته لتحقيق العدالة، كان من بين الأناس المحبين للتغيير، وعرف بدعوته للإصلاح رغبة في الحصول على جيل مثقف قادر على ممارسة الحياة بجميع تفاصيلها.

كان قاسم محبًا ووفيًا للفنون، وكان يعتقد أن الحياة محبة، ورحمة، وتسامح، وسلام، فكان رجلًا مثاليًا، وتدرج في مناصب القضاء حتى صار مستشارًا في محكمة الاستئناف.

اهتم قاسم بالأسلوب كثيرًا، ولم يكن يهتم بالمظهر، وأشار في كتاباته عن المرأة وبأنه ليس من المهم أن تكون محجبة، إنما المهم طريقة مشيتها تصرفاتها.. توفي قاسم الذي ناضل عن قضية المرأة عن 45 سنة في منزله.

وسنعرض في مقالنا هذا أهم ما جاء به كتابه «تحرير المرأة»، الذي نشره عام 1899، والذي أثار جدلًا واسعًا في كافة المجتمعات المصرية آنذاك.

في البداية أكد لنا الكاتب أن المرأة والرجل هما واحد، فلكل منهما نفس الأعضاء، ولا تختلف وظائف أعضائهما عن بعضها، لكن الاختلاف البسيط الذي يوجد بين الاثنين أن الرجل معتاد على العمل والفكر، ويفوق المرأة في القوة البدنية والعقلية، والسبب أن الجنس اللطيف لم يكن متاحًا لها أن تمارس كل هذه الأشياء.

خصص الكاتب قاسم أمين جزءًا من كتابه للحديث عن تعليم المرأة، فنجده قد عبر عن موقفه من هذا الأمر، وقال إنه ما زال هناك من يعتقد أن تربية المرأة وتعليمها محرم بمقتضى الشريعة، والأصح أن تكتفي المرأة بتعلم فنون إدارة المنزل من طبخ، وكنس، وخياطة، وغير ذلك يعد حرامًا.

لقد حاول قاسم الأمين أن يوصل لنا فكرة تجلت أساسًا في أن تعليم المرأة أمر لا محيد عنه، وبقدر ما تكتسب المرأة تعليمًا في حياتها بقدر ما تكون مسؤولة عن نفسها، فهي بذلك تحقق لنفسها نوعًا من الاستقلالية، وكذلك تؤهلها دراستها لتفادي أي اختلاس، أو تزوير، أو غش، قد يكون سببًا في خسارتها.

«أولئك الذين يقولون إن وظيفة المرأة تنتهي عند عتبة باب منزلها»، إنها العبارة التي رأى فيها قاسم أمين تعبيرًا عن اضطهاد المرأة في حقوقها، خاصة ما يخص حقها في التعليم، فالجميع كان «يرى نجاح المرأة مقتصرًا على كيفية تدبيرها لأمور منزلها»، وتابع في الكتاب بعبارة «عذر المرأة أنها ليست حرة، بل فقدت الحرية».

كما سلط الكاتب الضوء على الأهمية الكبرى للتربية في نجاح الزواج بين الرجل وزوجته، ذلك أن المستوى التعلمي يلعب دورًا لا يقل أهمية. لأن الرجل والمرأة جسد واحد، ويحصل الزواج بغرض الكمال؛ لأن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم، لذلك يبدأ الانجذاب بين الاثنين، ويشعر كل منهما أن لا سعادة تكتمل بغياب الآخر، لكن سرعان ما يتلاشى كل هذا الانجذاب.

بعد الحديث عن أهمية التربية والتعليم في حياة المرأة، انتقل الكاتب إلى إحداث نوع من المقارنة بين المرأة الجاهلة والمرأة المثقفة، فالأولى بالنسبة له هي تحب الرجل الذي يلاعبها نهار مساء، كما تحب الذي يكون لديه مال لا يفنى يكفيها لقضاء جميع ما تشتهي، أما الرجال الذين يقضون جل أوقاتهم في العمل ومطالعة الكتب فهم غير محبذين في نظرها، وكلما رأته منهمكًا في عمله بدأت بشتم العمل، والعلوم، وبلعن الكتب والدراسة.

رأى قاسم أمين أن تربية النساء ليس من الأشياء الثانوية، بل هو أساسي قبل أي شيء آخر، حتى أن ذلك يؤدي لإقامة مجتمع صالح، وبالتالي إنجاب أجيال صالحة من الشباب والشابات.

لقد اقتحم قاسم أمين باب الحجاب أيضًا، فدعا النساء إلى خلع الحجاب باعتباره رمز تضيق على حريتهن، وقال إن الدعوة إلى إزالته ليست خروجًا عن الدين أبدًا، وليس كفرًا بالخالق، كما تحدث أيضًا عن تعدد الزوجات وعن موضوع الطلاق، وقال: إن العزلة بين المرأة والرجل لم تكن أساسًا من أسس الشريعة، كما أن لتعدد الزوجات والطلاق حدودًا يجب أن يتقيد بها الرجل، وبذلك دعا إلى تحرير المرأة لتخرج للمجتمع هي الأخرى، وتصبح ملمة بجميع أمور الحياة، ولا تقتصر على الأشياء التي يريدها المجتمع.

إن هذا الكتاب الذي جاء من أجل إنصاف المرأة، وطالب بنوع من التغيير في المجتمع العربي، زلزل مصر بأكملها، إذ إنه أثار ضجة واسعة داخل المجتمع المصري، كما ساهم في نشوب مظاهرات واحتجاجات كان هدفها الأسمى التنديد على ما جاء به الكتاب من أفكار مختلفة تدعو إلى التغيير وإعطاء المرأة جميع ما لها من حقوق، لذلك لا يختلف اثنان على أن كتاب «تحرير المرأة» وجهت إليه أصابع نقد كثيرة، ذلك أن زعيم الحزب الوطني آنذاك «مصطفى كامل» كان قد رد على قاسم أمين بهجوم وربط أفكار كتابه بالاستعمار الإنجليزي، كما رد عليه أيضًا الاقتصادي المصري طلعت حرب بكتاب «فصل الخطاب في المرأة والحجاب»، فقال في عبارة من كتابه: «إن رفع الحجاب والاختلاط كليهما أمنية تتمناها أوروبا»، ثم بعد ذلك رد عليه محمد فريد وجدي بكتاب «المرأة المسلمة».

وبالرغم من كل ما تعرض له قاسم من نقد لاذع إلا أنه واصل مسيرته في الدفاع عن رأيه فيما يتعلق بقضية المرأة، فعاد بعد سنتين بكتاب جديد حمل عنوان «المرأة الجديدة» عام 1901، ولم يختلف الكتاب الثاني عن سابقه، فقد تضمن الأفكار والآراء ذاتها، إلا أن قاسم استدل على أقواله في الكتاب الجديد بأقوال غربيين كبار، فطالب بإقامة تشريع يكفل للمرأة جميع حقوقها الاجتماعية والسياسية، وكان قد أهدى كتابه الثاني لصديقه الزعيم المصري سعد زغلول الذي سانده كثيرًا في إصدار كتبه.

إن قاسم أمين كان ضمن الكتاب الأوائل الذين حلموا بحلم تحرير المرأة، ولأجل ذلك سعى جاهدًا إلى محاربة الفكر الذكوري في المجتمع المصري أثناء عصر النهضة، فكان أن دافع بأعلى صوته لأجل وضع حد للقيود التي قيدت المرأة من ممارسة جميع حقوقها آنذاك، كما دافع عن مطلب إخراجها من مستنقع العادات والتقاليد التي عادة ما تكون العائق وراء ممارسة حقوقها كاملة.

لقد ذاعت شهرة قاسم أمين آنذاك داخل كافة المجتمعات العربية، لكنه تلقى في المقابل هجومًا كبيرًا لدرجة أن اتهمه البعض بالدعوة للانحلال الأخلاقي، ومعاداة الدين، والرغبة في شعل فتيل الغضب بين الرجال ونسائهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد