«منذ صغرها رسمت صورا كثيرة عن زوجها المستقبلي، أحبته حتى ولو أنها لم تعرف كيف سيبدو أو كيف سيكون، أين ستلتقي به في أول مرة؟! وكيف ستكون طباعه؟! تخيلته أجمل زوج في عالمها، ذابت معه في واد من الأحلام الوردية، أغلقت عينيها مرات عديدة كي تتضح ملامحه لها! لكن القدر كان دائما يخبرها بأن تنتظر شهورا وسنينا أخرى، لكن أعواما تلو الأخرى مرت دون أن يأتي، فاختارت أن لاتربط حياتها برجل غاب سنينا لأن لا شيء يضمن لها أن يبقى بجوارها إلى الأبد».

«سمِعَتْ ذات يوم صراخ زوجة الجيران يعلو في السماء، نحيبها علا على كل الأصوات، حلفَتْ حينها أن لا تتزوج شخصا يرفع يده عليها كي يصفعها، كانت ترى دراستها هي النفق الذي سيجعلها تحصل على زوج الأحلام».

«درست ليالي طوالا، عاما بعد آخر كانت صديقاتها تتزوجن واحدة تلو الأخرى، شعور غريب أحاط بها من هنا وهناك، في كل مرة تعد بأصابعها الأعوام التي بقيت لتقفل سنين العشرينات، قرأتْ عن زوجات تزوجن بعد عقدهن الثالث، لكن هذا لم يشف غليلها، إلا أنها كانت واثقة أن ارتباطها ربما يكون حاجزا لفعل ما كانت تراه سيرفع من مكانتها وثقافتها».

«في مراحل عمري الأولى تقدم لخطبتي رجال كثر، كان باب منزلنا يطرق كل يوم وكان القصد في كل مرة أنا، رفضت الأول والثاني والثالث والعاشر وما بعدهما، كل يوم يغادرنا الضيف بعد احتساء فنجان شاي بخيبة أمل، أمي دائما ما تتوسم في كل من يقصد أبي زوجا لي في كل مرة، وأنا كنت أرفض ولو كان هذا الشاب يتسم بجميع المواصفات التي تتمناها جميع الفتيات، بمجرد أن يغادر الشاب منزلنا كنت ألام من طرف أمي عن سبب الرفض المتكرر، في كل مرة كانت أمي تعيد نفس السيناريو الذي حفظته عن ظهر قلب، ربما أعادت كلمة «عانس» مقدار أضعاف عدد الرجال الذين أتوا لزيارة أبي بنية الزواج، اخترت أن أتمم دراستي، والحقيقة أنني لم أتعرف إلى أحدهم يوما ما، كانت علاقتي مع الشبان لا تتعدى لحظات مراجعة الدروس في مكتبة الجامعة، قد أطلب من هذا وذاك المساعدة، درست الطب لأعوام، تدربت مع شباب كثر ولم أفكر يوم في سبر أغوار عالم الحب وما جاوره بالرغم من أن صديقاتي كلهن دائما ما يحكين لي عن لحظات السعادة التي تكون رفقة حبيبهن، لكن لم أكن أبالي».

«صحيح أنني ربما فكرت مرارا في تكوين عائلة أنا الأخرى، كنت أتوق حبا لمعرفة كيف ستبدو حياتي بعد الزواج، وخاصة إذا تزوجت عن حب، لكن شيئا من هذا لم يقع، آخر سيد تقدم لخطبتي كان قد وضع شروطا لم أتحمل حتى سماعها، كان في مقدمتهم أن أكنس وأجلي وأنجب وأبقى طريحة المنزل دون عمل، حاليا أتابع حياتي في عيادتي الخاصة، استطعت أن أحقق كل ما أريد لكن المجتمع لم يرحمني لأنني لم أحقق حلم الحصول على زوج، وما زالت أمي إلى حد الآن تعاتبني على كل أولئك الذين رفضتهم عندما كنت في سنوات العشرينات، لكن لم تعرف أن العزوبة هي خيار اتخذته عن سبق الإصرار والترصد».

«كنت أوصف بالمعاقة عاطفيا من قبل إحدى صديقاتي، لم أكن من اللواتي كن يحلمن بالعمل أبدا، لأن علاماتي في الجامعة كانت ضعيفة، تخرجت في شعبة اخترتها دون حب، بحثت عن عمل فاصطدمت بالواقع المر، طرقت عدة أبواب وكلها كانت موصدة في وجهي، عدت إلى منزل والدي، وكل مرة كنت أسمع الناس يقولون أنني عالة على أسرتي، لا أنا وجدت زوجًا يسترني، ولا أنا وجدت عملا يجنبني ما يقوله هؤلاء، لم أفعل شيئا في حياتي سوى أنني كل يوم أراني عالة على منزل أمي التي تفكرني في كل يوم بأنني عانس إلى الأبد».

«تزوجت بعد رحلة أحزان دامت لسنوات، قبلت بأول رجل تقدم إلى أبي وأنا لم ألتقيه قبل ذلك، كان زواجي زواجا تقليديا دبره والدي رفقة والد طليقي، تزينت في ليلة زفافي، كنت أرى أن الأنسب للفتاة بعد بلوغها هو الزواج لما له من استقرار على حياتها، لم تدم علاقتنا سوى أشهر قليلة، كان أكبر غلطة ارتكبتها في حياتي على الاطلاق، ولو خيرني القدر مجددا بين الزواج والعنوسة، لن أتردد في القول بأنني «عانس وأفتخر»».

كل ما سبق الإشارة إليه هن شهادات لنساء بعضهن اخترن طريق العنوسة عن سبق الإصرار، أما البعض الآخر فكان القدر هو من حتم عليهن إتمام حياتهن دون زوج.

ماذا سيحدث لو أصبحت إحداهن عانسا؟!

ليس هذا الأهم أبدا، المهم هو أن نسأل أنفسنا ما الذي سيحدث لو ظلت إحداهن عانسا؟

هل ستريب الدنيا إذا ظلت فتاة ما عانسا؟ هل ستعود لفلسطين حريتها؟! هل سيتحرر السجين من سجنه؟! هل ستلد تلك التي أخبرها الطبيب أنها امرأة عقيم؟! هل يعود المجنون إلى رشده؟ أسئلة كثيرة تبتدئ بهل لا نملك الا أن نطرحها دون أن ننتظر جوابا لها.

إن ما يجب أن لا نغفله أننا دائما مانربط الزواج بإنجاب الأولاد وتكوين الأسرة، وننسى أن له أهداف أكبر وأعم، الزواج بريء من كل ماننسب إليه، الزواج ليس أن تتزوجي لكي ينعتك الآخرون «بفلانة زوجة فلان» أو «فلانة أم فلان».

الزواج مسؤولية أكبر، هو رابطة تجمع اثنين أحبا بعضهما، وتواعدا أن يظلا جنب بعضهما البعض في الفرح والحزن، في السراء والضراء، في العسر وفي اليسر.

مجتمعاتنا العربية لا ترحم من لم ينصفها القدر واختار لها أن تتمم حياتها دون أن يكون اسمها مرتبطا بأحدهم، مجتمعاتنا العربية لا تعرف أن هذه السيدة اختارت أن تتمم حياتها لوحدها، والغريب من كل هذا أن كافة المجتمعات تعتبر عزوف الأنثى عن الزواج قرارا فاشلا قد يساهم في تدمير حياتها إلى الأبد، والأغرب أن المجتمع يبدأ بفقدان الأمل من الأنثى بمجرد تخطيها سنوات الثلاثينات، فنجد أن التي ترفض الزواج في نظرهم فتاة غير عادية، بينما يربطون عزوف الفتى عن الزواج بقرار التأجيل أو ربما لأنه لم يجد الفتاة المناسبة بعد، أو تلك التي تستحقه، والمشكلة أن هذا لا يكمن في المجتمع فقط فحتى العائلة التي كان من المفترض أن تظل جدارا تتكئ عليه الأنثى تصبح بالنسبة لهم جدارا قصيرا يمتطيه كل من هب ودب، وبمجرد حديثها الكل يبدأ بالقول بأنها عانس والأجدر أن تصمت دون أن تنبس ببنت شفة.

لم يسبق أن سمعنا عن مجتمع يدعو الرجل بالعانس، لكن يجدون هذا اللقب للأنثى كلما سنحت لهم الفرصة، لا يعلمون أن هذا اللقب بالذات هو الذي كان سببا في وضع حد لحياة الكثير من الفتيات، لا يعلمون أنه لقب جارح تهتز له الأنثى بمجرد مناداتها به، والحق من كل هذا أننا مجتمع يربط الزواج بإتمام الدين، واستجابة لأوامر الله، ولكن لم نعلم أننا نقتبس من سنة الرسول ما يتماشى مع منطلقاتنا وأفكارنا فقط، لأننا لو كنا مجتمعا يحترم الآخر ويحترم آراءه واختياراته لما فهمنا أن قصة الرسول مع خديجة رضي الله عنها لم تكن عبثا بل كانت عبرة لكل من سيلوم فتاة رفضت الزواج في أولى سنواتها، أو أخرى اختارت أن تبني أحلامها بعيدا عن رجل ربما يكون بالنسبة لها عائقا قد يمنعها من مواصلة ما رادوها من أحلام وأماني.

ما ذنب إحداهم إذا كان الله كتب عليها أن تولد وتكبر وتعيش دون زوج! ما ذنب تلك التي تعيش جميع أيام عمرها في خوف من العنوسة! خوف من العادات ومن التقاليد! خوف من اللوم، ومن الموت دون ارتداء الأبيض والاحتفال بيوم العمر (كما يحلو للبعض تسميته)! ما ذنب تلك الأنثى إذا كان أغلب الشباب أصبحوا يخشون أن يختاروا الفتاة الغلط! ما ذنبهم إذا أصبح الجميع يحبذ العلاقات الرضائية التي تتماشى مع متطلباتهم، بعيدا عن المسؤولية والواجب.

إنني كمهتمة بقضية المرأة أرى أن كلمة «عانس» يجب أن تمحى من قاموسنا، لأننا لا نعرف كمية الحزن التي تخلقه لإحداهن، لكن قبل كل هذا يجب أن نمحيها من عقولنا أولا، ونكون مجتمعا قادرا على تقبل قرارات وآراء واختيارات الاخرين دون أن نحشر أنفنا في كل شيء قريبا كان أم بعيدا عنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد