يُعد التجمع اليمني للإصلاح أحد الأحزاب اليمنية الكبرى التي تأسست عقب قيام الوحدة اليمنية 1990، وتمر بنا في الثالث عشر من سبتمبر الجاري الذكرى الواحدة والثلاثين لتأسيس الحزب، وقد استطاع الإصلاح خلال هذه المرحلة العريضة من تاريخ اليمن خوض المعترك الانتخابي، والإسهام في تنشيط العملية السياسية في اليمن باعتباره ثاني أكبر تكتل سياسي، وعلى الرغم من العمر القصير له مقارنة ببقية الأحزاب التي شهدت بلدانها انفتاحًا مبكرًا على التعددية السياسية؛ إلا أنه مليء بالمحطات الهامة والمراحل المتشابكة، التي هي بحاجة إلى إعادة قراءة ومزيد من التحليل والدراسة، للاستفادة منها في مستقبل الحزب واليمن عمومًا.

الإصلاح بين الجماعة والحزب

يُعَرٍّف التجمع اليمني للإصلاح نفسه كما في المادة الأولى من نظامه الأساسي، بأنه «تنظيم سياسي شعبي، يسعى للإصلاح في جميع جوانب الحياة وفق مبادئ الإسلام وأحكامه، ويأخذ بكل الوسائل المشروعة لتحقيق أهدافه»، وبناء على هذا التعريف فإن الإصلاح حزب سياسي يمني، وهو امتداد للحركة الإصلاحية اليمنية، ويستلهم نضاله من جهود رجال الحركة السابقين، وهو امتداد طبيعي للنضالات اليمنية، وخاصة جهود المصلحين اليمنيين في القرنين الماضيين، الذين طالبوا بإصلاح الأوضاع الفكرية والسياسية والاقتصادية في البلاد، وفتح باب الاجتهاد والخروج من دائرة التقليد وتجاوز معضلة التعصب المذهبي، من أمثال: محمد بن إبراهيم الوزير والحسن بن أحمد الجلال وصالح بن مهدي المقبلي ومحمد بن إسماعيل الأمير ومحمد بن علي الشوكاني.

هذا الوعي بطبيعة الحزب جعل الإصلاح يحرص منذ انطلاقته أن يكون النموذج اليمني حاضرًا في أدبيات ووجدان أعضائه، لكن ربما لم يُكتب لهذا النموذج الاستمرار بنفس الطموح الذي برز في اللحظات التأسيسية الأولى، حيث إن تأثر الإصلاح بالحركات الفكرية الأخرى أكثر بروزًا، وربما أدت إلى استلاب طبيعة الإصلاح باعتباره حزبًا سياسيًا يمنيًا، وخاصة أن في جهود رجالات الحركة الإصلاحية السابقين والمعاصرين ما يغنيه عن بعض الأدبيات التي قد لا تنسجم مع البيئة اليمنية، وليس لها نفس التأثير في علاج المشكلات المحلية، ومع أن الاستفادة من الآخر مطلوبة بل وواجبة أحيانًا، والانفتاح على كل المكونات من الأهمية بمكان، إلا أن ذلك لا يعني بأي حال تبني أطروحات أخرى لعلاج قضايا مختلفة تمامًا، وهذا يعد تحديًا كبيرًا أمام الإصلاح.

وقد حرص الإصلاح على إزالة اللبس المتعلق بعلاقته بحركة الإخوان المسلمين، والإصرار في أكثر من بيان على «عدم وجود أية علاقات تنظيمية أو سياسية تربطه بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، لا سيما أن أولويات الإصلاح كحزب سياسي هي أولويات وطنية، وكل جهوده تنصَبّ مع شركائه من القوى السياسية اليمنية، في إخراج اليمن من محنته الحالية وفي النهوض باليمن واستعادة مسيرته السياسية»، وأظن أن الفترة القادمة ستتيح للحزب الانطلاق في هذا المشروع أكثر، نتيجة التحديات التي تعيشها اليمن.

لقد فرضت طبيعة اليمن الفكرية على الإصلاح تبني جوانب أخرى على حساب أدائه السياسي، كالجوانب الاجتماعية والدعوية منها على وجه الخصوص، ولهذا يرى كثير من المراقبين أن الإصلاح بالغ في الاهتمام بما هو محسوم في مجتمع محافظ كاليمن، وخاصة فيما يتعلق بالدعوة والتعليم، ومع أن هذه الملاحظة وجيهة إلا أن الإصلاح كان يرى أن الظروف التي عاشها اليمنيون، تحتم عليه العمل على مقاربة فكرة دينية وتعليمية جامعة تذيب حالات التعصب والانغلاق المذهبي، وتؤسس لاستيعاب الجميع؛ لكن ربما قد يؤخذ على الإصلاح تماهيه مع الأفكار العابرة للحدود على حساب الفكرة المحلية الثرية، فالتراث اليمني حافل في كافة المجالات القادرة على معالجة الإشكالات المحلية، إضافة إلى أن قضايا كبرى لم تلق نفس الاهتمام، وخاصة ما يتعلق ببناء الهوية الوطنية والعدالة الاجتماعية والحرية الشاملة، التي كان الأولى أن تلقى نفس الاهتمام وأكثر؛ لأنها الأساس في صلاح المجتمعات، وهي الضامن الأول لتأسيس دولة العدل والمساواة.

يعد اليمن بلدًا تتحكم القبيلة في أغلب مفاصله، وقد استطاع الإصلاح خلال الفترة الماضية أن يشق طريقه في البيئة اليمنية المعقدة، كما حاول الاستفادة من المتاحات أمامه، ونتيجة لوجود القبيلة في اليمن وتأثيرها على المشهد السياسي في فترات طويلة، لم يستطع الحزب تجاوزها بل تعامل معها كأمر واقع، إذ يصعب على الإصلاح أو غيره تجاوز القبيلة؛ ولهذا سعى إلى تهذيب القبيلة لتنسجم مع العملية السياسية، كما استطاع كذلك أن يوازن بين أدائه السياسي كحزب، وأدائه الاجتماعي كحركة إصلاحية، حتى أصبح الحزب الأول الأقوى تنظيمًا في اليمن، والثاني على مستوى القاعدة الشعبية، ويحسب للإصلاح قدرته على التماهي مع القبيلة، ومحاولة تأثيره السياسي في مفاصلها، باعتبارها أمرًا واقعًا يصعب تجاوزه.

الإصلاح والأداء السياسي بين الواقع والطموح

شارك التجمع اليمني للإصلاح منذ تأسيسه في مختلف الاستحقاقات الانتخابية بفاعلية عالية، سواء كانت المشاركة منفردة أو في إطار تحالفات سياسية، وقد تحالف الإصلاح مع الحزب الحاكم في مرحلة من المراحل، واستطاع المشاركة في الحكم عبر الأدوات الديمقراطية، والخروج منه بنفس الأدوات، ثم تحالف مع المعارضة فيما بعد ذلك، وفي هذه المرحلة على الرغم من حالة القطيعة بين الإصلاح والمؤتمر الشعبي الحاكم حينها عاد الإصلاح ليختار علي عبد الله صالح رئيس المؤتمر الشعبي العام مرشحًا له في الانتخابات الرئاسية عام 1999م؛ لدواعي ربما تكون وجيهة، حيث يرى أنصار الإصلاح أن في ذلك تشجيعًا للرئيس اليمني للولوج إلى الديمقراطية الوليدة في اليمن، وحتى لا يغلق باب الديمقراطية مبكرًا، وكذلك لاعتبارات سياسية أخرى، وهو ما نجح فيه الإصلاح جزئيًا، وشجع على إجراء الانتخابات الرئاسية الثانية في 2006م، والتي رمى فيها الإصلاح بكل ثقله لصالح مرشح اللقاء المشترك فيصل بن شملان.

هذا الحس الديمقراطي لدى الإصلاحيين انعكس على الأداء الداخلي للحزب، وأسهم في انتظام مؤتمراته العامة في الفترات ما قبل 2011م؛ لكن تأخر انعقاد المؤتمر العام الخامس كانت له تبعاته وآثاره المباشرة وأدى إلى اهتزاز الأداء وضبابية الرؤية أحيانًا، إذ كان من المفترض أن تُنتخب قيادة جديدة للحزب في عام 2011م، إلا أن تسارع الأحداث له تأثيره في ذلك، وإن كان البعض يقلل من شأن عقد الإصلاح لمؤتمراته وانتخابه لقياداته بشكل دوري، ويرى أن ذلك لا يتجاوز عملية التدوير من منصب إلى آخر في إطار القيادات التاريخية للحزب كحال بقية الأحزاب اليمنية، إلا أن ذلك لا يبرر التقليل من أهمية عقد الإصلاح لمؤتمراته، ولعل الإصلاحيين اليوم لم يعودوا بالمستوى الذي يتطلب استمرار البنية القيادية كما هي عليه الآن، وهذا ما تدركه قيادات الإصلاح جيدًا، لكن خطواتها في إحداث معادلة جديدة تسير ببطء ولعل الأيام القادمة تفرض عليه نمطًا جديدًا يستطيع من خلاله تحديث بنيته السياسية الداخلية حتى يكون قادرًا على الاسهام الخارجي.

لقد شارك الإصلاح في ثورة 2011م بفاعلية، وانخرط في حكومة الوفاق الوطني وفي مؤتمر الحوار الشامل من خلال المقاعد التي أتيحت له، على الرغم من أنه كان يراها أقل من حجمه الشعبي، ورَفَضَ الانقلاب الحوثي على الدولة اليمنية، وشارك مع كثير من المكونات الوطنية في التصدي لهذا الانقلاب، الذي يرى مراقبون أن الهدف الأول منه كان التخلص من حزب الإصلاح، وهذا ما يفسر تغاضي بعض القوى عن ذلك في البدايات الأولى له، وكان الإصلاح حينها مدركًا لخطر الانقلاب؛ لكن ربما كان هناك تردد إصلاحي في توصيف تلك الحركة المتصدرة له، ما بين تيار يرى أنها حركة اثنا عشرية رافضية، وآخر يراها حركة كهنوتية رجعية تسعى لإعادة حكم الإمامة، ولكل منهما قدر من الصوابية ربما؛ لكنَّ الإصلاح كحزب سياسي لا بد أن يستوعب المخاطر على الدولة أولًا، وبين خطورة الحركة الانقلابية على الدين وخطورتها على الدولة تشتت بعض الجهود، وهذا التردد في التوصيف كان له أثره المباشر في التحذير من خطورة هذه الحركة، وعلى الرغم من تصدي الإصلاحيين للانقلاب فكريًا وسياسيًا، إلا أن هذا الخلل كلف الحزب جهدًا ووقتًا كبيرين، كان الأولى أن تُستثمر في مواجهة الإمامة وتعزيز الوعي الوطني عبر كل المحافل؛ فالدولة أولًا حيث تحت سقفها ستجد كل المكونات حريتها، ولا بقاء لأي من المكونات السياسية في ظل سلطة المليشيات.

يدرك الإصلاح قَدَرَ الجغرافيا التي تربط اليمن بالدول المجاورة، وفي هذا الإطار بذل جهودًا كبيرة في سبيل ردم الفجوة بينه وبين دول التحالف، وحاول جاهدًا إيصال رسالته كحزب سياسي يمني لدول تتخذ من الإخوان المسلمين أكبر عدو إستراتيجي في المنطقة، وقدم نفسه إليهم كحزب سياسي يمني لا علاقة له سياسية أو تنظيمية بالإخوان المسلمين، وحرص على توحيد خطابه وخطاب أعضائه ومناصريه ليصب ضد العدو الأول لليمن والمنطقة وهو مليشيات الحوثي الانقلابية، وأوفد عددًا من قياداته للإمارات لذات الهدف، وجلس اثنان من كبار قياداته مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي العهد الإماراتي محمد بن زايد، وزار رئيسه وأمينه العام الإمارات، واستطاع بعض الإنجاز الآني في هذا الملف؛ لكن هل هذا الإنجاز سيبقى ويتطور، أم أنه في طريقه للذوبان؟، ربما أن الأيام القادمة كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال، في ظل التخبط الواضح في دور التحالف.

يحسب للإصلاح إيمانه بالمواطنة المتساوية، وإذابته للتمييز العنصري بين أعضائه، ومع هذا لا بد أن يحافظ على هذا المنجز، ويحدد موقفه من المتساقطين على طريق المواطنة على الرغم من قلتهم، وأن يُكثف من دراساته الفكرية للقضايا الاجتماعية والسياسية، خصوصًا ما يتعلق بالمرأة والقبيلة والدين والدولة، وأن يحول ذلك البيان الذي أصدرته قيادته العليا بشأن ما يسمى بـ«الخمس» إلى إستراتيجية واضحة، تُفعله في الواقع وتُبعده عن إطار المناورة السياسية وامتصاص الرأي العام كما قد يتوهم البعض، إلى إطار البناء الوطني الشامل، وعلامة ذلك أن ينعكس ما في البيان على أدبيات ومناهج الإصلاح الداخلية، وأن يواصل الإصلاحيون يمننة الحزب بشكل كلي، فلحظات التأسيس لأي كيان يشوبها التردد والاتكال على الآخرين والاستفادة منهم حد الذوبان أحيانًا؛ لكن المراحل المتقدمة لا تقبل ذلك؛ ولهذا فإن مراجعة الإصلاح لبنيته الفكرية وفقًا للمتغيرات التي أفرزتها ثورة الشباب ومحطات النضال اليمنية، وإعادة تعريف ذاته كحزب يمني المنبت والجذور من الأهمية بمكان، ويضمن مزيدًا من الإنتاج والتأثير السياسي القادم.

خاتمة

يخوض التجمع اليمني للإصلاح جملة من المراجعات العملية، تجعله أكثر فاعلية عن كثير من الأحزاب اليمنية، لكنه بأمس الحاجة إلى مزيد من المراجعة الجادة لبنيته الفكرية وأدبياته الثقافية وهيكلته القيادية، وموقع الشاب والمرأة داخل هذه الأطر، حيث ينبغي أن تُكيف هذه المراجعات مع الخطوات التي يعلن عنها بين كل فترة وأخرى، وأن ينسجم الخطاب الخارجي للحزب مع الخطاب الداخلي، هذا التحدي وما سبقه من التحديات تتطلب من الإصلاح مراجعة حقيقية وإستراتيجية واضحة، وأن يولي جل وقته للعمل السياسي؛ لأن تلك هي وظيفته الأصلية، ويعهد بتلك المهام الأخرى للمجتمع، وهذا الإجراء ربما سيساعد الإصلاح على التخفف من كثير من التكاليف، وتحديد الأهداف وسرعة الإنجاز، وتلافي التعثر السياسي المتمثل في التعاطي مع الواقع المتأزم والتقلبات السياسية المتسارعة، وهذا لا يعني أن الإصلاح لم يستطع الإنجاز على المستوى السياسي، بل المقصود منه إتاحة المجال للإنجاز أكثر.

أعتقد أن كل هذه النقاط بحاجة إلى تسليط الضوء عليها أكثر في ظل الاحتفاء بالذكرى الحادية والثلاثين لتأسيس التجمع اليمني للإصلاح، وأن تتم الاستفادة من الماضي جيدًا، وتكثيف الدراسة لهذه المراحل المفصلية والجهود الجبارة، التي استطاع الإصلاح أن يخلقها في بيئة كاليمن، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الإصلاح ولد عملاقًا، واستطاع أن يشق طريقه بكل ثقة واقتدار، ومع هذا فثمة بعض المحطات لا بد من التوقف عندها والاستفادة منها، وفي الأخير نبارك للإصلاحيين هذه المناسبة، ونتمنى أن تعود على اليمنيين، وهم ينعمون بالحرية والعدالة والمساواة، في ظل دولة اتحادية مدنية حديثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد