جسلت طويلا في كرسي، أشد ما كنت أخشاه فيه هو السؤال، غادرت مقعدي المدرسي وكنت مؤهلا بشهادة الكل، لولوج الجامعة، ثم حتى في السنوات الأولى منها، كنت أجد نفسي بعدَ أكثر من 10 سنوات من التعلّم والتمدرس، ما زلت غير قادر على أن أنتج سؤالا سليمًا حرًا، ذاك الذي يؤسس للفهم والكسب المعرفي، ويبسط سبل سَلك مسالك الحقيقة أو إيجاد حلول لمعضلة ما.

للسؤال قوة لا توجد في الجواب، وقد لا يكون الجواب أصلا، إلى محطة تؤسس لأسئلة جديدة، لتساؤلات أخرى، تصنع امتدادًا في طريق الوصول إلى أسئلة أهم وأعمق. كنت بعد ذلك قد بذلت وسعي لأمارس السؤال الحر، السؤال السليم، وبالسؤال فقط، تنبري سبل كثيرة لفهم من نوع آخر، بل أيضا للنقذ الذاتي المؤهل لإصلاح النفس والذات.
واليوم أسأل نفسي، في مدارس اقتصر دورها على تكديس عقول المتعلمين بأجوبة عن كل شيء،  ألم يكن أجدى وأجدر، أن نتعلم التساؤل والسؤال أولا؟

شاب يحمل ميكرفونا ويسأل الناس في الشارع بضعة أسئلة، رجالا كانوا ونساء، شيبا وشبابًا، في مقطع فيديو من ربع ساعة تقريبا وجّه الشاب الأسئلة لما يزيد عن ثلاثة عشر شخصا، ما أثار استغرابي، وما يثير استغرابي دائما، خصوصا في مثل هذه البرامج لسؤال الناس في الشارع، وذلك في بلادي خصوصا وفي البلدان العربية عموما، أن الجميع يجيب، كيفما كان نوع السؤال، الكل يجيب، الرغبة في الجواب تظهر كحاجة مُلِحّة على وجوه الناس بعد سماع السؤال، كنت أقرأ في وجوههم حالة التّأهُّب والاستعداد، فكلهم قرروا أثناء طرح السؤال، أنهم سيجيبون.

في مجتمعي ومحيطي الصغير على الأقل، الناس لا يترددون عن تقديم الأجوبة عن كل شيء، لا يترددون عن تقديم النصائح في كل شيء، لا يترددون عن تقديم الدروس للجميع وفي كل الشيء، لا يترددون عن ممارسة الأستاذية في كل شيء، بل أكثر من ذلك، إننا شعب، يطلق الأحكام عن الجميع وعن كل شيء، نصنع بأسهل من شرب الماء، تصورات عن الجميع وعن كل شيء، في مجتمعي، الكل فقيه وعالم وطبيب، الكل خبير في كل شيء، وإن كنت أتحدث بتعميم وإطلاقية، فإني أقصد بكلامي أغلب الناس، فأنا بخلاصة، في مجتمع تسكن فيه روح الجواب كل جسد، فما السبب يا ترى؟

في الحقيقة، أنا لم أسأل لأجيب، بل سألت لأطرح مزيدا من الأسئلة، ألن يكون ذلك راجعا لشكل ما خاطئ من أشكال التربية في بيوتنا؟ لا بد أن يكون لذلك أثر، أو ربما لطريقة التلقين في مدارسنا؟ أو بيداغوجية التعليم بِرُمّتها؟ نذكر جميعا شكل دروسنا، أستاذ في حالة ضخ للقواعد والدروس والأجوبة، عن أسئلة لا نعلمها، كان السؤال فقط مظهرا من مظاهر الضعف فينا، كنا نخجل من أسئلتنا، وكان المُجيب أعلى شأنا وأرفع قدرا من السائل.

لطالما كانت تضحكني تعليقات زميل لي في الدراسة، عندما كان يدخل الأستاذ فيقول، اليوم درس في الطاقة، يرد عليه مازحا بصوت خافت، هل سأله أحدكم عن الطاقة؟ لكن خلف الجملة المتهكمة تلك، كانت تُختزل حقيقة حزينة عن تعليمنا.

إن السؤال، الذي كان نواة بناء كل العلوم وأصلا أسّسَ لكل أشكال صناعة المعرفة، هو اليوم منسي في طُرُقِ تلقين العلوم والمعرفة في مدارسنا، حتى أصبحنا مجتمعا فارغا من عقول ناقدة ومفكرة، خاليا من عقول متأملة تخوض في عمق التساؤلات، وسلاحها قوة السؤال، بل وأصبحنا أكثر من ذلك، شعوبا ضحية لكل الأيدولوجيات والثقافات وحتى الشعوذات، بل وأصبحنا مُكَبّلين بالمسلمات والبديهيات، فنحن ببساطة لم نستفسر عن ما حولنا، لأننا لم نتعلم يوما أن نسأل ونتساءل، أن ننتقد ونناقش، إننا نقبل كل شيء ببساطة وسذاجة، فهذا ما علمتنا مدارسنا، أن ننصت ونستقبل فحسب، فقد تَخَرّجنا فيها دون أن نكسب أهم شيء، السؤال، إننا مجتمع نتبادل فيه الأدوار، في المدرسة وخارجها، بين ملَقِّنٍ ومتلق، يصبح بدوره فيما بعد ملَقِّنًا لمتلق آخر، نتوارث أجوبة عن كل شيء، تصنع معرفتنا وثقافتنا ومستوى عقولنا وشكل حضارتنا، وسط لعبة تبادل الأدوار وتوارث الأجوبة تلك، لا مكان للسؤال والتساؤل. وأما استثناء ذلك، فَفَلَتات صُنعت على هامش تعليمنا.

كنا أعقل من في الأرض، لمَّا كنا أطفالا، نحيا بفضولنا، نحيا بروح السؤال الفطرية فينا، فقد ولدنا بسمع وبصر وعقل وقلب وغيرهم، لكن ولدنا بشيء آخر غير مادي، لا نحيا بدونه، إنه غريزة الاكتشاف والتساؤل، كنا نحب أن نداعب كل شيء حولنا، أن نفهمه ونكتشفه بطريقتنا، كنا نستغرق في الاكتشاف، كنا نغوص في التساؤل، نستمتع بالتفاعل مع كل مجهول حولنا، وما إن يصبح المجهول معلوما والسؤال جوابا، حتى نتركه خلفنا، لنبحث عن كل غريب بلهف، نصبُّ فيه جام فضولنا.

معالم الطفل كلها معالم استفسار وتساؤل، ألم تروا كيف يتهافت الطفل لكل شيء جديد؟ ففي كل جديد فرصة لاكتشاف وتساؤل، وكيف يمَلّ سريعا من كل قديم؟ ففي كل قديم جواب انطفأ به الفضول، سيكبر يوما في مجتمعنا، في مدارسنا، لتصبح الأجوبة عنده أهم من الأسئلة، سيضع أولى أقدامه في المدرسة، ليبدأ السباق، سباق الأجوبة الصحيحة، تتسارع سنون التمدرس، وملخصها، النجاح لكل ذي جواب صحيح، التفوق لكل ذي جواب صحيح، التميز لكل ذي جواب صحيح، العلامة الكاملة لكل من أجاب عن كل شيء بجواب صحيح، ثم ما الجواب الصحيح؟ أن يرُدّ عليكم كومة الأجوبة التي لم يعرف يوما من سأل عنها، ما الحاجة لمعرفتها؟ ما الجدوى من وجودها؟ إني لا أنتقد هنا سوى طرق التلقين والتعليم.

إن أفضل طريقة لتلقين معرفة ما، أن تهيئ للمتلقي وسائل التساؤل والسؤال، الذي يكون جوابه تلك المعرفة، كيف لهاته المعرفة التي لم تولد أصلا إلا بسؤال، أن يتم تلقينها قبل استخراج وتبيان التساؤل الذي كان أصلا في وجودها، إننا نمُرّ في أقسامنا ومدارسنا على هامش المكتسبات الحقيقية لكل درس، عندما لا يدرك التلميذ أن كل درس بحد ذاته سؤال، إننا ندوس كل أسباب صناعة العقول المفكرة، عندما لا نترك مجالا للسباحة في الأسئلة والتساؤلات، قبل بسط الأجوبة لها، إننا ننهك الأطفال والتلاميذ بالتضخم المعرفي الذي سريعا ما يندثر، في الوقت الذي كان بإمكاننا زرع فتيل التساؤل والسؤال في نفوسهم، ليتكلف الفضول المعرفي بعد ذلك بجمع كل تلك المعارف بمتعة وسهولة، لا بد أن ندرك أن في قلب كل تلميذ طفل يحيا بفضول حر، نَئِده بطرق تعليمنا البدائية، ولو أمتعنا أنفسنا بالتلقين السليم لكان حلمُ كل إنسان، أن يولد تلميذا، ويحيا تلميذا، ويموت تلميذا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد