«فما كان يرى أمامه سوى نفس أُنقِذَت من الكُفر ورُدَّت إلى الكنيسة. سواء أكنت شريفًا أو وغدًا، فما قيمة ذلك ما دُمت أذهب إلى القُدَّاس؟ على أن المرء يجب ألَّا يعتقد أن مثل هذا التفكير مُستغرَب لدى الكاثوليك، بل إنه مألوفٌ لدى كافة الأديان المُتعصِّبة، التي يُعتبَر الإيمان هو الشيء الرئيس فيها، وليس الأعمال!» – جان جاك روسو.

يقول يوسف زيدان في مقدمة كتابه «دوامات التديُّن» أن معنى الدين يختلف بطبيعة الحال عن مفاهيم التدَيُّن. فالدينُ أصلٌ إلهيٌّ والتدَيُّن تنوع إنساني، الدين جوهر الاعتقاد والتديُّن هو نتاج الاجتهاد. ومع أن الأديان كلها، تدعو إلى القيم العليا التي نادت بها الفلسفة (الحق، الخير، الجمال) فإن أنماط التديُّن أخذت بناصية الناس إلى نواحٍ متباعدة ومصائر متناقضة، منها ما يوافق الجوهر الإلهي للدين ويتسامى بالإنسان إلى سماوات رحيبة، ومنها ما يسلب هذا الجوهر العلوي معانيه ويُسطِّح غاياته حتى تصير مظهرًا شكلانيًّا، ومنها ما يجعل من الدين وسيلة إلى ما هو نقيض له.

إذًا هُناك فرقٌ واضح بين الدين والتديُّن، بين المُعتقَد والمُعتقِد، ولمَّا كان ذلك كان من السهل الملاحظة بأن جميع المتدينين في العالم (تقريبًا) يحملون نفس النزعة الانحيازيَّة تجاه دينهم، محاولين التأكيد دائمًا على أن موقفهم الديني هو الأصدق والأفضل من موقف الآخرين، وأن دينهم هو الحق المُطلق، وأنهم حُماة الحق والفضيلة، وهذا شيءٌ طبيعيّ مع الدين، إن لم يصاحبه مُغالاة وتعصُّب، ذلك لأن الدين في الأخير ما هو إلَّا اعتقادٌ في المُطلق، ومن الطبيعي أن يرى المتدين أن دينه هو الأفضل والأحق من بين جميع الأديان والمُعتقدات.

لكن المُشكلة الحقيقيَّة التي تواجهنا كمجتمعاتٍ عربيَّة هي انسحاب تلك النزعة الانحيازيَّة إلى الأشخاص ذات الهالة الدينيَّة المُكتسبة من الجمهور، ومن تبعيات ذلك أن الناس كثيرًا ما يعتقدون أن تديُّن هذا الشخص أو الشيخ صاحب الهالة والموحِّد بالله هو شرط ودليل كاف على صِدق نيَّة هذا الشخص، ونُبل مقصده، وحُسن أخلاقه، وأصالة غايته في الحياة. وكما قلت لا أقصد الدين، وإنما أقصد نظرة المتدينين للأشخاص ولبعضهم البعض؛ فالإسلام قال بأن الناس سواسية كأسنان المشط، أي لا يتفاضل أحدٌ على أحدٍ، أمَّا الناس فهي التي جعلت هذا الشخص أفضل من ذاك، وأعطت هذا الشخص الهالة النورانيَّة دون الآخر، وهذه الهالة المُكتسبة هي فعل اجتماعي نسبي، يتفاوت بين المُجتمع والآخر، وبين الأفراد بعضهم البعض، يشبه إلى حدٍ كبير مفهوم القداسة عند إيميل دوركايم، إن أردنا مثالًا، ومن أهم الوسائل للحصول على هذا الشأن العالي بين الناس في مجتمعٍ عربي أغلى ما يملُك هو دينه، هو تلفُّع أحدهم بعباءة الدين، وليس مهمًا أن تكون الغاية هي التسلُّق بالدين إلى أهدافٍ ماديَّةٍ وذاتيَّةٍ وفئويَّةٍ خاصَّة، لكن المهم أن تقول لهم الكلام الذي يريدوا أن يسمعوه، وأن تلعب بالبيضة والحجر بمهارةٍ لا مثيل لها، ومثل هذا الحُكم على الأشخاص من المظهر هو بالضبط ما يسمى بالتخلُّف الحُكمي، من زوايا وقناعات ومعايير ذاتيَّة Subjective لا موضوعيَّة Objective.

ومن هُنا كان المنطق الذي رفع رجال الدين إلى السماء، في كل زمانٍ ومكانٍ، مُبتعدين بذلك عن بساطة العامَّة وبؤس الفقراء، مُعتمدين على جهل الجاهلين، وتجاهُل المُتجاهلين، وحُبَّ الناس للدين والمثال الأعلى له، الذي جرى تمزُّقه في مجتمعاتنا العربيَّة، كي ينعمون هُم في بروجهم العاجية عن المُجتمع وحُطامه، اللهُمَّ إلَّا مَن رحِم رَبِّي.

وهذا المنطق هو الذي أقنع الناس بأن هذا الشيخ الزاهد الوَرِع، الَتقيّ، الذي يذهب بسيارته «الهمر» كي يُعطي دروسًا في المثاليات الزائفة ويتشدَّق بالمواعِظ الرنانة عن الزُهد والتقشُّف ومساعدة الفُقراء ومحبة الله لهم، هو خيرٌ من ألف شخصٍ آخر يفنون حياتهم في المساعدة الحقيقيَّة، استيفاءًا لما يُمليه الضمير الإنساني، ليس هكذا وحسب، بل إن نظرة التفاضُل هذه تمتدُ في بعض الأحيان لتشمل كل من يَسفِك الدماء ويُرهب الأشخاص، تحت عباءة الدين وتستُّره بإسم الدفاع عنه، ولا يهم الدم حقًا في حالة إن كان سافِكَهُ موحِّدًا بالله ومؤمِنًا برسوله، ويُسمى هذا القتل حينها جهادًا، ويظل الأقرب إلى الله دومًا – في وجهة نظرهم – ما دام مؤمنًا به، حتى وإن ارتكب ما ارتكب من فظائعٍ في حق الإنسانيَّة. بينما جعلهم يرون هذه الإنسانة وأمثالها مِمَّن يتفانون في المساعدة الصادقة النابعة من القلب – دون غاياتٍ ذاتيَّة وماديَّة – للقضاء على أشكال الحياة القاسيَّة من جوعٍ ومرضٍ وفقرٍ وبؤسٍ، ومُحاوَلة جَعل الأرض مكانًا أفضل للعيش، أن مأواهم الأبدي هو النار وبئس المصير، ولا يتساوون أبدًا بالمؤمنين في أخلاقهم ومروءتهم وأصالتهم في الدنيا، وربما لن يتساوون كذلك في الآخرة بالنسبة لهم.

فيكفي فقط – في نظر المتدينين بمجتمعاتنا – أن يتوافر شرط الإيمان بالله ورسوله لدى الفرد، ولا يهمَّ بعد ذلك ما إن كان هذا الشخص إنسانًا نبيلًا في دوافعه وعواطفه تجاه الناس واختلافاتهم، ومُحترِمًا لعقائدهم وشعائرهم أم لا! ولا يهمَّ سواء كان يتصرَّف بعقله أم يحتكم إلى القطيع، ولا يهِمَّ الإيذاء الذي يرتكبه في حق غيره من أفرادٍ يختلفون عنه في الديانة والمُعتقد! المُهِم هو عدم إهانة الرمز بأي شكلٍ من الأشكال، وعدم التطاول على السُلطة الدينيَّة في المجتمع بأي وسيلة، ومن هُنا نستطيع أن نفهم عقليَّة شيوخ ورجال الأزهر في إصرارهم على عدم تكفير (داعش) وما من يتصرَّفون على طريقتهم، وفي انطلاق جوقات التكفير فقط لتنالُ من أرباب القلم وأصحاب العقول ورجال الفِكر المستنير، من أمثال الشيخ على عبد الرازق، طه حسين، فرج فودة، نجيب محفوظ، نصر حامد أبو زيد، وغيرهم كثيرون، المُهِم هو ألَّا صوت يعلو فوق صوت الأزهر أو فوق السُلطة الدينيِّة في أي مُجتمعٍ سواء في حقٍ أو في باطل.

الطعام أولًا

ولكي لا يكون كلامي اعتباطيًا دون أدلة، فسأستندُ إلى بيان مجلة FORBES العربيَّة-الأمريكيَّة خلال عام 2007 لإحصاء ثروات دعاة الدين الإسلامي. ذكرت المجلة أن صافي دخل عمرو خالد في عام 2007 بلغ 2.5 مليون دولار، وأن الداعية الكويتي طارق سويدان جاء في المرتبة الثانية بدخلٍ صافٍ بلغ المليون دولار، ثم الداعية السعودي عائض القرني مؤلِّف كتاب (لا تحزن) بدخلٍ وصل إلى 533 ألف دولار. وحلّ في المرتبة الرابعة الداعية المصري عمر عبد الكافي المُقيم في الإمارات بدخل صافٍ بلغ 373 ألف دولار، ثم الداعية السعودي سلمان العودة بـ267 ألف دولار. أيضًا نشرت نفس المجلة تقريرًا بثروات رجال الدين في إيران والتى يتربَّع على عرشها المُرشِد الإيرانى علي خامنئي أحد المرجعيات الشيعيَّة في إيران، بثروة تُقدَّر بمليارات الدولارات. ولا يخفى على أحدٍ مِنَّا استغلال الداعية الهِندي ذاكر نايك لتبرعات أموال المسلمين التي تصل بالملايين، وتهمته في غسيل الأموال وشراء عقارات لعائلته، وبحسب صحيفة The Times of India في تقديرها لثروته ما بين عام 2014 و2017 قُدِّرَت فيما يقارب الـ28 مليون دولار. وإذا كان رجال الدين الذين يتكسَّبون من الدين هؤلاء يهتمون حقًا بتطبيق الشريعة وكلمة الله في الأرض، فليطبِّق واحدُ منهم هذه الآية الكريمة على نفسه، والتي تقول – في سورة البقرة – ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا.

إن الدين ينتعش كلما كان مورِد رزق ومورِد حياة، ويدخل إلى قلوب الكثيرين عن طريق أفواههم.

ولا أكثر مِمَّا توضِّحه هذه العبارة من ارتباط المُثُل والفضائل من خيرٍ وحقٍ وجمالٍ بالمادة، باختلاف أشكالها النفعيَّة للأفراد والجماعات المُستفيدة والانتهازيَّة، الأمر الذي يحول دون الفضيلة كغاية في حد ذاتها، ويجعلها تقع في شرك المصالح الشخصيَّة والمنافع الماديَّة الصرفة، الغارقة في الأنانيَّة والنفاق، وبذلك تُغتال كل قيمةٍ ساميَّة، وكل فِكرةٍ نبيلة، وتقع المجتمعات والأفراد والأفكار والقيم والأخلاق ضحايا لبعض الانتهازيين والمُستغِلِّين من الناس، ويصبح التطلُّع إلى القيمة بمعزلٍ عن المادة ضربٌ من الاستحالة.

وقولًا واحدًا، رجال الدين هُم حفنة من أصحاب المال والسُلطة، لا علاقة لهم بقيمٍ إنسانيَّة ولا تديُّنٍ حقيقيّ، وإنما كل ما يهمهم هو ما ذكرت، ولا أستثني أحدًا، لا من قريب ولا مِن بعيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد