من أشهر الكتّاب الذين كتبوا كتابًا جامعًا لكل الأساليب والوسائل التي تمكن أي سياسي أو جنرال في موقع متقدم بالسلطة أن يصل إلى الحكم والارتقاء على كرسي الدولة بأية وسيلة، ثم المحافظة على هذا العرش، هو السياسي والفيلسوف والمنظّر الذي مدحه جان جاك رسو وشهد له هيجل بالعبقرية  وهو الكاتب والمفكر صاحب مدرسة التنظير السياسي الواقعي الإيطالي نيقولا ميكافيللي، والذي قيل في نقده الكثير والكثير؛ حيث عده البعض الرجل الذي كان يدرس لإبليس منهج إغواء الساسة والحكام أو ظل الشيطان على الأرض.

ميكافيللي صاحب كتاب «الأمير» ذلك الدليل الشيطاني للحكام الذي يبرر لهم أي شيء يساعدهم على البقاء حكامًا أبديين، وتقوية دولتهم بأية وسيلة كانت مشروعة أم غير مشروعة، المهم هو الوصول للهدف، ومن أشهر مقولاته التي تعبر عن فكر الانتهازية السياسية «الغاية تبرر الوسيلة»!

الغريب أن ميكافيللي كان رجلًا سياسيًّا عريقًا، وكان متقد الذكاء، وعلى الرغم من أنه كان يحوز موقعًا قريبًا من الحكم في بلده فلورنسا، فإنه لم يصل إلى الحكم ولم يكن حاكمًا، ورغم ذلك وضع أبجديات الاستبداد، وكان كتابه «الأمير» أيقونة الظلام في بناء الكيانات الاستبدادية.

ألف ميكافيللي الكتاب عام 1513م بعد عزله من منصب مستشار حكومة فلورنسا، ونُشر بعد موته بخمسة أعوام، وبعد ذلك منعته الكنيسة الكاثوليكية وجعلته من الكتب الملعونة، كأنه كتاب هرطقة أو سحر، يبدو أن فيكتور هوجو قد لخص أسباب كراهية كتاب الأمير في كتابه البؤساء عندما قال:-

«ميكافيلي ليس عبقريًّا شريرًا، وليس وحشًا، كما أنه ليس كاتبًا تعيسًا وجبانًا؛ فهو يجسد الحقيقة فقط. ولا يجسد الواقع الإيطالي، بل الواقع الأوروبي، واقع القرن السادس عشر».

ولقد قرأ هذا الكتاب العديد من الحكام والسياسيين والمستبدين المعروفين، مثل أدولف هتلر، وموسوليني، وكذلك نيكسون، وهنري كسينجر، وجمال عبد الناصر، ويفتخر الرئيس السابق للولايات المتحدة باراك أوباما بامتلاكه نسخة من الكتاب، وكذلك يفعل ديكتاتور كوريا الشمالية كيم يونغ لي. كما أن كتاب «الأمير» هو الكتاب المفضل لكل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، ويبدو أن من استلم حكم مصر بعد الانقلاب العسكري في  2013م يضع الكتاب في جيبه مثل كتيب إرشادات لا يفارقه لحظة، والمفارقة الحزينة أن تعاليم ميكافيللي السياسية لم تكن جديدة على البشرية، فأغلب الأمراء والحكام قاموا بأعمال تماثل نصائح ميكافيللي على مدار التاريخ، لكن الإضافة التي قدمها ميكافيللي في كتابه «الأمير» تتمثل في تنظيم وتأطير تلك الممارسات في طرح سياسي يمكن من خلاله للقارئ أن يفهم ويحلل ممارسات الحكام الديكتاتوريين وسلوكياتهم.

و على الجانب الآخر فإن ميكافيللي قد عد أن من سيقرأ هذا الكتاب له من العقل المتزن الواعي الرشيد الذي يمكنه من فهم هذا المحتوي الخطير، ولو أن ميكافيللي توارد إلى ذهنه كم من الظلم والظلمات والكوارث التي سيخلفها كتابه ما خط منه سطرًا واحدًا؛ إذ إنه وقع في أيدي الطغاة والحكام المستبدين الذين هم بالأصل مرضى نفسيون يعانون من الشيزوفرانيا والنرجسية ومتلازمة الغطرسة والاكتئاب، واضطراب ثنائي القطب، والذي يفضي بدوره إلى الغباء والتهور في اتخاذ القرارت التي تتعلق بمصائر الأمم.

وللأسف فإن ما كتبه ميكافيللي صار منهاجًا لهولاء الحكام ودخل مصطلح «المكيافيللية» كل اللغات الرئيسة في العالم مرادفًا لمعاني الدهاء وغياب المبادئ.

كما تجاوز الاهتمام بكتاب «الأمير» الحدود الأيديولوجية؛ إذ عد جان جاك روسو  الكتاب مسودة لعقده الاجتماعي.

وتصور فولتير وديدرو أن «الأمير» أول محاولة كبرى لنزع القدسية عن السلطة السياسية، بينما رأى فيه ديفيد هيوم وآدم سميث بيانًا إنسانيًّا لنظام سياسي جديد. ووجد المؤرخ الإنجليزي توماس ماكولاي في «الأمير» وصفة لنظام حكم جمهوري ديمقراطي، فكتب: «اشتهر مكيافيللي طوال حياته بأنه كان جمهوريًّا متحمسًا. لدينا عدد قليل من الكتابات التي تبدي سموًًا في المشاعر وحماسًا مخلصًا وحارًّا من أجل المصلحة العامة وواجبات وحقوق المواطنين مثلما كتب مكيافيللي».

ولكن للأسف رغم النظرة الملائكية التي أطلقها فقهاء القانون والسياسة هؤلاء حول هذا الكتاب، سيظل منهجًا في الانتهازية السياسية وضلال الحكم.

وسيظل عالمنا العربي والإسلامي يعاني من منهج الأمير في تعامل حكامنا بمبادئه، حتي ننجح بالثورة عليهم وخلعهم، والحكم بما أنزل رب العباد، ذلك المنهج القويم الذي لا يداخله الريبة ولا الضلال قال تعالي:-

«أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (المائدة 50) صدق الله العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد